وحدهم خونة الداخل واللصوص سعداء اليوم!!

سامر منصور:

الغضب والحزن والسّعد والفرح مشاعر تتبادل الأدوار في قلوبنا حتى في فترة الحرب والخراب، لكن الحزن يكون على مسافة أقرب ويتجلى حولنا في العديد من المشاهد التي تستثير تعاطفنا. إلى أي مدى نستطيع نحن السوريين أن نكون فرحين، أو بمعنى آخر من أقدرنا على الفرح؟ وهل يمكن لأغنية أو كتاب أو مشهد كوميدي أن يُبهجنا؟ وهل تغني البهجة العابرة عن المواجع المُنبثّة حولنا لسنوات وسنوات؟ هل بسمتنا سريعة الذوبان؟ كيف نُحقق الراحة النفسية؟ وأيُّ سعادة حقيقية يمكن أن تكون ذات تغذية راجعة بيننا وبين محيطنا؟

الإنسان كأي كائن يتمُّ ترويضه وتعويده حتى على ما يخالف إنسانيته، فكما الأسود والنمور تتصرف كقطط وديعة في السيرك رغم اكتظاظ أفواهها بالأنياب، كذلك الإنسان يمكن تعويده على خلاف طبيعته. إن أقلّ الناس تأثراً بالحرب الدموية على سورية هم فئتان: الأثرياء الذين يقطنون الأحياء الراقية التي بقيت خارج ما يزيد عن 98 بالمئة ممّا عصف بالشارع السوري، وأنا أقصد هنا الأثرياء الذين نشؤوا وتربوا كضحايا للعولمة والثقافة الاستهلاكية، فهم ذاتيون ينتمون إلى الموضة وإلى أشيائهم ولا يحتكون إلاّ بأبناء طبقتهم، وتربّوا على ازدراء الآخر وعدم التعاطف مع الطبقات الدنيا من المجتمع ولا يرون فيهم بشراً، وقد صادقت بعضاً من هؤلاء وهم لم يعيشوا أزمات الحرب على الإطلاق، بل إن الحرب مرّت دون أن يروا منها سوى ما يراه أسترالي أو كندي يعيش في أقصى الأرض، على شاشات التلفزة. ورغم أنهم يصادفون أطفالاً مُشردين حزانى ثيابهم بالية مُبللين بالمطر، إلاّ أن كلباً أو هرّة يعرفونها تُثير تعاطفهم أكثر إن مسّها سوء. الفئة الثانية الأقل تعاطفاً، هي أكثر الناس سطحية وجهلاً، أي أولئك الذين يعيشون حياة أقرب إلى الغرائزية الحيوانية منها إلى الحياة الإنسانية، حيث الذات الإنسانية يقظة واعية مُبدعة خلاّقة. وما أكثر هؤلاء في مجتمعنا!! فهؤلاء لا يهتمون بأي شيء خارج حيّهم، ولا يسمعون نشرات الأخبار ولا يعرفون حتى خارطة بلادهم أو أن الأرض كروية و.. و..، حدود تفكيرهم حواف (الطنجرة) ولا يعرفون إلاّ الطبخ والتكاثر والزواج، و(سيران المشاوي) هو أهم مصدر لمعلوماتهم الجغرافية.

كلما ازادت الروابط الجامعة بين الناس ازداد التعاطف، فالتقارب في المكان والأنساب ومنظومات الأفكار وحتى الذهنية (طرائق التفكير وأنماطه) هي ما يجمع الناس وجدانياً، فالجار، القريب، زميل العمل، رجل الدين… الخ، نحزن لحزنهم ونفرح لفرحهم. وفي الدول التي تُقيم العدل ويسود فيها القانون ولا تُعاني من صراع طبقي ولا يشعر معظم مواطنيها بالغبن والاضطهاد، ينشأ ويتعزز انتماء وطني ويكون رابطة بين الناس، ويمكن أن يغضب الملايين ويخرج بعضهم للتظاهر إن تعرّض طفل أو رجل للظلم أو إجراءات تعسفية في بلد أجنبي دون أن تُحرّك حكومة بلاده ساكناً، أو إن تعرّض للظلم في بلده وتحوّلت قضيته بفضل إضاءة ومتابعة من السلطة الرابعة إلى (قضية رأي عام) وقد شاهدنا مئات من هذه الحالات في جميع الدول المتقدمة. أما في الدول التي فيها ما هو فوق القانون وما هو تحت القانون، وكأن القانون رفّ في محل بقالة، وبالتالي فيها طبقية، البلاد التي يمارس فيها التسلط والتعفيش والاختفاء القسري للناس، في (دول) كهذه يرتبط غضب أفرادها وحزنهم وفرحهم بشوفينية وعنصرية وبانتماءات ضيّقة طائفية وإثنية وعرقية أكثر ممّا يرتبط بما ينتهك من كرامة المواطن أو سيادة الوطن عموماً. وتسود فيها مقولات تفيد بالتواكل والانسحاب والتهرّب حتى من مجرد إبداء الرأي في الشأن العام، مثل مقولة (الله يفرج).

باختصار أرى مباعث التعاطف والسعادة والغضب يأتي جلّها مع الأسف في بلادنا العربية من الدائرة الضيّقة للفرد. وفي جميع أنحاء المعمورة عموماً، الآخر هو من يمنحنا السعادة الأعمق أو الألم والحزن. في استطلاع أجريته لإحدى الصحف قبل سنوات الحرب، طرحنا فيه سؤالاً: من أكثر من تسبّب لك بالألم في حياتك؟ ووضعنا احتمالات (صديق، غريب، قريب، حبيب) وتضمّن الاستطلاع أكثر من 100 شخص من أعمار مختلفة ومن كلا الجنسين، جاءت الإجابات وفق الترتيب التالي تنازلياً (حبيب، صديق، قريب، غريب). أي أننا نجلب لأنفسنا الحزن من حيث نريد أن نجلب الفرح، فمبعث الحزن هو العلاقات الاجتماعية التي يكتنفها سوء تقدير، بمعنى تقدير الآخر تقديراً عالياً وثقة ليس أهلاً لهما، ومنحه من وقتنا ووجداننا وتفكيرنا وربما مالنا ما لا يكون وفياً له.

إن مصادر السعادة والكآبة الأخرى مُستمدة من النجاح والفشل والقدرة على تثمير الجهود وتحقيق عيش يكفل الكرامة الإنسانية في ظروف عمل لائقة، ومن هنا نجد الدول ذات القيادات الفاشلة تغلب على أنشطتها الاجتماعية الأكثر استقطاباً وعلى برامج قنواتها التلفزيونية، الأنشطة الفنية الغنائية والموسيقية وبرامج المسابقات والبرامج والفعاليات الترفيهية، فشعوبها ترزح تحت ضغوط الحياة، ويتفشى فيها الاكتئاب ويحتاج الناس إلى ما يروّح عنهم. ببساطة السعادة الأكثر استدامة وشمولاً لكل من هو قريب منّا ولماضينا وحاضرنا ومستقبلنا لا يمكن أن تتحقق بنسب مقبولة في مجتمع يسوده الظلم والفساد والإفساد وكمّ الأفواه، السعادة العميقة الحقيقية البعيدة عن الوهم والسادية والمازوخية… الخ، هي ثمرة التعاون والتواشج الاجتماعي الذي يضمن النجاح والريادة لكل البُنى الاجتماعية من أصغرها (الأسرة) وصولاً إلى أكبرها.

العدد 882 - 16/10/2019