سورية على مفترق طرق.. ماذا تحتاج الدولة المنهكة اليوم؟
إبراهيم الحامد:
في لحظةٍ حاسمة لا تحتمل التجميل ولا المواربة، تقف سورية أمام سؤالٍ مصيري يفرض نفسه بقوة الوقائع لا ترف التنظير: ماذا تحتاج البلاد فعلاً للخروج من هذا الانهيار المركّب؟ وهذا لم يعد سؤالاً سياسياً مجرداً، بل تحوّل إلى اختبار يومي للبقاء، يعيشه ملايين السوريين الذين يُسحقون تحت وطأة أزمات اقتصادية خانقة، وانهيار اجتماعي متسارع، وواقع أمني هشّ يفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار.
الحقيقة التي جرى تجاهلها طويلاً، أن ما كانت تعيشه سورية ليس صعوبات أو أزمة طارئة، بل كانت أزمة اقتصادية بنيوية عميقة، وهي نتيجة تراكمات عميقة لعقود من الاختلال البنيوي، أُنتج نظاماً مشوّهاً تحكمه طبقة بيروقراطية طفيلية، أتقنت نهب الدولة والمجتمع معاً، دون أن تنتمي إلى أي نموذج سياسي أو اقتصادي معروف، سوى نموذج الفساد المنظّم ، ومع انفجار عام 2011، لم تُعالج تلك الأزمة، بل انفلتت إلى صراع مفتوح متعدد الأطراف، حوّل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، وخلّف دماراً هائلاً في البنية التحتية، واستنزافاً شبه كامل للموارد، ودفع غالبية السكان إلى ما دون خط الفقر، في اقتصاد منهار وفرص حياة شبه معدومة ، ففي ظل هذا المشهد القاتم، يصبح السؤال أكثر حدّة: هل ما تحتاجه سورية هو المزيد من الخطابات الفارغة، أم سياسات صادمة تعالج جذور الكارثة؟ لقد بات هناك أولويات لم تعد قابلة للنقاش: الأمن، الغذاء، الكرامة، فلا قيمة لأي خطاب سياسي فيما الأطفال خارج المدارس، والجوع يتفشّى، والخدمات الأساسية تنهار، ومجتمع بهذا الحجم من الإنهاك لا يُرمّم بالشعارات، بل بخطط واقعية تعيد بناء الإنسان قبل الحجر.
إن إعادة البناء، مهما كانت ضخمة، ستفشل إذا لم تُسند باستقرار أمني حقيقي ، وهذا الاستقرار لا يُفرض بالقمع، بل يُبنى بعقد اجتماعي جديد قائم على الثقة والعدالة والمساواة، لا على الخوف والإقصاء، لأن قبول الآخر لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للمساومة، بل شرط وجود، فكل تجربة إقصاء في سورية أثبتت أنها وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج الصراع، بينما يفتح التشارُك باب الحد الأدنى من الاستقرار، ولذلك لا تزال البلاد عالقة في مرحلة انتقالية مشلولة، تتنازعها انقسامات داخلية حادة وتوازنات خارجية معقدة. ورغم خطورة عامل التدخلات الخارجية، إلا إن الأخطر منه ، هو غياب رؤية سياسية داخلية موحّدة، واستمرار التشظي بين قوى متنافرة وعاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع، والأخطر من كل ذلك هو أن خطر إعادة إنتاج الاستبداد لا يزال قائماً، ولكن بأقنعة جديدة ، فكل ممارسة انتقامية أو إقصائية، مهما كانت مبرراتها، تعيد تدوير الأزمة بدلاً من إنهائها، وخاصةً عندما تتصاعد في ظل الفقر والتفكك والخطابات المتشددة، التي تهدد ما تبقى من الحريات، وتدفع باتجاه مجتمع مغلق، عاجز عن إنتاج نموذج مدني تعددي، والذي هو الخيار الوحيد القابل للحياة، لا كشعار، بل كنظام حقيقي يقوم على فصل السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحريات، وضمان المساواة، وإدارة التنوع ضمن إطار وطني جامع، وهذا النموذج لن يُبنى بخطابات شعبوية و(فزعات عشائرية) رخيصة، ولا بانفعالات انتهازية مرحلية، أثبتت فشلها عبر تاريخ الأنظمة التي مرّت على سورية ، ما يحتاجه الوضع هو قاعدة اجتماعية واعية، وخطاب سياسي صادق يلامس معاناة الناس، لا يتاجر بها.
لا شك في أن سورية بحاجة للمستثمرين في إعادة الإعمار، ولكن الإعمار ليس أسمنتاً وحديداً فقط، بل إعادة بناء متكامل، والأولوية هي لإعادة بناء الإنسان، والمؤسسات، والثقة المفقودة فيما بين مكونات المجتمع من جهة، وبين المجتمع والدولة من جهة أخرى، وسورية اليوم لا تحتاج حلولاً ترقيعية، بل تسوية تاريخية شاملة تعالج جذور الصراع، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يوازن بين التنوع الثقافي المجتمعي والحريات الفردية، ودستور حقيقي يمنع احتكار السلطة، وهذا ليس ترفاً سياسياً، بل شرط أساسي للاستقرار.
الخلاصة: السوريون لا يحتاجون من يلقّنهم الأخلاق أو الدين، فهم مدرسة لها، إلا ما ندر ممن لا ينتمون لهذه المدرسة، ما يحتاجونه هو دولة تؤمّن لهم الأمن والعدالة والعيش الكريم، فالخطاب الأخلاقي المجرّد لن يطعم جائعاً، ولن يبني اقتصاداً ولن يبني مجتمعاً متماسكاً، ولن يعيد للدولة استقلالها وسيادتها، كما أن سياسات الترهيب والترغيب لكسب الجماهير فقدت فعاليتها، ولن تكسب إلا أقلية تجيد التكيّف (التكويع) مع الفوضى والاستفادة منها.
مستقبل سورية لا تحدده اتفاقيات خارجية مهما بلغت أهميتها، بل يُحسم داخلياً، عبر صراع واضح على هوية الدولة:
-إما أن تكون دولة وطنية مدنية ديمقراطية تعددية لا مركزية، وهذا هو خيار معظم السوريين.
– أو دولة مركزية مغلقة مرتهنة لأغلبيةٍ غير منسجمة ولتوازنات القوى الخارجية، وهذا من شأنه أن يكرس حالة عدم الاستقرار.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، يبقى العامل الحاسم هو قدرة السوريين أنفسهم على إنتاج صيغة مشتركة، توازن بين الحرية والاستقرار، بين الخصوصية والانفتاح، دون الوقوع مجدداً في فخ إعادة إنتاج الاستبداد والأزمات.
سورية اليوم لا تحتمل حلولاً مؤقتة ولا صفقات جزئية، ما تحتاجه هو إعادة تعريف جذرية للعلاقة بين الدولة والمجتمع. فالخروج من الكارثة لن يتحقق إلا بإرادة سياسية حقيقية، وتوافق وطني واسع، يضع مصلحة البلاد فوق كل الحسابات. إنها لحظة فاصلة: إما تأسيس لمرحلة جديدة، أو سقوط متجدد في دوامة الانهيار.