“نحنا وهنّي”.. مقاربة سوسيولوجية للثقافة الشعبية في لبنان
د. عماد سماحة / أستاذ العلوم التربوية في الجامعة اللبنانية:
(هي مقولة شائعة في الأوساط الشعبية أولاً، وسائر الفئات الاجتماعية ثانياً)، وهي تشمل جميع ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية.
لا يكفي رد هذه المقولة إلى طغيان الجانب الطائفي في المجتمع وإعطائه الدور المفسر للمفاهيم الشعبية السائدة، إنما يعود الأمر كما نعتقد إلى التنشئة الاجتماعية (la socialisation) وهي واقعة قائمة في كل المجتمعات على اختلاف ثقافتها وهي من الموضوعات القليلة المشتركة بين علم الاجتماع والتربية والأنتروبولوجيا وعلم النفس… إنها عملية تحول اجتماعي ومستمرة وديناميكية وفردية – اجتماعية…
(نحنا وهنّي) مقولة متداولة يومياً (تعكس المفاهيم المتبناة في فترة التنشئة وما بعدها، فالأحكام والتوصيفات التي تطلق على الآخرين هي محصلة لعملية اجتماعية وتربوية وثقافية، تساهم فيها كل مؤسسات المجتمع (الأسرة والمدرسة ودور العبادة والجمعيات والأندية والشرطة والقضاء…) بما في ذلك مؤسسة الشارع….
هذه العملية، نعتقد أنها تجري بين عمر 3 و18 سنة وهي الفترة الأساسية التي يتم فيها نقل القيم والعادات والتقاليد من الأجيال البالغة إلى الأجيال الأقل بلوغاً عبر هذه المؤسسات الاجتماعية التي تساهم في بلورة ما يسميه علماء الاجتماع بالتنشئة الاجتماعي (la socialisation) ، وعملية الانتقال هذه تتم حسب إميل دوركايم بواسطة التربية (Education).
إن الإحاطة بهذا الموضوع تتطلب منا العودة مجدداً إلى بعض المراجع والأبحاث السوسيولوجية للوصول إلى مقاربة علمية تتصف بالشروط الأكاديمية.
يعد إميل دوركايم (1858-1917) أول من استخدم مفهوم التنشئة الاجتماعية، وتتمثل هذه التنشئة في العملية التي يمارسها الضمير الجمعي على عقول الأفراد وضمائرهم، وبتعبير آخر هي عملية إزاحة الجانب البيولوجي في شخصية الطفل لصالح نماذج من السلوك الاجتماعي المنظم.
سنتناول مباشرة الأسرة والمدرسة، ونزعم أنهما المؤسستان الأكثر أهمية في بلورة عملية التنشئة. لذلك سنركز على بعض المحاور في كل منها للوصول إلى استنتاجات تفيد مقاربة موضوعنا الأساسي (نحنا وهنّي).
يعتبر الباحث هشام شرابي (1927-2005) في (بنية العائلة في المجتمع العربي) وهو الفصل الثاني من كتاب مقدمات لدراسة المجتمع العربي:
(إن العائلة كمؤسسة اجتماعية هي الوسيط الرئيسي بين شخصية الفرد والحضارة الاجتماعية التي ينتمي إليها).
عندما يولد الطفل تكون ذاته غير متكونة ثم تتكون بصورة تدريجية، إنها سلوك متعلم وللأم دور وافر في تكوين شخصية الطفل… إن طريقة تربية الطفل تمثل دوراً حاسماً حسب د. شرابي في نوعية الشخصية، والتغييرات التي تطرأ على طرق تربية الطفل تنبع من موقع الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها العائلة (اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً…).
إن الصبي البكر هو (روح أمه وحبيب قلبها) والذي سيقبرها… إن تماسك العائلة يتحقق من خلال اعتماد الطفل على العائلة وربطه بها ودعمه إياها. هذا الاعتماد أدى إلى الشعور بأن الفرد مسؤول أمام العائلة وليس أمام المجتمع (لا يتزوج إذا كان أشقاؤه الصغار ما زالوا في المدرسة، أو إذا كانت شقيقاته لم يتزوجن بعد… أو إذا كان الوالد بحاجة إلى الإعالة…).
الاستنتاج الأولي للباحث، هو أن قيم مؤسسات الطبقات المهيمنة هي القيم السائدة في هذا المجتمع. ومن الواضح أن تغيير المجتمع يقتضي تغيير العائلة والعكس صحيح…
ويأتي مفهوم (السيطرة) ليكمل ما بدأناه. بالرغم من نظرة المجتمع إلى أن الفتاة هي (عبء) على العائلة وأن الصبي هو كسب لها، وبهذا فإن الصبي هو حصيلة أمه لا أبيه، إنه من ممتلكاتها الخاصة. وهو موضوع عنايتها إضافة إلى عناية شقيقاته وخالاته وعماته…
إن الإفراط في الاتكال يؤدي عند معظم الأطفال إلى الشعور بالعجز، لأنه تعوّد أن ينتظر من الآخرين أن يقوموا بالأعمال التي يجب عليه القيام بها.
(إن النظام التربوي والاجتماعي يضعف ثقة الطفل في آرائه الخاصة ويشجعه على قبول آراء الآخرين، وهذا ما ينمّي في نفسه الإذعان للسلطة: لأبيه أو للمعلم أو للشيخ أو كل من هو أقوى منه، لذلك نراه يكتسب عادة استشارة الآخرين وأخذ رأيهم لعجزه عن اتخاذ القرارات بنفسه).
وفي إطار مفهومي (الخجل والشعور بالذنب) يعتبر العالم النفسي إريك فروم أن للتخجيل فاعلية كبيرة (إذ لا شيء أكثر تأثيراً وفاعلية في سحق معنويات الفرد من إقناعه بأنه تافه ورديء).
إن العائلات الأكثر محافظة وتشديداً على الطهارة الجسمانية، تؤدي إلى تعزيز وعي الطفل بعدم طهارته، فالجنس محرّم في العائلة ويلفه حالة من التكتم والسرية… هي تجربة في الغموض والألم.
(عندما تقول الأم لطفلها في حديقة عامة مثلاً: إن لا مانع من التبوّل هنا، لأن ما حدا عم يتطلع)، فهي في الواقع تعلمه التكتم والتخفي. هي تدافع عنه عندما يصفعه والده لأنه كسر قدحاً (هو ما عملها – الحق مش عليه – هو غير مسؤول ومظلوم وضحية الآخرين).
السؤال الذي يمكن أن يطرح.. (كيف يمكن للشعور بالمسؤولية أن ينمو إذا كان الفرد يشعر بالعجز المستمر؟) (شرابي).
وفي مفهوم التعليم، يعتبر مؤلف كتاب مقدمات لدراسة المجتمع العربي، أن ضرب الأولاد أو الصفعة هي وسيلة للإذلال والطاعة في العائلة وهي ناجمة عن الخوف وليس عن الحب والاحترام.
إن المفهوم الأبرز في التعليم هو التلقين، وهو الشكل (الأفضل) لفرض السلطة وتثبيتها… ويهدف التلقين (أي الطريقة التي تعتمد على الترديد والحفظ) إلى نقل قيم المجتمع إلى الأفراد الأقل بلوغاً، وهنا يتقاطع هذا الفهم مع تعريف دوركايم لدور التربية (Education).
الركيزة الأخيرة عند شرابي هي: حب المعاشرة. فالتدريب الأول هو فن المعاشرة: (قل مرحبا لعمو). الطفل دائماً محاط بالأهل والأقارب، ويبدأ التدريب لإرضاء الآخرين، أي المسايرة والتهرب من المواجهة ومن معالجة المشكلات.
وفي هذا السياق، هناك انتقاص لدور (المستمع) لأن الصمت يعتبر تقصيراً ونقصاً في المكانة أو الموقع الفكري، لذلك نستنتج مباشرة ظاهرة المقاطعة أثناء النقاشات….
في مقابل كل ما ذكرناه، ومع بداية القرن العشرين ظهرت كتابات لربط المدرسة بالمجتمع ومنها كتاب جون ديوي (المدرسة والمجتمع 1900) اعتبر فيه أن المدرسة هي منزل يمثل المجتمع المحلي والكلي. وفي العام 1912 صدر كتابه الثاني (الديمقراطية والتربية) أكد فيه أن أهم وظائف المدرسة أن تقوم بنقل الثقافة…
هذه الكتابات أدت إلى ظهور علم الاجتماع التربوي عام 1922 الذي يدرس الظاهرة التربوية وعلاقة التربية بالمجتمع. تطور مفهوم التربية ليصبح مرادفاً لمفهوم التنشئة الاجتماعية أو الإعداد الاجتماعي للطفل، فالعملية التربوية لها الدور الكبير في السنوات الأولى للطفل، ويعتبر في هذا السياق كارل مانهايم (1893-1947)، أن التعليم لا يتم في فراغ… إذ لا يمكن تحديد أهداف التربية بمعزل عن المحيط الاجتماعي.
فالتربية هي وسيلة لنقل القيم من الكبار إلى الأقل بلوغاً… فالعلاقة وثيقة بين المدرسة والمجتمع والثقافة، فالتربية هي علم إنساني، وليس كما عند الحيوانات لأن الأجيال عندها تكرر نفسها على الدوام على أساس فطري دون أن يكون لها القدرة على التغيير أو التجدد، لذلك لا يتكون لها تراث تنقله إلى الأجيال اللاحقة.
بالانتقال إلى المدرسة، فالمدرسة هي مؤسسة اجتماعية أنشأها المجتمع عن عمد لتسد حاجة من حاجاته الأساسية وهي تطبيع أفراده (تطبيعاً اجتماعياً). فالتربية فعل تمارسه الأجيال البالغة على الأجيال الناشئة، البالغون هم (الأهل، القادة، الشرطة، المعلمون، رجال الدين….).
التعليم مهنة وليست رسالة، فالمدرسة تقتصر على المعلمين، أصحاب المهنة، وهو يقوم بدور الوكيل في تحويل كل ما هو موجود في ثقافة المجتمع إلى ثقافة مدرسية مادتها الرموز (لغة ورسوم ومعادلات وصور….) الصفحة الأولى من الكتب المدرسية رسم لرئيس البلاد أو رمزها…
يقول ميشال فوكو: (إن الانضباط يصنع من الأفراد أجساداً خاضعة وطيعة….). يذهب بورديو – باسرون في مفهوم معاودة الإنتاج 1970 la reproduction إلى القول بأن المدرسة تحت ستار الحيادية تعزز علاقات القوة (غير الحيادية) لصالح القوى المسيطرة ولإعادة إنتاج كل ما هو قائم.
Bourdieu -Passeron : L’école est une boîte noire de la reproduction sociale…. فاستقلالية المدرسة ضرورية لتحقيق التبعية في التنشئة وهي استقلالية نسبية (Autonomie relative).
إن الاعتقاد بأن النظام التربوي مستقل، يمنعنا من رؤية الدور الأساسي والجوهري والمنحاز للسلطة القائمة إيديولوجياً واجتماعياً ومفهومياً….
وفي نظرية بيار بورديو للممارسة الاجتماعية، يتوقف صاحب النظرية عند 3 مفاهيم (الهابيتوس، المجال، الرأسمال). يتساءل ألان تورين (Alain Tourrain) إلى أن بورديو قدّم إلينا عن طريق الهابيتوس (L’habitus) إجابة لواحدة من أكثر الأسئلة إشكالية في الفلسفة والسوسيولوجيا، وهي كيف يمكن للفرد أن يمتلك الحرية وهو يقع تحت تأثير القيود والمحددات الموضوعية المختلفة.
(الهابيتوس) هو مبدأ مولّد للاستراتيجية، يمكّن الفاعلين (Agents) من التوافق مع المواقف غير المتوقعة ودائمة التغير، هو نسق من الاستعدادات الدائمة.
L’habitus : Il est le produit des structures objectives du monde social … أي هو عبارة عن بناء ذهني ومعرفي يمكّن الأفراد من التعامل مع العالم الاجتماعي، وهو منتج تاريخي، يتشكّل خلال التنشئة الاجتماعية وبواسطة التعليم.
كشف بيار بورديو أن المدارس والجامعات في فرنسا تلعب دوراً (محافظاً) على التفاوتات الاجتماعية (Inégalités sociales) حيث تعمل على إعادة إنتاج هذه التفاوتات عن طريق فكرة مضللة عن المساواة في التعليم، لأنها تتعامل في الأصل بشكل متساوٍ مع من هم في الأصل غير متساويين…
إن نظام التعليم يتبنى دائماً (ثقافة الطبقة المسيطرة). وفي هذا السياق صاغ بورديو مفهوم المجال (Le champ-the Field) كأداة تفسيرية لنظرية الممارسة الاجتماعية، فالمجال هو ميدان لاستعراض القوة واستغلالها، فالبعض يكافح للحفاظ على علاقات القوة المرضية بالنسبة إليه، والبعض الآخر يكافح من أجل تغيير هذه العلاقات (كالفاعلين – Agents – في المصنع الذين يطمحون للبقاء فيه والفاعلون خارج المصنع الذين يطمحون بالدخول إليه).
تشهد المجتمعات كافة، خروج بعض الأفراد عن المألوف، أي عن ضوابط المجتمع في عملية التنشئة الاجتماعية ويغدون قادة في جماعاتهم وضمن المجتمع وأيضاً على المستويات كافة.
من جهة أخرى، يعتبر أنتوني غيدنز (أن المجتمع في حالة ديناميكية يتغير كل لحظة، فلا وجود لنظام مستقر، بالرغم من كوابح اجتماعية منظمة ضد الممارسات الجديدة، لكن هذه الممارسات لا تتوقف أبداً عن محاولة إعادة تشكيل النظم.
يعتبر أنتوني غيدنز واحداً من أبرز علماء الاجتماع في الغرب (1938) وأكثر تأثيراً في المناطق المتحدثة بالانكليزية لا سيما في جامعة كامبردج (انكلترا).
المعلم ليس رسولاً، إنما هو وكيل، بمعنى، إذا كانت التنشئة الاجتماعية تعبّر عن النزعة المحافظة للمجتمع، فإن النظام التربوي كنظام اجتماعي هو أكثر محافظة من المؤسسات الأخرى في المجتمع وهو أكثر خدمة للمحافظة على الوضع القائم…
ما استعرضناه حتى الآن نأمل أن يؤدي إلى فهم مكونات ثقافتنا الشعبية وفهم مصادرها التي تنشأ وتتكون في عملية مستمرة عبر مؤسسات المجتمع، لتأييد مفاهيم السلطة السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية وإيديولوجيتها، وبالتالي فالموقف الفئوي من خلفية دينية أو اجتماعية أو طبقية أو إثنية هو محصلة التاريخ الاجتماعي لأي بنية كانت، لا يمكن تغييرها إلا بالتربية على مفاهيم حديثة كالتربية على المواطنة، والمكاشفة والمصارحة واستخدام النقد والنقد الذاتي كمنهجية في أصول التفكير.
إن الإكثار في طرح الأسئلة وتطوير أساليب الديداكتيك – طرائق التدريس (La didactique) تساهم في تغيير ركائز المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية….
(نحنا وهنّي) تفسّر، بل تلخّص مسيرة طويلة في التاريخ الاجتماعي لتشكيلات تعاني القهر والقمع والاحباط وتغلغل (المقدس) في مفاصل حياتها. نزعم أن هذه التشكيلات الاجتماعية لا يمكن أن تصحو إلا من خلال تكاملها مع القيم الإنسانية والحضارية المستندة إلى الانفتاح والنقد والابداع.