التنويـر في سوريـة إلى أيـن؟

علاء زريفة:

يتساءل المفكر المغربي الراحل، محمّد عابد الجابري، عن إمكانية قيام نهضة بغير عقل ناهض. يقودنا هذا القول إلى محاولة فهم شعار التنوير (الذي يبدو خياراً دونكيشوتياً بامتياز).

من هنا، لا بد للمثقف السوري اليوم أن يرتقي إلى مستوى الصراع الموجود داخلياً، وأن يخرج من عباءة الدور التقليدي للمثقف عضوياً، كما يعرفه المفكر الإيطالي غرامشي، و(يجب تحريك الخوف وإخراج العنف، ويجب إثارة الحواس وكشف الحب والجريمة والحرب وخصوصاً الجنون في جوانبها الأكثر بشاعة وفظاعة).

كما يطرح أنتونين أرتو فكرته عن الكتابة من خلال العرض المسرحي (مسرح القسوة)، هذا يدفعنا إلى سؤال أساسي ودائم موجود في ذهن كل مشتغل في الأدب: (لماذا نكتب؟).

تبدو الضبابية اليوم مسيطرة على المشهد الثقافي السوري، إذ لا يزال المثقف (يمشي الحيط) ويطلب براءته فقط من أزمات حادة تتعرض لها البلاد.

تشكل الحرب المستمرة، منذ ثماني سنوات ونيّف، نتيجةً حتمية لمتراكمات تاريخية وسياسية وإرهاصات وعي، تنخر، بسوس موروثها المتعفّن، الجسدَ الوطني، اليوم.

المضحك المبكي أن عجز هذا المثقف (يقابله تطور كبير في الذهنية العامة لدى معظم الشباب السوري الذي حمل السلاح، وتوجه إلى الميدان، مدركاً تماماً وواعياً لتجذّر نوعي للهوية (كبعد فردي ذاتي أولاً، لا يتعارض مع البعد الجمعي الذي يختزل رغبات هؤلاء جميعاً في وطن حقيقي خارج أي تقسيم تجزيئي لهذه الهوية.

ويمكننا القول بحتمية وجود أزمة مثقف عجز، ولا يزال، عن دفع عجلة الوعي إلى الأمام، تاركاً الساحة مفتوحة لكل تجار العقول ومروجي حشيش العفن الفكري الغيبي، بل نراه أحياناً ينقلب على يساريته متطرّفاً باتجاه أقصى اليمين.

هذا التخاذل والانبطاح لا يمكن اعتبار الفرد المثقف مسؤولاً عنه وحده كقوة ناعمة فشلت النخب بترسيخها كقادة لمجتمع ينهض من مرحلة استعمارية طويلة، واضطرابات داخلية أخّرت بشكل كبير تقدم هذا الجمع البشري ككل.

(التنفيعات والطبطبة والركون) لعدمية مفرغة من أي قيمة فلسفية وجودية بالجلوس في برج عاجي، ينظر من خلاله هذا الكائن اللامنتمي سلباً إلى الشأن العام من ثقب ضئيل (عاهاته الخاصة) وضعفه المأزوم، ليخرجها بصفة إنكارية، متهماً الجميع بتهميشه وهو المهمش ذاتياً والعاجز ذاتياً، وممارساً سلطته الوهمية على لا شيء عبر تعليب الكتابة في إطار ميتافيزيقيا مضادة لا تغني ولا تسمن من جوع.

المثقف الذي يكذب على نفسه، المقيد في إطار الأبد أو الفراغ الوجودي، مستخدماً النكران وسيلةً للخروج من عبء مسؤولياته، ومرتاحاً لهامشه كمعذب مازوشي محروم من الدور ذاتياً أيضاً.

هنا من النافلَ ذكر ما قاله الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: (الرجل الثوري هو من يقول: لا!).

المطلوب من المثقف (هو الصراخ وفلسفة هذا الصراخ ، الرفض) كأداة تحريض على الخير العام ، والاتساق الفكري من حركية مجتمعية نامية مطلوب منه التنظير لها، وتحديد معالمها واستخراج البنى الفكرية لها بغية الدفع بالتطور، وإن كان يسير بسرعة السلحفاة (ونقده، أي هذا التطور)، وهذا يقودنا بالضرورة إلى إدراك المفهوم الغربي للحداثة بأنسنة الدين)، أي إحلال الأساطير بدلاً من الدين وإعادتها إلى جسم الإنسان، لذلك لا بد من تحليل مفهوم التنوير بالمعنى الحداثوي، بانزياحاته (إلى نقل العلاقة مع المقدس والإسراري التاريخي والماضوي، إلى حيزه البشري المعيش كركيزة أساسية وخطوة أولى ، إذ لا يبدو الوسط الثقافي لدينا حتى الآن مستعداً لمثل هذا الترف.

العدد 919 - 15/07/2020