سيرة ماركس اليوم

بولس سركو:

لا يختلف اثنان على أن ماركس هو أكثر الفلاسفة تأثيراً في التاريخ، وأكثرهم إثارة للجدل بين أنصاره وأعدائه، وبين أنصاره المختلفين على تفسير مقولاته أنفسهم، وأيضاً بين أعدائه المختلفين على ملاحقة شبحه إلى أقاصي الكون، أو العودة إليه مجدداً بعد استمرار الاختناقات المالية الكبرى المتفاقمة التي تنبأ ماركس بها، وفشلت اللبرالية الجديدة في الحد أو التخلص منها، بعد أن أشاعت وهماً بأن السوق الحرة كفيلة بحل جميع أزماتها إذا ما تركت لنفسها.

هذه الفعالية العائدة للماركسية اليوم دليل على أن الحقائق الكبرى الأساسية المتضمنة في الفلسفة الماركسية ما تزال تشكّل المخرج الأفضل للمجتمع الانساني من البربرية المتجددة بفعل السياسات اللبرالية المتوحشة، دون تجاهل ضرورة عمل المفكرين الماركسيين المعاصرين على قراءة الواقع العالمي الحالي، ونقده وتبيان ما ينسجم وما لا ينسجم معه من المقولات الماركسية التي بنيت على وقائع زمن ماركس.

يدّعي بعض أعداء الماركسية أن هذه الضرورة تشكل إدماناً مرضياً لماركسيين محافظين يقدسون ماركس ونظريته، لكنها في الحقيقة تشكل حاجة ملحة لبشرية مرهقة من الجوع والمرض والفقر والحرمان والقلق الوجودي والخوف والبؤس العام والتفاوت الطبقي وغياب المساواة والعدالة والقانون والقيم الإنسانية والأخلاقية، بشرية أدمتها الحروب والمجازر والصراعات الدينية والإثنية، بما فيها من عنف سادي غير مسبوق، لم يظهر بعد ماركس من يمنحها أي أمل بالخلاص.

كتب عبد الله المصري تحت عنوان جذاب مفخخ (هل تحتاج الماركسية إلى تجديد؟) مفتتحاً بمقولة للاقتصادية الإنجليزية جوان روبينسون (الماركسية أفيون الماركسيين) واصفاً بتجنٍّ مفضوح لينين بأنه قيصر الاتحاد السوفييتي، واتهمه بالتعصب وإغلاق العقول وبتحويل الماركسية وبيانها الشيوعي إلى لاهوت مقدس لا يسمح بالخروج عن تعاليمه، كما انتقد المادية الجدلية والمادية التاريخية والفكر الاقتصادي والفلسفة السياسية الماركسية والمجتمع الإنساني، الذي تصوره ماركس بردود ضحلة إلى حد الإضحاك اقتطفها من المفكرين المعادين للماركسية كقول (برتراند رسل) إن الماركسية مجردة من الصفة العلمية، وقول (رودولف كارناب) إنها فلسفة ميتافيزيقية، ويصل الكاتب في النهاية إلى جواب غير معلن بصراحة ووضوح، ولكنه مقروء من وراء السطور مفاده أن عالمنا اليوم لم يعد بحاجة إلى الماركسية مطلقاً.

ومع أن الكاتب نقل عن فريدريك أنجلس قوله (يجب ألّا يزعم مفكر أيّاً كان أنه بلغ الحقيقة المطلقة والنهائية، وأن أيّ فكرة هي وليدة ظروف معينة قد تكون صالحة أو غير صالحة في هذه الظروف بعينها، وإذا كانت الفكرة ملائمة اليوم فقد لا تصبح كذلك غداً، ولذلك يجب أن يكفّ الإنسان عن طلب حلول نهائية وحقائق خالدة)، في محاولة للقول بأن ورثة ماركس وأنجلس السوفييت قد أجهضوا هذه المقولة، لكن محاولته تظهر حقيقة عدم معرفته الكافية باللينينية؛ فأحد أهم ما كتبه لينين هو كتاب (ضد الجمود العقائدي والانعزالية في الحركة العمالية). وقد جاء في مادة بعنوان (الجملة الثورية) من الكتاب، على سبيل المثال لا الحصر، تعريفاً لهذه الجملة بأنها (تكرار الشعارات الثورية دون حسبان الحساب للظروف الموضوعية الناشئة عند وقوع انعطاف معني في الأحداث وعند ظهور وضع معني).

من الواضح أن الكاتب غير متعمق في القضية التي تناولها بمزيد من السطحية في أجواء دعائية دارجة، ومقالته مجرد مثال بسيط عن كمٍّ هائل يكاد لا يحصى من مقالات (البسطات) المليئة بالافتراء على ماركس والماركسية وأنصارها، مقالات لم تفلح رغم ذلك في إزاحة أثر الماركسية العميق المتواصل عبر كتابات معاصرة واعية ومسؤولة تجاه المجتمع الإنساني. ففي مقالة بعنوان (راهنية أفكار كارل ماركس) للكاتب الماركسي البريطاني آلان وودز، نقرأ الرد العلمي الساحق الدقيق على كل ذلك الافتراء.

تظهر المقالة، على عكس استنتاجات المفترين جميعاً، كما  أن أفكار ماركس لم تكن قطّ أكثر راهنية مما هي عليه اليوم، وذلك لأننا عندما نتكلم عن أهمية كارل ماركس اليوم – حسب الكاتب – لا نكون بصدد الحديث عن المقابر بل عن الأفكار، الأفكار التي صمدت أمام اختبار التاريخ وخرجت الآن منتصرة، وهو ما يجد حتى بعض أعداء الماركسية أنفسهم مجبرين على الاعتراف به على مضض. ويضع الكاتب انهيار عام 2008 الاقتصادي مثالاً واقعياً على أن من عفا عليه الزمن ليس ماركس، بل أفكار المدافعين عن الرأسمالية التي يجب رميها في مزبلة التاريخ، وقدّم العديد من النماذج عن اعترافات كبار الاقتصاديين والمحللين الرأسماليين الذين طالبوا بالعودة إلى التحليل الماركسي لمعرفة ماذا يحصل. وقد كتب أحدهم على سبيل المثال: (أعطوا كارل ماركس فرصة لإنقاذ الاقتصاد العالمي) ونصح آخر واضعي السياسات بأنهم سيحسنون صنعاً لو قاموا بدراسة أعمال اقتصادي توفي منذ زمن بعيد هو كارل ماركس.

وبيّن الكاتب أن جميع الاقتصاديين الليبراليين اليوم عاجزون تماماً عن تقديم حل حقيقي للأزمة مشيراً في الوقت نفسه إلى البيان الشيوعي قائلاً (من العجيب حقاً أن تعتقد أن كتاباً أُلِّف سنة 1847 يمكنه أن يقدم صورة لعالم القرن الـ 21 بوضوح وصدق). وأضاف (إن تنبؤات البيان الشيوعي تحققت بشكل كامل وأكثر حتى مما كان ماركس نفسه يتصور). وقدم العديد من الأمثلة حول السيرورة الحتمية لتمركز الرأسمال، وابتلاع الاحتكارات الكبيرة للشركات الصغرى وعمليات اندماج البنوك التي تلاها فقدان مئات آلاف الوظائف وإغلاق المصانع وطرد مئات آلاف من العمال.

نبوءة ثانية لا تقل أهمية أوردها الكاتب تحت العنوان الفرعي (العولمة وانعدام المساواة) وردت في البيان الشيوعي حول التبعية الناجمة عن تطور السوق العالمية التي جعلت، حسب البيان والواقع الحالي معاَ، حتى أكبر البلدان وأقواها تابعة، مما يدحض كلّ النظريات التي اعتبرت العولمة ظاهرة جديدة، مع كل الجهد المضني الذي بُذل لإثبات أن ماركس كان مخطئاَ.

النبوءة الثالثة في البيان الشيوعي كانت البطالة، التي يقول الكاتب إن رقمها الحقيقي بلغ اليوم ما لا يقل عن مليار نسمة، وأورد عدة نبوءات مع مصادرها في البيان كفائض الإنتاج والاستلاب وغيرها، وردّ على الادعاءات الرأسمالية القائلة إن الطبقة العاملة لم تعد موجودة، موضحاَ أن العكس هو الصحيح، لأن هذه الطبقة توسعت لتصبح كلمة (البروليتاريا) مفهوماً يشمل طيفاً واسعاً من الفئات الاجتماعية الأكثر كفاحية، تضم المدرسين وموظفي القطاع العام والعاملين في البنوك …الخ.

رد الكاتب أيضاً على التشكيك بمادية الماركسية وعلميّتها، موضحاً كيفية تحليل ماركس لقانون حركة المجتمع الرأسمالي، نشأته وتطوره وكيف سيتوقف بالضرورة في لحظة معينة، كما رد على منتقدي المادية التاريخية والفلسفة السياسية والجدل الماركسي، ودافع عن لينين باعتباره العدو اللدود للبيروقراطية مستشهداً بكتابه (الدولة والثورة) الذي عيّن فيه الشروط الاساسية للديمقراطية العمالية، وختم بالقول: (قبل عشرين عاماً تحدث فوكوياما عن نهاية التاريخ لكن التاريخ لم ينتهِ، في الواقع إن التاريخ الحقيقي لجنسنا سيبدأ فقط عندما ستتمكن الطبقة العاملة من القضاء على عبودية المجتمع الطبقي). وقال: (إننا نشهد عذابات موت مؤلم لنظام اجتماعي لا يستحق أن يعيش، لكنه يرفض أن يموت، هذا هو التفسير الحقيقي للحروب والإرهاب والعنف والموت، السمات الرئيسية للعصر الذي نعيش فيه) مذكِّراً في النهاية بكلمة ماركس: (إن الخيار أمام الجنس البشري هو إما الاشتراكية أو الهمجية).

العدد 895 - 22/1/2020