شلل في الأسواق السورية وارتفاع الدولار..
كيف دخل الاقتصاد مرحلة الإنهاك التجاري مع نهـاية أيـار 2026؟
سليمان أمين:
مع اقتراب النصف الثاني من عام 2026، تبدو الأسواق السورية وكأنها دخلت مرحلة جديدة من الركود الاقتصادي العميق، فقد تزامن الارتفاع الحاد في سعر صرف الدولار مع موجة تضخمية متسارعة أصابت مختلف القطاعات التجارية والاستهلاكية. وبينما تجاوز سعر الدولار مستويات غير مسبوقة في السوق الموازية، وجد ملايين السوريين أنفسهم أمام واقع اقتصادي أكثر قسوة، يتمثل في تآكل الدخل، وانهيار القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات باتت تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال.
في الأسواق الرئيسية بدمشق وحلب وحمص واللاذقية، لم يعد المشهد الاقتصادي يعكس حركة تجارية طبيعية، بل حالة من الترقب والجمود. فالمحال التجارية مفتوحة، والبضائع موجودة على الرفوف، لكن المشترين يتراجعون يوماً بعد يوم. المشكلة لم تعد في توفر السلع بقدر ما أصبحت في القدرة على شرائها.
الدولار يقود السوق
منذ سنوات، أصبح سعر صرف الدولار هو المؤشر الأكثر تأثيراً في الاقتصاد السوري، متجاوزاً في أهميته العديد من المؤشرات الاقتصادية التقليدية. فمعظم التجار والمستوردين باتوا يعتمدون عليه كأساس لتحديد الأسعار، حتى بالنسبة للسلع المنتجة محلياً.
ومع كل ارتفاع جديد في سعر الصرف، تدخل الأسواق في دوامة من إعادة التسعير. فالتاجر الذي يشتري بضاعته بالدولار أو وفق سعر صرف مرتبط بالدولار يسارع إلى تعديل الأسعار خوفاً من خسائر مستقبلية. وفي المقابل، يبقى دخل المواطن ثابتاً أو يرتفع بمعدلات أقل بكثير من وتيرة التضخم.
هذا الاختلال خلق فجوة واسعة بين الدخول والأسعار، وهي فجوة تتسع باستمرار. فالموظف الذي كان راتبه يكفي لتغطية جزء مقبول من احتياجات أسرته قبل سنوات، أصبح اليوم عاجزاً عن تأمين المتطلبات الأساسية لأيام معدودة فقط.
ركود غير مسبوق في الأسواق
الظاهرة الأبرز في الأسواق السورية اليوم ليست ارتفاع الأسعار وحده، بل الركود الحاد الذي يرافقها. ففي الظروف الطبيعية، قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تراجع محدود في الطلب، لكن ما تشهده سورية يتجاوز ذلك بكثير.
فقد تراجعت حركة الشراء إلى الحدود الدنيا، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالملابس والأجهزة المنزلية والمفروشات والسلع غير الأساسية. حتى المواد الغذائية التي كانت تشهد طلباً مستقراً نسبياً أصبحت تخضع لعمليات تقنين قاسية من قبل الأسر التي باتت تعيد ترتيب أولوياتها بشكل يومي.
ويصف بعض التجار الوضع بأنه (أسواق بلا زبائن)، حيث يتحول النشاط التجاري إلى مجرد عرض للبضائع دون قدرة حقيقية على تصريفها. وهذا الواقع يضر لا المستهلك فقط، بل يهدد أيضاً آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على حركة السوق اليومية.
غياب الضبط والتنظيم
أحد أبرز الانتقادات التي تتردد داخل الأوساط الاقتصادية يتمثل في ضعف آليات ضبط الأسواق والتسعير. فخلال الأشهر الماضية، اتجهت السياسات الاقتصادية نحو تحرير أوسع لحركة التجارة والأسعار، لكن ذلك لم يترافق مع إنشاء أدوات رقابية فعالة أو مؤسسات قادرة على منع الاحتكار والتلاعب.
في الاقتصادات المستقرة، يمكن للأسواق الحرة أن تعمل ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح، لكن في الاقتصادات الهشة والمتأثرة بالأزمات، يؤدي غياب الرقابة إلى نتائج مختلفة تماماً. إذ تصبح الأسعار رهينة المضاربات وتوقعات التجار وتقلبات سعر الصرف، بينما يفقد المستهلك أي حماية فعلية.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في تحرير الأسواق، بل في غياب التوازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية التنظيمية. فالأسواق تحتاج إلى قواعد واضحة تضمن المنافسة العادلة وتحمي المستهلك من التقلبات الحادة، وهو ما يبدو غائباً إلى حد كبير في المرحلة الحالية.
التضخم كضريبة على الفقراء
من الناحية الاقتصادية، يمثل التضخم أحد أكثر أشكال الضرائب غير المباشرة قسوة على الفئات محدودة الدخل. فعندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور، تتراجع القيمة الحقيقية للدخل، حتى لو بقي الرقم الاسمي للراتب ثابتاً أو شهد زيادة طفيفة.
في الحالة السورية، لا يقتصر التضخم على السلع المستوردة، بل امتد إلى معظم جوانب الحياة اليومية. أسعار الغذاء، النقل، الطاقة، الخدمات الطبية، والإيجارات شهدت جميعها ارتفاعات متتالية خلال الأشهر الأخيرة.
والنتيجة هي تآكل متواصل للطبقة الوسطى، التي كانت تاريخياً تمثل عنصر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالكثير من الأسر التي كانت قادرة سابقاً على الادخار أو الاستثمار في التعليم والسكن أصبحت تركز اليوم على تأمين الاحتياجات الأساسية فقط.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة نقد
ورغم أهمية العوامل النقدية والمالية في تفسير الأزمة الحالية، فإن جزءاً كبيراً من المشكلة يرتبط بتراجع الثقة. فالأسواق لا تتأثر بالأرقام وحدها، بل أيضاً بتوقعات الفاعلين الاقتصاديين.
عندما يتوقع التجار مزيداً من ارتفاع الدولار، فإنهم يرفعون الأسعار مسبقاً. وعندما يتوقع المستهلك استمرار الغلاء، فإنه يقلص الإنفاق ويؤجل عمليات الشراء. وعندما يخشى المستثمر من عدم الاستقرار، فإنه يتجنب ضخ رؤوس أموال جديدة.
وبذلك تدخل الأسواق في حلقة مفرغة من التوقعات السلبية، فيؤدي الخوف من الأزمة إلى تعميق الأزمة نفسها.
آثار اجتماعية تتجاوز الاقتصاد
لا تتوقف تداعيات الركود والتضخم عند حدود المؤشرات الاقتصادية. فالأزمة الحالية بدأت تترك آثاراً اجتماعية عميقة على المجتمع السوري.
تأجيل الزواج، تراجع الإنفاق على التعليم، انخفاض القدرة على العلاج، زيادة الاعتماد على الديون والتحويلات الخارجية، كلها مؤشرات على أن الأزمة الاقتصادية تحولت إلى أزمة مجتمعية شاملة.
كما أن استمرار الضغوط المعيشية لفترات طويلة يهدد بتآكل رأس المال البشري، فتصبح الهجرة هي الخيار الأكثر جاذبية للكفاءات والشباب الباحثين عن فرص أفضل.
ما الذي ينتظر الأسواق؟
إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخلات اقتصادية فعالة، فإن الأسواق السورية قد تواجه مزيداً من الانكماش خلال الأشهر المقبلة. فارتفاع الأسعار المستمر لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية في ظل غياب الطلب الحقيقي.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى سياسات متوازنة تجمع بين استقرار سعر الصرف، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الرقابة على الأسواق، إضافة إلى إجراءات تحمي القوة الشرائية للمواطنين.
فالاقتصاد لا يمكن أن يتعافى عبر تحرير الأسعار وحده، كما لا يمكن للأسواق أن تستعيد نشاطها في ظل دخول منهكة ومستهلكين عاجزين عن الشراء.
في النهاية، تكشف أزمة الأسواق السورية في أيار 2026 عن حقيقة أساسية مفادها أن المشكلة لم تعد مجرد ارتفاع في سعر الدولار أو موجة تضخم عابرة، بل أزمة هيكلية تمس العلاقة بين الدخل والإنتاج والأسعار والثقة. وبينما تواصل المؤشرات الاقتصادية إرسال إشارات مقلقة، فإن المواطن السوري يبقى الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.