خواطر حول الماضي والمستقبل.. هل هو قدرنا أن نبقى في مسيرة مستمرة نحو التفكك والدمار؟

بشار عباس:

لا بد أن نشير إلى أن البلدان العربية التي كانت مليئة بالتفاؤل والأمل والإيمان بقدرتها ليس فقط على تغيير أوضاعها وظروفها اقتصادياً وسياسياً وعلمياً وثقافياً، بل وبإمكانية إسهامها في تغيير العالم. وأقول إن الأمل لم يكن ينطلق من قادة هذه البلدان فقط بل ومن شعوبها كذلك، التي كانت تعيش فترة من التفاعلات الشعبية الجماهيرية النشطة ليس فقط في أحداث بلادها بل كذلك في أحداث البلدان العربية الأخرى بل وفي أحداث باقي أنحاء العالم.

ثم حدث انكفاء كبير وتراجع مستمر وصل إلى نقطة حرجة كسرت ظهر هذه الشعوب، فمع وصول قوى ترى أنها تمثل الجماهير، لم تعد هنالك حاجة للاستناد إلى روح المبادرة الجماهيرية، ووصل الناس إلى قناعة بأن أمورهم الشخصية ينبغي أن تكون محور اهتمامهم، أما الشأن العام فهو من شأن (الدولة)، ولكن فجأة استفاقوا ليروا أن أمورهم الشخصية والشأن العام أصبحا في مهب الريح، والذي حدث أن أكثر الدول تفاؤلاً هي التي تتعرض اليوم إلى تحدي الوجود والاستمرار، ليس فقط ككيان موحد، بل وحتى ككيانات طبيعية متفرقة مجزأة في حال حصول تقسيم ما.

فلماذا أخذت الأحداث هذا المسار الهابط؟

طبعاً من السهل أن نقول بوجود مؤامرة لا تسمح باستقلال هذه البلدان ونموها، أو كما كان يقول العرب: (مكيدة حيكت في ليل)، ولكني أقول: ثمة صراع مستمر بين كل الدول ضد الدول الأخرى، ولكن هذه (المؤامرة) ليست خفية بل هي معلنة على رؤوس الأشهاد ومعروفة للجميع، فقد تم الإعلان عنها مراراً وتكراراً وأذكر تحديداً أنها وردت في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنها بوش الابن في أيلول 2002 قبل احتلال العراق بأشهر قليلة، فقد ورد فيها:

* العمل على محاربة القوى الأخرى التي تشكل خطراً مباشراً أو قريباً على السيادة الأمريكية، بل وكذلك تلك التي يحتمل أن تشكل خطراً بعيداً.

* ضرورة إطلاق (حرب أفكار) لتحجيم الأخطار المحتملة.

* القيام بالحرب الاستباقية.

(وهي الذريعة التي استخدمتها ألمانيا النازية عام 1939 ثم أعادت إسرائيل إحياءها عام 1967. وطبقها بوش في حربه على العراق).

هذا هو دور الأمريكي ولا أعتقد أن أدوار الدول الأخرى أكثر ودية، ففي الصراع على النفوذ والحفاظ على البقاء لا مكان للعواطف والشعارات، ولسوء حظ منطقتنا أنها غنية بالنفط والثروات وموقعها الاستراتيجي يجعلها ضرورية لكل من يريد السيطرة على العالم.

ولكن ألم يكن لنا ذنب في كل ما حصل؟ هل نحن بريئون تماماً؟

لسنا بريئين، فأمام قوى تعلن أنها تريد أن تسحقك لتبقي رايتها مرفوعة لا يمكن أن تقف مكتوف الأيدي ويجب أن تحشد فعلياً وليس نظرياً كل القوى الممكنة لمواجهة هذه المعركة الهائلة. وقد ارتكب العرب أخطاء كبيرة.

فأين أخطأنا؟

* في الإطار السياسي: في النصف الأول من القرن الماضي وحتى الستينيات منه كانت ثمة حراك شعبي سياسي اجتماعي قوي في جميع البلدان العربية، ولكن منذ بداية الستينات انتقل مركز الحركة السياسية من الشارع والتنظيمات الاجتماعية إلى دوائر السلطة، وصار دور الجماهير هو التأييد والتصفيق وبدأت حملات التصفية بين الحركات السياسية ثم داخل الحركة السياسية نفسها، وأصبح تمثيل الوطن محصوراً بالزعيم أو الحزب القائد أو مجموعة ضيقة من الأشخاص الذين أعطوا نفسهم الحق في تمثيل الوطن، دون مشاركة جماهيرية واسعة، وأصبحت أية حركة أو نأمة تصدر عن أي فرد أو مجموعة خارج إطار التعبير عن التأييد والحمد بل والتسبيح، ينظر إليها بعين الريبة، وتكون عرضة للمراقبة والملاحقة.

*  في الإطار الاقتصادي: كان ينبغي إيلاء الاقتصاد أولوية كبرى فكلما ازدادت متانة الاقتصاد، تعاظمت قدرات البلد، وتحصن أمنه القومي. ولا يمكن الوصول إلى اقتصاد متين دون ثورة علمية معرفية يتبعها إقامة صناعات إنتاجية تستفيد من تصنيع المواد الأولية التي تنتجها البلاد وعدم تصديرها كمواد خام في سبيل رفع المردود الاقتصادي، وليست المهمة المطروحة هنا الاستمرار في إدارة الإنتاج بالطرق القديمة والحفاظ على إنتاج المصانع والمزارع بأعلى وتائر ممكنة، بل خلق بيئة عمل جديدة تعتمد على إطلاق المبادرة الحرة للمواطنين، وخاصة في مجال الاستثمار والابتكار، ولكن ذلك لم يحدث وقد جاء بدلاً منه انحدار مستمر نحو اقتصاد زبائني ريعي يحقق الأرباح السريعة السهلة على حساب البلد، وتحول الاقتصاد من اقتصاد مفتوح إلى اقتصاد مغلق تسيطر عليه الإدارة البيروقراطية، ثم انتقلت السيطرة على هذا السوق المغلق إلى حفنة من المستثمرين المقربين من السلطة، كان ينبغي النهوض بالاقتصاد، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا بالحرب على الفساد حرباً لا هوادة فيها، وانطلاق استراتيجية علمية ببناء اقتصاد قوي إنتاجي تتعاون فيه الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة مع القطاع الحكومي لإنجاح هذه الخطة.

*  في الإطار العلمي والثقافي: عندما نتحدث عن التصدي لمؤامرة كبرى يجب أن نواجهها بالوعي والابتكار العلمي، في حين أن هاتين النقطتين شهدتا تراجعاً كبيراً، فبينما كانت المؤسسات التعليمية في الستينيات موضع احترام في جميع أنحاء العالم، فقد هبط مستواها تدريجياً إلى أن أصبحت شهاداتها غير ذات أهمية في العالم، وهبط مستوى التعليم الجامعي من مستوى بحثي إلى مستوى تلقيني، وبعد أن كانت دور النشر في لبنان والقاهرة ودمشق وبغداد تطبع دون توقف ومستوى الوعي السياسي والثقافي عالياً لدى جميع فئات الشعب، وكان المواطنون البسطاء لهم توجهاتهم ومواقفهم، جرى انحدار مريع لحركة النشر والقراءة حتى أصبحت منطقتنا في ذيل دول العالم، يكفي أن نقول إن نسبة العرب من العالم أكثر من 5,5 % بينما تنشر هذه البلدان كتباً أقل من 1% من الإنتاج العالمي، ومعظم الكتب من هذه النسبة الضئيلة هي كتب تفسير الأحلام والطبخ وكتب تراثية منسوخة.

* في الإطار الفكري: كانت الجهود منصرفة إلى إثبات الحق وإدانة الباطل، وتصوير الباطل بأبشع صورة وشتمه والدعاء عليه، وكأنما المعركة هي سجال نظري يربح فيه الأقوى حجة، وكان الاعتماد في هذه المحاججة هي لمس الجانب العاطفي، وكان من نتائج ذلك المبالغة في تقدير قوتنا والاستهانة في تقدير إمكانات العدو، في حين أن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، إذ تقع مسؤوليات كبيرة على النخب الفكرية في رسم المسار نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وإعادة رسم المسار كلما انتهت مرحلة تضيف مزيداً من أوراق القوة إلى شعبنا، كما يجب ألا نستهين بوزن القوى التي تقف ضد تطلعات شعبنا داخلياً وخارجياً، وهي قوى هائلة، مما يستدعي التأني والبحث والتدبر قبل الإقدام على أي شيء ومحاولة رسم التحالفات وتجميع القوى في كل مرحلة.

*  الحرية: في الحقيقة إن المواطنين الذين لا يشعرون أنهم أحرار في ممارسة حياتهم الخاصة والمشاركة في الحياة العامة لا يمكن الاعتماد عليهم، فالمقموعون الذين يتملكهم الخوف بل والرعب لا يحسنون الدفاع عن بلدهم، ولا يجرؤون على إطلاق مبادرات فكرية أو اقتصادية أو مجتمعية. إن روح المبادرة والإبداع والابتكار لا تنمو إلا في مجتمع يشعر أفراده بالحرية والأمان.

 

العدد 1201 - 10/06/2026