فضاءات ضيقة | الأدب ونظرية الانعكاس

د. عاطف البطرس:

يجمع معظم الباحثين في نظرية المعرفة على أنها فعل تراكمي تاريخي يتشكل من خلال انعكاس العالم الموضوعي على الدماغ عبر الحواس والجملة العصبية في فعالية غاية في الدقة والتنظيم والتعقيد.

عملية الانعكاس هذه لها أنظمتها وقوانينها الخاصة في كل حقل معرفي، هذه الخصوصية لا تلغي النواظم العامة لها.

في الأدب مثلاً تأخذ عملية الانعكاس أبعاداً أكثر عمقاً وتعقيداً فالذات العاكسة (ذات الكاتب الإبداعية) لا تعكس الواقع الموضوعي كما تعكس المرآة الضوء وفق قانون: زاوية الورود تساوي زاوية الانعكاس، لأنها ليست ذاتاً صقيلة، وهي متشكل تاريخي ثقافي معرفي نفسي، فما يصدر عنها لا يمكن أن يخرج كما دخل إليها وإنما يمر عبر عملية متشابكة تحمل في النهاية تلاوين الذات العاكسة، ومستواها المعرفي وواقعها التاريخي الاجتماعي وفق العلاقة الثلاثية التالية: (العاكس والمعكوس والمنعكس).

في الشعر على سبيل المثال تكون استجابة الذات العاكسة أسرع منها في الرواية نظراً لطبيعة كل من الجنسين والاستجابة هذه ليست كما ترتسم الصورة على الشبكية عبر آلية البصر، لأنها تخضع لفترات من التخمر والتفاعل التضايفي متلونة بلونيات الذات العاكسة.

موضوع واحد مثلاً يجد انعكاساً مختلفاً عند عدة مبدعين، لأن ذاتهم الإبداعية ليست واحدة وإن كانت واحدة عضوياً.

من هذا المنظور لا بد من فترات لولادة المعكوس (الإنتاج الأدبي)، ومن الخطأ الإلحاح في الطلب من الكتاب أن يواكبوا الواقع، وأن يصوروا ما يحدث فيه، فالمسألة تحتاج إلى تأمل وتفكير وتجربة وخبرة، وإلا وقع الإنتاج الأدبي في مطب الوثائقية على أهميتها على حساب الفنية.

عبرت سوريا حرب طاحنة عدوانية ظالمة معقدة تشابك فيها الداخلي مع الإقليمي مع الدولي، فك التشابك نظرياً يحتاج إلى وقت، فكيف إذا كنا ننتظر ولادة عمل فني يرقى إلى مستوى الأحداث الكبيرة!.

التحدي الذي يواجه الإبداع كامن في أن ما يحصل في الواقع العملي أبلغ وأكثر دلالة من قدرة الكتاب على تجسيده وتخييله إبداعياً، وهذا يتطلب منهم بذل المزيد من الجهد والتروي والمعاناة (معاناة الخلق الفني) لكي يقدم أعمالاً إبداعية تتجاوز الوثائقية وتدخل تاريخ الأدب.

التجربة التاريخية للحروب الطويلة تقول: إن أعظم الكتاب وأهم الأعمال الخالدة لم تنجز مباشرة أثناء الحرب بل بعدها بسنوات طويلة، فرائعة تولستوي (الحرب والسلام) تطلب إنجازها سنوات طوال ورحلة عذاب إبداعية من الصعب تصورها، وكذلك أعمال أرنست همنغواي وشيلوخوف وغورغي وجون شتاينبك وغيرهم.

ممن صوروا كوارث الحروب وجسدوا آثارها على النفس البشرية.

ما يسمى بآداب الحرب يكتسب أهمية تاريخية تسجيلية وثائقية دون شك، لكن هذه الأهمية تبهت إلى حد التلاشي إذا لم تعزز بحوامل فنية تستطيع النهوض بها ورفعها من مستوى الواقع لكل ما في من حرارة وتوهج إلى جماليات ومتعة المتخيل.

يبقى الواقع مصدر الإبداع ومرجعيته و ذات الكاتب الإبداعية لا تستنسخه كما هو، وإنما تعيد خلقه بتقديمه ليس كماهو كائن فقط، وإنما يجب أن يكون، وبذلك تمارس الذات دورها الخلاق وتحقق أحد أهم وظائف الأدب، بعدم إنفصاله عن الواقع الذي ينتجه من جهة، ورفع سويته إلى ذرى الفن والإبداع من الجهة الأخرى.

بحيث يتجاوز عصره ويبقى إلى عصور مديدة عبرة ومتعة للأجيال القادمة.

العدد 886 - 13/11/2019