كنوز مدفونة وصدأ فعّال

الدكتور سنان علي ديب:

ليس من الضروري أن تمتلك البلد ثروات معدنية وزراعية وغيرها لكي تحقق النمو الذي ينعكس على التنمية بمختلف أشكالها، يعني ينعكس على جودة المعيشة والخدمات والأمن والأمان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والسيادي، فعبر مسيرة البلدان وجدنا كيف تجاوزت اليابان والمانيا انعكاسات الحرب العالمية، رغم فقر اليابان بالثروات الباطنية، وأثر ألمانيا عبر قروض مارشال لإعادة البناء، وكان السر الثقافة الشعبية المتوارثة لليابان، وقوة النظام التعليمي بألمانيا، الميزتان اللتان أنتجتا موارد بشرية منتجة فعالة منضبطة، فصارت هاتان الدولتان على قمة البلدان العالمية اقتصادياً وسياسياً ومكانياً. وفي العقود الجديدة كانت تجربة ماليزيا وسنغافورة عنواناً لتأهيل الكوادر المنضبطة التي حولت هذين البلدين إلى سويات تنموية متميزة ومتقدمة.

بالمقابل نجد العكس في بلداننا التي تمتلك الطائل من الثروات التي لو استثمرت بشكل صحيح لاكتفى العالم تنموياً، ولكنها تتراجع على سلم التنمية، بسبب الاستثمار الخاطئ لسكانها عبر مؤسسات تنشئة مفشلة. وهذا المرض العضال الذي أصابنا بالعمق على الرغم من تجاوزنا أشواطاً باتجاه التميز التنموي بمختلف أشكاله عبر بنى تحتية مؤسساتية قوية، قبل اللعب المؤدي للترهل والفوضى والفساد. فمؤسساتنا التعليمية والصحية داعمة تأهيل الكوادر وصلت إلى مراحل بالبنى التحتية وحتى الفوقية تفوقت على المستوى العالمي وخرّجت كوادر تستثمر لإنتاج الحضارة العالمية، وقولبة لباقي مؤسسات التنشئة بما يخدم البنى القيمية والأخلاقية والانضباطية، امتزجت مع مخرجات تعليمية جيدة فأعطت كوادر متميزة على مستوى العالم. فأي دولة لا تفتخر بكوادرها السورية من أعلى العلوم لمختلف الخدمات! وقد تلازم هذا الإخراج بتعيينات أغلبها على أساس الكفاءة والحاجة إلى النمو والتنمية، قبل أن يصيب الخلل والفساد مؤسسات التنشئة وقبل أن يضيع أسلوب التعيينات قدرتها وكفاءتها ويقوض إبداعاتها ويقوض بها استمرارية التنمية واستقلاليتها وتوازنها، فأدى هذا الأسلوب في التعيين إلى تقزيم للقدرات والكفاءات وتقويض للتنمية وترهيل للعملية الإدارية وباعث على هجرة وتهجير الثروات المميزة، وجرى ملء الفراغ بخشب مسوس وحديد صدئ، وصار هذا الأسلوب متوالية تراجع الأداء للوراء بدلاً من التجديد والتغيير، وأضيف إلى ذلك كله التحفيز الذي تلقاه الكفاءات في الخارج للهجرة والبقاء في دول التعليم او الاغتراب، فتفتقد بلدهم لخبراتهم ومنعكساتهم التنموية وتربح الدول الأخرى جهودهم. وزاد الطين بلة الحرب القذرة الأخيرة، وهي أسلوب استعماري انتهازي لحرمان بلدنا من خيرة كوادرها عبر الهجرة او حتى قتل الطاقات الشابة السورية. واستمر مسلسل الصدأ المميت للتنمية إن لم يبدل وينظف كبداية للمشروع القادم للتعافي التنموي وإعادة الإعمار.

هذه الإعادة التي أساس نجاحها إعادة البناء الإنساني عبر الإصلاح للهياكل القائمة وبناء الأجيال الجديدة بأسلوب يعالج مخلفات الحرب من الثقافات القذرة (عنف، فساد، أخلاقيات مزيفة لا تشابه روحيات العقائد).

قيل لتشرشل: سقطت لندن. فسأل: كيف القضاء والتعليم؟ فقالوا: بخير، فقال: لن تسقط لندن.

بانتظار إظهار الكنوز البشرية لمواجهة الصدأ القاتل.

وأسلوب الانتقاء والتعيين الوطني القائم على الكفاءة والانتماء هو الحل.

سورية ستعود أقوى وأصلب بانتظار تنظيف الصدأ.

العدد 878 - 18/09/2019