الشعر والغموض
ليس الغموض في الشعر العربي أمراً طارئاً بشكل مطلق، فقد وقف الكثير من النقاد القدماء أمام بعض القصائد، يعيدون شرحها وتفسيرها، أو أمام أبيات، حاروا في فهم مراميها، ومعروفة تلك المواقف التي قسمت النقاد بين أبي تمام والبحتري، والمتنبي وخصومه، إضافة إلى شعر الصوفيين الذي امتلأ بالأحاجي والمعضلات، فأُفردت له الكتب للشرح والتوضيح. وقد (رأى فريق من نقاد العرب القدماء، أن الشعر يقوم على الغموض، وخفاء المقصود، من مثل الراغب الأصفهاني، وابن سنان، وهما ممن فضّل أبا العلاء المعري، ووصفاه بالفصاحة، واستدلوا على ذلك بأن كلامه غير مفهوم لكثير من الأدباء). ويرى أبو إسحاق الصابئ (أن طريق الإحسان في منثور الكلام، يخالف طريق الإحسان في منظومه، لأن أفخر الترسل هو ما وضح معناه فأعطاك غرضه في أول وهلة سماعه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه وغوص منك عليه).
وقد يشكل أبو تمام الظاهرة الأكثر وضوحاً في مسألة التعقيد والغموض في الشعر العربي القديم، فقد بدا الشعر معه أكثر عمقاً وغوصاً وراء المعاني ا لبعيدة، وبدا واضحاً تغيُّرُ لغة القصيدة، من لغة بسيطة مسطحة، إلى لغة يسودها التنافر والتضاد والجدل وابتعاد قطبي التشبيه، المشبه والمشبه به، وهما اساس الصورة في الشعر القديم. ولم يعد الشعر وصفاً مسطحاً، بل بات تركيباً تتداخل فيه أشياء كثيرة، من فكر وفلسفة، ورؤية تنتظم الكون والحياة.
ولا يقتصر هذا على أبي تمام وشعره، بل ينطبق على شعر أبي العلاء المعري وبعض شعر أبي الطيب المتنبي، إضافة إلى الكثير من الشعر الصوفي.
إن تمييز النقاد القدماء بين لغة الشعر ولغة النثر، يشير إلى أنهم قد التقطوا جوهر العملية الشعرية، فليست مهمة الشعر كما رؤوا أن ينقل الأفكار بوضوح وسلاسة، فهذه المهمة أليق بالنثر والترسل على حد تعبير أبي إسحاق الصابي، لأن مهمة النثر الأولى أن ينقل لنا الأفكار بوضوح، ويشرح، ويقدم كمية من الأفكار. ولكن الشعر لا يهتم بهذا كله، فهو وإن نقل بعض الأفكار إلا أن مقصده الأول ليس هذا، فمهمته خلق الجمال، وخلق معادلات جديدة، وعلائق تزيد الحياة غنىً وجمالاً وثراء.
يبدو الشعر الحديث كثيفاً يشبه غابة لا حقلاً مكشوفاً، نقف في أوله فنرى آخره، غابة فيها الكثير من الأضواء والظلال، والنباتات، والشجر، فاللوحة مكتنزة مختلطة لا تكشف عن نفسها من نظرة سريعة. فالشعر الحديث مركب تختلط فيه ثقافات متعددة وحالات نفسية واجتماعية معقدة، ولا يستطيع المتلقي أن يفهمه منذ الوهلة الأولى ومن القراءة الأولى. ووسيلة التواصل معه ليست الأذن والوجدان، بل العين والحدس والمشاركة الشعورية. فهو أشبه بالموسيقا، وليس باللوحة المرسومة. فهو قادر على أن يمنحك أجواء وظلالاً، لا معنىً جاهزاً، بل جملة من التخمينات المفتوحة غير النهائية التي تقترب من الإحساسات، لا من المعاني الناجزة المنتهية.
إن ظاهرة الغموض التي يستشعرها متلقو الشعر الحديث تكمن في جزء منها في أساليب التلقي الشعري لديهم، التي لا تزال تتعامل مع الشعر بعقلية قراءة النثر، وتبحث عن الفوائد، وكمية الأفكار الكامنة خلف الكلمات. فقد اعتاد كثير من متلقي الشعر أن يقرؤوا الشعر الحديث بطريقة قراءة البحث الأدبي مثلاً، أو كتب التاريخ والجغرافيا، باحثين عن أكبر كمية من المعاني. فكلما كانت كمية المعاني الموجودة في الشعر أكبر، أمتعهم ذلك الشعر أكثر، وما دام هؤلاء يتلقون الشعر بالطريقة ذاتها التي يتلقون بها النثر، وبالموقف النقدي ذاته، سيظلون يستشعرون غموض الشعر الحديث الذي لا ينطلق مبدعوه من نظرية التبليغ، ولا ينظرون إلى الشعر على أنه حامل أفكار ومعان يسعى لنقلها إلى أذهان المتلقي، بل يرون أن الشعر خالق أجواء، يثير حالات من الأحاسيس غير المحددة، وهالات من المعاني غير المحددة تحديداً صارماً.
وإذا بدأ المتلقون، بتلقي الشعر وفق هذه النظرة، فسيشعرون بزوال إبهام الشعر أو غموضه والتباسه وصعوبته. فغموض الشعر الحديث يكمن في المتلقي وطبيعته وعاداته، ولا يكمن في الشعر بذاته في أغلب الأحيان. وإذا ماكان الشعر الحديث يصدر عن الحالة الراهنة، وهي الأكثر تعقيداً واشتباهاً واشتباكاً، فمن الطبيعي أن يكون الشعر معقداً وصعباً. ففهم الواقع المعقد، لا يتم بنظرة عابرة على الكون والأحداث والتداعيات التي يحياها إنسان هذا العصر.
ولنا أن نسأل سؤالاً مهماً هو: هل هناك فرق بين الغموض والإبهام؟ يختلف الغموض عن الإبهام، فالغامض: هو الشيء المستتر الذي يمكن اكتشافه ومعرفته، والكلام الغامض هو الكلام الخفي الذي لا يبين معناه لأول وهلة. أما الإبهام فهو ما يقع خارج إطار الفهم، فالمبهم هو المحجوب الذي لا مأتى له، وإذا استبهم الكلام فقد استغلق.
وهكذا فإن الغموض في الشعر شيء، قد يكون مقبولاً، لأنه كالخمار الذي يشفّ فيزيد جمال الوجه جمالاً، أما الإبهام فيحجب كل شيء وراءه.
ولكن.. من أين يتأتى كل منهما؟
يرى أميسون صاحب كتاب (سبعة أنماط من الغموض) (لندن 1930)، أن (الإيهام.. صفة نحوية بصفة أساسية. أي يرتبط بالنحو وتركيب الجملة. في حين أن الغموض (صفة خيالية) تنشأ قبل مرحلة التعبير المنطقية، أي قبل مرحلة الصياغة اللغوية النحوية…).
وقد يتأتى الإبهام من طبيعة الرموز المستخدمة في القصيدة، وقد بات الرمز مكوّناً أساسياً في لغة القصيدة الحديثة والمعاصرة. فإذا كانت تلك الرموز ذاتية، إذ تتحصل من حالة بعيدة الغور مستعصية لدى الشاعر، فيصعب عليه إخراجها بشكل دقيق، ولا يستطيع توضيحها، فتأتي مبهمة لا توحي ولا تبث. بينما ينتج الغموض عادة عن الطبيعة التخيلية التي تقوم عليها اللغة الشعرية.
يقول محمد عمران في مجموعته: (الدخول في شعب بوّان):
(أفلاطونُ ينبتُ في حذاءِ محاربِ
سقراطُ رأسٌ فوقَ هامةِ جندبِ
قارونُ شحاذٌ
وقابيلُ قتيلٌ
ووجهُ يوسفَ أحدبُ
هيلينُ عذراءُ
وهارونُ يصلّي نصفَ عامٍ ثم يغزو
نصفهُ الثاني
مسيح في يهوذا
كيمياء تبدل الأشياء).
إن مسحة الغموض التي بدت منذ بداية المقطع حتى ما قبل آخره.. تتأتى من قلب الشاعر للمقاييس، وإثارة دهشة المتلقي وحيرته وتساؤلاته. كيف يتم ذلك..؟ وهذا من حسنات الشعر.. ولكن عدم ثقة الشاعر بالمتلقي، وخوفه من عدم قدرته على التواصل معه، جعله يضيف السطر الأخير الذي يبدو ناشزاً في سياق المقطع الشعري (كيمياء تبدل الأشياء)، فالمقطع كله يشير إلى قضية انقلاب القيم، واستنكار الشاعر لذلك في هذا الزمن الذي انعكست فيه المفاهيم. ولكن إضافة السطر الأخير كسر غلالة الغموض، ومال بالمقطع نحو شيء من النثرية الإبلاغية التي يهرب الشعر الحديث منها.
يقول أدونيس في مقطوعة سماها (حجر الضوء):
على حجرِ الضوءِ أنقشُ عمري
وديعاً كحبةِ قمحٍ،
يغطّي حروفي ضبابٌ
وفي كلماتي عتمةْ
لأنيَ حبُّ،
أظلُّ على الضوء أبني، وتبني
معي حفنة من حياتي ولقمةْ)!
فثمة غموض جميل يشوب المقطّعة، ويجد المتلقي نفسه ينسحب مع الكلمات، وإيحاءاتها دون أن يحدد معنى محدداً. بل يبقى في إطار التخمينات التي تفتح أمامه مجالات عديدة للتأويل والفهم. فالغموض في الشعر الحديث إذن ليس نقيضاً للبساطة أو السهولة، فثمة بساطة عميقة تهزنا، وما ينفّرنا السذاجة، فقد تكون البساطة العميقة جوهر الشعر الحقيقي. وهي التي تمنح الشعر جماله وألقه وطزاجة لغته وحميميتها.
يقول محمود درويش:
(من غابةِ الزيتونِ
جاءَ الصدى
وكنتُ مصلوباً على النارِ!
أقولُ للغربانِ: لا تنهشي
فربما أرجعُ للدارِ
وربما تُشتّي السما
وربما…
تطفئ هذا الخشب الضاري:
أنزلُ يوماً عن صليبي؟
ترى..
كيف أعودُ حافياً.. عاري..؟).
فثمة بساطة عميقة يجلّلها غموض شاف، يوحي ولا يقرر.. فالزيتون رمز للخير والأمل، ورمز من رموز فلسطين أيضاً، والإنسان الفلسطيني مصلوب فوق النار، والأزمات والعذاب، والغربان التي استبدل الشاعر بها النسر في أسطورة (بروميثيوس) سارق النار، حتى توحي بالصهاينة، الذين لا يليق بهم رمز النسر، والشتاء الذي يعني الأمل والحياة.. والماء التي تطفئ عذابات الفلسطيني لتصير الشتاءات ثورة. تنزل الفلسطيني عن صليبه، ليعود إلى وطنه نظيفاً طاهراً.
تبدو هنا مسحة الغموض، قادرة على البث والإيحاء، بعيدة عن الغرق في رمز ذاتي مغلق أو إيهام، بل هي مجموعة من الرموز الموحية الشفافة.
فالغموض، ناتج عن إدراك الشعراء بوعي كاف طبيعة العملية الإبداعية التي تقوم على رؤية شاملة للوجود، تحاول نقل الكون بكل تعقيداته، ليأتي الشعر مكتنفاً الغموض، الذي يخلق حالات وأجواء، ولا يجسد معاني وأفكاراً مباشرة، وليكون الغموض آلة لغة الشعر الحقيقي وحاله العادية.