العودة إلى الكهف
قبل أشهر كانت الآنسة كهرباء تلعب معنا وفق خطة 2-3 نهاراً و2-2 ليلاً، وكنا في غاية الأنس والنور، ثم بدلت خطتها إلى 4-2-4-2 فبقينا نحمد الله الذي لم يحرمنا من إطلالتها المنيرة البهية، بعد ذلك فجأة غيرت قواعد اللعبة كلها، وصارت تلعب – مثل المنتخبات الفاشلة – من دون خطة على الإطلاق، فلا تكاد تبدأ بالترحيب بها حتى تجد أنك قد ودعتها، مما يجعلك مضطراً للنوم وفق توقيت الإنسان البدائي الذي يأوي الى كهفه مع حلول الظلام… لكن حضنك الدافئ هذا سرعان ما يمل منك، فبعد ساعات من النوم والأحلام التي شرقت وغربت بها، ستستيقظ لتجد أن الوقت لم يتجاوز منتصف الليل بعد، وتبدأ فترة الأرق، وربما هذا هو الفارق بيننا وبين ساكن الكهوف، فما الذي سيؤرق هذا المخلوق مادام غير ملزم بدفع أجرة للكهف الذي يسكنه؟ ثم إن أولاده لا يتعلمون اللغة الفرنسية، وبالتالي فهو ليس مضطراً للتفكير في تأمين معلمين خصوصيين لهم، ولن يهتم بمشاكل الأجهزة الكهربائية المعطلة في بيته، كما أن ابنته لا تطالبه بشراء معطف شتوي. وبسبب أفكارك السقيمة، ستقضي ليلاً كليل امرئ القيس والنابغة، ثم تنهض في الصباح متثاقلاً، ولأنك قد انقطعت عن العالم مع انقطاع الكهرباء، ستسير في الشارع – يا غافل إلك الله – تركب السرفيس وتدفع الأجرة فوراً، ممنياً نفسك بإكمال ما فاتك من النوم، لكن سرعان ما يفزعك زعيق السائق مطالباً بدفع التعرفة الجديدة التي ارتفعت خلال الليلة الفائتة تماشياً مع ارتفاع جديد في أسعار المازوت! بعد نزولك من السرفيس، يغريك الوسواس الخناس بأن تشتري منقوشة زعتر صغيرة منمنمة من عيار 18 قيراط، لتجد أن سعرها ارتفع أيضاً في (هدأة الليل) كما يقول الشعراء، هنا تشعر بالخوف وأنت تتطلع الى نقودك متوجساً من أن تكون العملة قد تبدلت أثناء نومك الطويل…
تصل الى عملك فتجد أن زملاءك يتداولون في حديثهم المفضل: الطعام والطبخ. فتلك تشرح باستفاضة مراحل خطتها الخمسية الناجحة في تحضير أكلة المحاشي، وذاك يندد بما وصفه (وحشية) أولاده في تناول الطعام خصوصاً حين تنقطع الكهرباء! ولا يخلو النقاش من تدخل أحد (الإخوة المراجعين) مغنياً إياه بالإشادة بفوائد الخبيزة للنساء وتأثير الهندباء في زيادة الذكاء. ولا بد أنك قد لاحظت أنه بعد موضوع الكهرباء، يحتل الطعام المرتبة الثانية في اهتمام كل شرائح المجتمع، فقبل سنين كنت تسأل فلاناً أو فلانة من معارفك مجاملاً (كيف هو طفلك الصغير؟) فتجده قد سارع واستل الموبايل من جيبه وراح يعرض عليك صور ابنه في مختلف الوضعيات والحركات، أما اليوم، فبمجرد أن تأتي سيرة الأكل، تجد أن محدثك قد فتح جهاز الموبايل الحديث، وعرض عليك – بكل فخر واعتزاز – صورة جذابة لطبق شهي قائلاً: لقد طبخنا البارحة (مسقعة باذنجان) انظر صورة الطبخة… والحقيقة أني لم أفهم حتى اللحظة الدافع الى التقاط الصور مع الطبخة، رغم أني من سلالة أناس كانوا يتصورون مع الراديو أو مع الهاتف أبو قرص! وبعد كل هذا ترى من حولك يتساءلون مستنكرين وهم يتحسسون كروشهم المنتفخة: شيء غريب أنه رغم كل ما حصل، ورغم البلاء والغلاء، ورغم أن كل شيء قد ضمر وخف وزنه ابتداء من جرة الغاز الى قطعة البسكويب، فإن كرشي فقط يزداد حجمه مع الأيام… وهنا تبدأ التفسيرات التي تبدأ بأسباب بعيدة سياسية واجتماعية وتنتهي بالسبب المباشر وعلة العلل: الكهرباء…
عقب كل جلسة من هذا النوع يقولون: تفاءلوا بالخير تجدوه… ونحن دوماً نتفاءل بالخير ولكن كثيراً ما نعجز عن إيجاده، ربما بسبب الظلام وانقطاع الكهرباء.