فلنرفع نخب من كانت أصل الحياة

إيناس ونوس:

أمُّ الحياة، وأصلها

ترنيمة الصَّباح العذبة

إطلالة قمرٍ بهيٍّ ليالي الصَّيف

ندى الرَّبيع، وصلابة الصُّخور

جذر العطاء وسكينة الرُّوح

إنها المرأة بكل صورها وتجلياتها، أماً، أختاً، زوجة وابنة.

المرأة التي تعي من تكون، ومعنى وجودها، وماهية الحياة.

المرأة التي تحفر الصَّخر كل صباحٍ، وتبلسم الجراح كل مساء.

الابتسامة التي تعطي للوجود معنىً، وللروح أملاً.

اللَّمسة السِّحرية التي تُحوّل اليباس اخضراراً، والمدى اتساعاً.

حين تعي المرأة معنى وجودها، وأهميته، وضرورته، تُدرك أهمية الحياة وقيمتها مهما كانت الظُّروف، ومهما قست عليها الأيام، وحتى يتحقَّق كل هذا لا بدّ لها من أن تعطي لذاتها بعضاً من حقِّها عليها وعلى المحيطين بها، أن تترك لروحها فسحةً مهما صغرت لتتمكّن من سماع أغنيةٍ تفضِّلها فتستفيق فجأةً على نفسها تتمايل مُنتشيةً، فتثير بداخلها الرَّغبة بالحياة، أو من إيجاد متَّسعٍ من الوقت يُمكِّنها من قراءة كتابٍ أو متابعة نشاطٍ يروقها، أو مُجرد ارتشاف فنجان قهوةٍ ذات صباحٍ أو مساء يُعيد لها صفاء سريرتها ونقاءها.

ذات يوم، بينما كنت أتابع فيلماً عن الحرب العالمية الثَّانية، لفتني أحد المشاهد الذي يصوِّر إحدى العوائل أثناء نزوحها، وفي أشدِّ اللَّحظات حلكةً وقسوة، تقف الزَّوجة/ الأم أمام المرآة لثوانٍ معدودةٍ تتأمَّل جمال ملامح وجهها، وكأن المخرج أراد أن يوصل رسالةً مفادها أنه بإمكان المرأة بالرَّغم من كل الظُّروف أن تأخذ لنفسها بعضاً من الوقت. أكَّد هذا المشهد قدرة المرأة على موازنة الأمور وإعطاء كل جانبٍ حقَّه، ولذلك وصفت بأنها الدُّنيا على اتِّساعها، والحياة برمَّتها، لأنها من تهب الحياة وتفسح المجال لأشعَّة الشَّمس أن تتغلغل في أشدِّ الأرواح بأساً، فما بالنا إن كانت هي نفسها من تمنح روحها بعضاً من السَّكينة والهدوء اللذين سيتحوَّلان بالضَّرورة لمزيدٍ من العطاء والتَّفاني في سبيل كلِّ من حولها أثناء رحلتها في مواجهة صعوبات الحياة ومتطلَّباتها؟!

فلنرقصْ ولنغنِّ! فلنفرح ونتفاءل، ولنشرب نخب كلِّ امرأةٍ قادرةً على أن تحيا لذاتها ولو لوهلة!

العدد 882 - 16/10/2019