الدعم الحكومي من جيبة المواطن

سليمان أمين:

بين الدعم والمدعوم صراع يعيشه المواطنون السوريون خلال السنوات الأخيرة، بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار دون أن يفكروا ولو قليلاً في المواد المدعومة وهل هي بالحقيقة مدعومة ؟ فقد تناقلت صفحات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية  خبراً عن إلغاء الدعم الحكومي بشكل نهائي، على خلفية _وفق ما قيل عنه_ نية الحكومة رفع الرواتب مقابل إلغاء الدعم، ولكن السؤال يبقى: هل المواطن مدعوم حقاً من قبل الحكومة بأبسط حقوقه ؟

خلال سنوات عانى السوريون من موجات الغلاء الشديدة التي مازالت ترتفع وفق بورصة الدولار، وتدني القيمة الفعلية لرواتب الموظفين سواء بالقطاع العام والخاص، وإذ يذهب نصفها إلى خزينة الحكومة لقاء ضرائب وفواتير متعددة وكثيرة يدفعها المواطنون مع بداية كل شهر لقاء خدمات أساسية يحتاجها الإنسان لكي يعيش، كالكهرباء والماء والاتصالات وغيرها من الخدمات المفروضة عليه من قبل المؤسسات الحكومية الخدمية، كالنظافة وضرائب أخرى متنوعة، ليبقى للمواطن الموظف ثلث راتبه الذي يتقاضاه سواء من الوظيفة العامة أو الخاصة، وتعود هذه الأموال مرة أخرى إلى خزينة الحكومة كعملية تدوير شهرية.

وإذا عدنا لموضوع الدعم الحكومي للسلع والمواد الأساسية للمواد وبحساب مقارنة بسيط بين التسعينيات و2010، واليوم لوجدنا فوارق كبيرة في عملية الدعم، ويمكن القول إن الدعم تضاءل وانحصر في ثلاثة أشياء، فقد كانت السلع الأساسية التي يحتاجها المواطن مدعومة ويحصل عليها عن طريق قسائم التموين، وبدأت رحلة تدرج أسعار السلع بالارتفاع قبل الحرب منذ عام 2009، وهي: (السكر، الرز، البنزين، الغاز، المازوت، الخبز، إضافة إلى الكهرباء)، وتوسعت عام 2013 لتشمل الشاي والبرغل والسَمن والزيت النباتي وغيرها من السلع الأخرى .

وبمثال بسيط لبعض المواد الأساسية ومقارنة أسعارها بين فترات زمنية سنلاحظ الفرق واضحاً جداً وازداد بفوارق كبيرة خلال الأعوام الأخيرة:

المادة السعر عام 2010 السعر عام 2019 الفارق السعري
المازوت 15 ليرة سورية 180 ليرة سورية 165 ليرة سورية
البنزين 45 ليرة سورية 425 – 550 ل.س 380 – 505ل.س
السكر 25 ليرة سورية 375 ليرة سورية 350 ليرة سورية
الرز 25 ليرة سورية 450 ليرة سورية 425 ليرة سورية
الخبز 15 ليرة سورية 50 ليرة سورية 35 ليرة سورية
الزيت 75 ليرة سورية 750 ليرة سورية 675 ليرة سورية
الغاز 250 2500 ليرة سورية 2250 ليرة سورية

 

أسعار المحروقات والغاز الواردة هي التسعيرة الحكومية غير المعمول بها، فإذا عدنا إلى المازوت فهو يباع بأسعار السوق السوداء وكذلك الغاز غير متوفر دوماً بالشكل السليم وقد باتت هذه المواد خاضعة لبطاقات وتعطى بالتقنين الصعب للمواطن السوري.

قفزات كبيرة حصلت للأسعار ويمكن القول أنها قد حُرّرت ولم تعد خاضعة لما يسمى الدعم، فإذا عدنا وقسنا الأسعار برواتب الموظف قبل وبعد لوجدنا تراجع راتب الموظف إلى حدود الدنيا ولم يرتفع مقابل الدولار ومثال:

راتب الموظف بالليرة السورية بالدولار
عام 2010 10 آلاف ليرة سورية 223 دولار
عام 2019 30 ألف ليرة سورية 60 دولار

 

التراجع المعيشي للمواطن السوري واضح وكبير قبل الحرب وبعدها، والسؤال الذي لم يحصل جواب عنه عليه حتى اليوم ماذا تدعم الحكومة ونسبة الفقر فاقت في المجتمع السوري 87% ؟

منذ عام 2012، والسوريون لا يحصلون على شيء من المواد الغذائية المدعومة، والمحروقات متاحة  بكميات قليلة  وتتضاءل باستمرار فمثلاً تراجعت الكميات المعطاة لوسائط النقل العامة المرخصة أصولاً، كما تراجعت الكميات المعطاة للمواطنين من أجل التدفئة في الشتاء من 200 لتر إلى 100 ليتر، ويحصل عليها المواطن بعد عناء طويل جداً، بينما يمكن الحصول عليها وبكل سهولة بالسعر غير المدعوم أو بسعر السوق السوداء فهي متوفرة بكثرة، ويمكن القول إن تحرير الأسعار وفّر على الخزينة مبالغ مالية غير قليلة إلا إن هذا الوفر أدى إلى تدني المستوى المعيشي لغالبية المواطنين السوريين، نتيجة ارتفاع أسعار تلك المواد لأكثر من عشرة أضعاف في الأسواق.

ولم نتحدث عن الارتفاعات التي شهدتها كل الخدمات والقطاعات الأخرى كالاتصالات التي تضاعفت أسعارها بفوارق كبيرة .

القول ينقصه التطبيق والفعل

إن أحد أهم أهداف الدعم الحكومي للمواد الاستهلاكية، هو توفير مواد  أساسية أسعارها ليست في متناول الفئات الاجتماعية كلها، وتسدد ميزانية الحكومات الفرق بين سعر البيع والسعر الحقيقي للسلع، والسعر يُحدد وفقاً لمستويات الدخل الدنيا، ويُسمى هذا النوع من الدعم بالدعم المباشر.

أي أن الحكومات غير القادرة على رفع رواتب العاملين بما يتناسب مع مستوى المعيشة على سبيل المثال، والتي ترغب بالحد من الفروقات الاجتماعية، تقوم بدعم بعض المواد الأساسية واليومية للمواطنين الذين يستحقون الدعم، وتقدمها بأسعار مخفضة جداً، تساهم برفع سوية معيشة هذه الشريحة، وتنعش بعض القطاعات الإنتاجية الرسمية، بتصريف منتجاتها عبر شرائها بالسعر المحدد قبل الدعم، وإن عدنا إلى المؤسسات الاستهلاكية الحكومية التي باتت مؤسسة مستقلة لها أفرعها وصالاتها في كل المحافظات، وقارنا بين منتجاتها وأسعارها وبين منتجات الأسواق المحلية وأسعارها فلن نجد أي فروق بالأسعار، بل يمكن أن يجد المواطن التنوع الكبير بالسوق المحلية وبأسعار متنوعة على عكس ما يجده في صالات المؤسسات الاستهلاكية المحدودة الأنواع والأصناف وبأسعار حرة غير مدعومة.

ويمكن أن نقول ختاماً إن الدعم الحكومي هو آلية لحفظ التوازنات الاجتماعية عبر تقليص الفوارق في الدخل بما يساهم في الانتعاش الاقتصادي الشامل، وتقريب مستويات الدخل لدى أغلب الفئات الاجتماعية.

ولكن للأسف كل ذلك اندثر الحرب خلال الحرب بسياسات الحكومات المتعاقبة غير المدروسة على أسس علاجية، فقد بدأت الحكومات المتعاقبة بسحب الدعم شيئاً فشيئاً رغم تدني مستوى الرواتب، مقارنة بالغلاء الحاصل، وانخفاض قيمة الليرة أمام الدولار، ما ساهم بتكريس فجوة طبقية اجتماعية واقتصادية باتت واضحة اليوم وضوح الشمس.

وسؤالنا الأخير: أين هو الدعم الحكومي الذي تصرح به الحكومة كلما ارتفعت الأسعار وارتفع سعر الصرف؟.

 

العدد 882 - 16/10/2019