القائد التاريخي هو الذي يسعى دوماً للوقوف إلى جانب الحركة والتغييــــــر
يونس كامل صالح:
من المهم دائماً بالنسبة لأي عصر أن تتم معرفة العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤثر في حياة مفكريه…ذلك أننا حين نعيد تكوين التفاصيل الصغيرة لحياة أي مفكر، فإننا ندرك أكثر أي طراز من الناس كان يمثل، وكيف أن هذا الطراز كان ظاهرة هامة في الحياة الفكرية لأي مجتمع.
في أوروبا العصور الوسطى لم تكن هناك “مشكلة مثقفين” بالمعنى الذي نعرفه الآن، كانت جميع المناقشات النظرية تدور داخل إطار الكنيسة، وبالتالي فقد كان ذلك القطاع الضئيل من النخبة الاقطاعية- رجال القانون- لا يشغلون أنفسهم بأكثر من مطالب السلطة الدينية. ولكن مع فتح الأديرة في عصر النهضة، تنسم كثير من رجال الدين ذوي العقل الفلسفي روائح الاستقلال، ومع ذلك فقد كانت حماستهم لتلك الحياة الدائرة خارج الأسوار، حماسة قصيرة الأجل، ذلك أن مشكلة طلب الرزق كانت ترغم كثيرين من المثقفين الجدد على العمل في خدمة الأمراء، الذين كانوا مستعدين لرعاية الشعراء والمفكرين لقاء استسلامهم الفكري.
كان الفلاسفة يُستأجرون كرجال دعاية، وكان وضعهم يستمد من وضع مستخدميهم من النبلاء، لذا لقد كان الدير يمثل ملجأً ومهرباً بالنسبة للبعض، من مطالب الأمراء الذين أصبحت الحياة الفكرية معهم مستحيلة، فظهر عدد من المثقفين الذين خرجوا عن إطار خدمة الأمراء… إلا أن المثقفين الذين قفزوا إلى المسرح خلال سنوات ما بعد الثورة الفرنسية قد اختلفوا تماماً عن أولئك الذين سبقوهم. وقد ساهم حادثان تاريخيان في إنضاج هذا النموذج الجديد.
الحادث الأول هو التقدم الضخم الذي حدث في العلوم في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والحدث التاريخي الثاني كان ظهور عبادة العقل. لقدد تحدى الثوريون العقل وتوجوه موجهاً. ثم جاء التحالف بين هذه العلمانية وبزوغ العلم لكي يوجد طرازاً آخر من المثقفين، حيث أخذ أول علماء الاجتماع يبشرون بأن الحياة لها بعد تاريخي، لأن عقل الإنسان كان يتفتح مع مرور الزمن، ونتيجة ذلك إن الماضي التاريخي كان جماعياً، وإن التاريخ في نفس الوقت له غاية محددة. ولعل فكرة هذا الهدف المحدد هي التي أعطت عقلانية القرن الثامن عشر المزيج من العقل والخيال. وقد جاء اندماج هذين العنصرين- اللذين كانا منفصلين دائماً في التاريخ الغربي- لكي يعطي المثقفين الفرصة لكي يكونوا علماء ومبشرين في وقت واحد. وقد أعطى هذا كله للمثقف دوراً جديداً لكي يلعبه.
فالقيادة الجديدة للفكر كانت تتطلب رجالاً يدركون كنه التاريخ، ويملكون القدرة على اكتشاف السبل لجعله يحقق هذا الكنه. رجال يجمعون بين الحماسة الأخلاقية وحب الفلسفة، وقادرون على تحمل مسؤولية توجيه أقدار العصور المقبلة. ومثل هؤلاء الرجال يمكن أن يظهروا من بين صفوف أي طبقة. وكان أي مثقف آنذاك مؤهل لأن يكون رسولاً للعالم الصناعي الذي كان يولد طالما كان مؤمناً بإطار جديد للعلاقات السياسية والاجتماعية. وبعد ذلك كان على الفلاسفة أن يكتشفوا حقائق جديدة، يمكن على أساسها إعادة إقامة أنظمة، وسلطات، ودرجات. وهنا لم يعد هاماً أن يكون المثقف من هذه الطبقة أو تلك. واختلط الأمور على المثقفين بمختلف اتجاهاتهم حين صار الهدف هو المزج بين التقدم والنظام.
إن حياة هؤلاء المثقفين تعطينا مفتاحاً هاماً لعلم الاجتماع ذاته، في النفس الوقت الذي تزودنا فيه بفكرة أن الأسلوب الذي يستطيع به المثقفون أن يكونوا النخبة في عالم يموج بالمتغيرات. ما أود أن أقوله في نهاية هذا المطاف هو ما يتعلق بواقعنا المعيش. فالحركة والتغيير هما دائماً وحتميان، ولا يمكن منعهما أو إلغاءهما. وإن القائد الذي يطمح بأن يرتفع إلى مستوى القائد التاريخي، عليه أن يعي هذه الحقيقة، وإن يسعى دوماً للوقوف إلى جانبها بدأب وإصرار.