مستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

د. عامر خربوطلي:

تشير التطورات العالمية، وبخاصة التكنولوجية منها، إلى استمرار الاهتمام بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتزايد أهميتها على المستوى الاقتصادي، لأسباب عديدة منها:

  1. انتشار نظام (الامتياز):

الامتياز هو عمل يتخصص في تقديم منتج أو خدمة معينة في منطقة محدودة، وهو نظام لجأت إليه الشركات الكبيرة لتوزيع منتجاتها.

فعوضاً عن أن تفتح شركة (ماكدونالدز) للوجبات السريعة فرعاً لها في كل مدينة، تقوم بمنح امتيازات لأفراد ليقيم كل منهم (الفرع) بشروط محددة في عقد الامتياز.

هناك مجموعة مؤشرات تدل على أن أعداد الامتيازات ستميل إلى التزايد بسبب جاذبيتها لكل من الشركة الأم وكذلك لأصحاب الأعمال، خاصة في الدول النامية، بل هي توفر لهم الفرصة لإقامة مؤسسات صغيرة ومتوسطة ناجحة، خاصة إذا كانت الخدمة أو السلعة ذات سمعة عالمية.

  1. التطور التكنولوجي وتسهيل إقامة أعمال صغيرة:

فمثلاً أصبحت التكنولوجيا الحديثة تسمح بإنتاج قطع صغيرة قياسية يتم تجميعها، وهذا يسمح بقيام أعمال صغيرة تقوم بالتجميع فقط، كما يحصل حالياً في صناعة الحاسوب (الكمبيوتر)، فنجد في كل أنحاء العالم أعداداً هائلة من اعمال صغيرة تقوم بتجميع الكمبيوترات وبيعها.

  1. تحول الاقتصاد إلى اقتصاد معرفة:

إن إحدى أهم نتائج التطور التكنولوجي هي تحول اقتصادات كثير من دول العالم إلى ما يسمى باقتصاد المعرفة، من خلال:

أ -الاستخدام الموسع لتكنولوجيا المعلومات ولأنظمتها في العمل.

ب- توسع التجارة والتسويق الإلكتروني باستخدام الإنترنت وشبكات الاتصال.

هذه التغيرات توفر الفرص لأعداد كبيرة من الأعمال الصغيرة، خاصة في الدول النامية، فرص دخول أسواق عالمية نائية ومنافسة الأعمال في الدول المتقدمة، لأنها تتمتع بمزايا انخفاض التكاليف.

  1. انتشار صيغ العمل عن بعد:

ساعدت تكنولوجيا الاتصالات في انتشار العمل عن بعد (العمل من المنزل أو من مركز عمل، بل حتى من خلال الهاتف النقال) مما يساهم في تنامي إقامة المؤسسات الصغيرة وازدهارها.

  1. تزايد الاهتمام بدعم الريادة واحتضان الإمكانيات الإبداعية التكنولوجية:

مما أدى إلى زيادة عدد المؤسسات الحكومية والدولية لرعاية الرياديين ومساعدتهم، فأكثر الحكومات اليوم تقدم دعماً خاصاً مالياً وفنياً لهؤلاء الشباب لتمكينهم من إقامة أعمال خاصة بهم.

كما أدى إدراك أهمية العلم والتكنولوجيا في نمو الاقتصاد إلى تصاعد أعداد البرامج التي تدعم وتحتضن أصحاب الأفكار الإبداعية العلمية والتكنولوجية، الذين قد لا يملكون الموارد المالية أو المهارات الإدارية لتحويلها إلى عمل صغير. فهناك حالياً أعداد كبيرة من برامج بأسماء مختلفة خاصة بدعم هؤلاء، منها مثلاً حاضنات الأعمال التكنولوجية، أو حدائق التكنولوجيا أو الحاضنات الافتراضية المجازية وغيرها، وهذه جميعاً تستخدم مفهوم (الحاضنة) للتأكيد على هدفها وهو (احتضان) أصحاب الإبداعات العلمية والتكنولوجية لتمكينهم من إقامة أعمال صغيرة تحول إبداعهم إلى واقع فعلي.

إن عملية الدعم المطلوبة لهذه المؤسسات سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى المنظمات الداعمة للأعمال أمرٌ شديد الأهمية، ليس فقط لأنها الجزء الأعظم من قطاع الأعمال في أغلب دول العالم، بل لخصائص محددة تتميز بها هذه المؤسسات، ولمهام اقتصادية واجتماعية تقوم بها وتجعلها الأقدر على تحقيق أعلى درجات من النمو الاقتصادي.

إن نجاح الحكومات في دعم هذه المشروعات سيؤدي في ظل الأدوار الاقتصادية المهمة التي تؤديها للاقتصادات المحلية إلى تسريع وتيرة التنمية المنشودة، ومنها أن كفاءة الاستثمارات الخاصة يعد أحد أشكال عملية النمو الاقتصادي، فكما أن جزءاً من معادلة النمو تعتمد على وجود استثمارات من الناتج المحلي الإجمالي، فإن هذه النسبة لا تكفي وحدها لتحقيق معدلات جيدة من النمو، ما لم تترافق بحسن الاستفادة من هذه الاستثمارات وتحقيقها لعائدية مرتفعة وقيم مضافة جديدة، لأن ضعف كفاءة الاستثمارات والفشل يحدّان من آلية عمل نظرية مضاعف الاستثمار المعروفة اقتصادياً، ولذلك فإن وجود المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وقدرتها على الاستمرار والنجاح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدعم المقدم لها، وهي في هذه الحالة ستحقق الريعية والكفاءة المطلوبتين أساساً لرفع معدلات النمو الاقتصادي، الذي يضاعف من الناتج المحلي الإجمالي والفردي ويحقق الرفاهية المطلوبة.

وهذا ما تحتاج إليه سورية اليوم في مرحلة التعافي والانتعاش.

دمشق في 14/8/2019.

العدد 878 - 18/09/2019