فضاءات ضيقة | الأسرة.. المصدر الأول لثقافة الأطفال

د. عاطف البطرس:

الثقافة نمط حياة وطريقة تفكير، هذا التعريف يخص أهل الثقافة من البالغين والذين يملكون حداً من المعلومات والمعارف تؤهلهم لخوض غمار الحياة والإجابة على الأسئلة التي تطرحها عليه.

لكن ثمة شرائح اجتماعية تعيش حياتها ببساطة بعيداً عن الثقافة بمعناها الواسع والعريض والخلافي أصلاً، ولكن هل يمكن الاستغناء عن الثقافة حتى لبسطاء الناس؟ فهم يملكون الحد الأدنى منها يساعدهم على التكيف مع وسطهم الاجتماعي، فلا حياة للفرد خارج المجتمع ولا مجتمع بلا ثقافة أياً كان مستواها ونوعها.

الأسرة هي الخلية الاجتماعية الأولى، وعلى مستوى وعي الأب والأم فيها وثقافتهما يتحدّد وعي الأبناء، فما هي الثقافة المطلوبة للأسرة كي تمارس دورها الاجتماعي ووظيفتها التربوية؟ إذا اعتبرنا أساس الأسرة هو الأم، والأطفال امتداد لها، فبمقدار وعي الأم الثقافي يتشكل وعي أبنائها.

دراسة إحصائية لمجتمعنا السوري تبين أن معظم الأمهات لا يتمتعن بالقدر الكافي من الثقافة الاجتماعية والوطنية التي يمكن أن يزودن أبناءهن بها، إذا استثنينا ثقافتهن الدينية السطحية.

تقوم وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي برفد وعي عدد كبير من الأمهات بحزمة من المعلومات والمعارف، لكن أعداداً قليلة منهن يتزودن عن طريق القراءة والمطالعة، فقلّما نجد بيتاً يحتوي مكتبة فيها ولو عدد قليل من الكتب أو المجلات التي تناسب المراحل العمرية للأبناء.

الأطفال اليوم يتوجهون بأسئلة محرجة إلى ذويهم، وتزداد أسئلتهم بعد خروجهم من البيت إلى الشارع ثم إلى المدرسة، وعلى الآباء والأمهات أن يقدموا الأجوبة عن أسئلة أبنائهم، فكيف لهم أن يقدموا أجوبة صحيحة عن أسئلةٍ، هم أنفسهم لا يعرفون الإجابة عنها؟

كيف يمكن أن يرتقي الوعي الثقافي عند الأسر التي ستعد للوطن أجيال المستقبل، في عصر تزداد وتتداخل فيه المعلومات والمعارف سعة وعمقاً؟ وما هو مصير هؤلاء الأطفال الذين سيأتون إلى المدرسة وسيواجهون المناهج المتطورة بكل تعقيداتها؟

تتعاظم الخطورة كلما ابتعدنا عن المدن وذهبنا بعيداً في الأرياف، حيث نسبة الأمية مرتفعة وبشكل خاص بين الأمهات.

تربية الأطفال وإعدادهم في معظم قرانا تجري بشكل عفوي، لا تستند إلى أسس مدروسة أو منهجية، بسبب تدني الوضع الاجتماعي وانتشار الجهل المتفشي في الأرياف.

العلاج ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب جهوداً جدية وحثيثة من قبل الجهات المسؤولة، ومن قبل الذين يملكون ثقافة ومعرفة يمكن أن تساعد بهذا الشكل أو ذاك ضمن الحواضن الاجتماعية، بتوجيه الآباء والأمهات قدر الإمكان إلى السبل القويمة في التربية السليمة، فإذا استمر الوضع على ما هو عليه فالمستقبل لا يبشر بالخير والأوضاع تزداد تعقيداً بسبب الظروف العصيبة التي مرت على سورية، من حصار اقتصادي وحرب ظالمة، وتدمير ممنهج، وتهجير مبرمج، وانتشار الفتاوى المغرضة والنزعات الطائفية والفكر الغيبي، والظروف القاسية التي يعيشون فيها والتي لا تسمح لهم بالتمتع بالحد الأدنى من أسباب الحياة، بله الحديث عن التحصيل العلمي والثقافي واكتساب المعارف والخبرات.

العدد 878 - 18/09/2019