بداوة عن بداوة تختلف.. المرأة والحرية… والشعر والسلطة

كلما داهم القارئ متون التراث أغرته تلك المتون بالعودة إليها، كما الشاعر والحسان لا تنفك القوافي تميل إليهن وكأنهن ملكن الفضاء من حوله، وملكن عليه أزمنته فغدون سراباً أو كالسراب.

وفي متوننا التراثية (مرويات) أو (سيريات) من الشعر والنثر تبدو كل منها كحسان ذاك الشاعر، ما إن تجد إليهن طريقاً حتى تنفتح أمامك طرق أخريات فتعيد القراءة حتى تغدو متسائلاً: أيها يملك الآخر الكاتب أم القارئ… كما كان دينيس ديدرو يتساءل، ومن تلك المرويات ما جاء في المصنفات الأدبية، (الأغاني، اليتيمة، العقد)، قصة ميسون بنت بحدل (ت 80ه/700م). وبجدل بن أنيف بن قتافة بن عدي بن حارثة بن جناب، وهي (كلبية) على المسيحية. ولأنها تمتلك حسناً فائقاً فقد أغرت معاوية، رغم فارق العمر. وما كان الحسن وحده ليغري حاكماً مطلقاً كمعاوية، إنما أغراه فيها أنها ترضي التوازن القبلي، ومن خصائصها قدرتها على الفراسة وعلى النظم في الشعر، ومما أُثر عنها أنها قالت لمعاوية حين دخل عليها ومعه خادم خصي فاستترت فقال لها: إنه خصي فقالت لمعاوية: (أترى أن المثلة تحل ما حرم الله)؟

ويبدو أن معاوية ترك الأمور الدينية لمن أراد أن يستزيد منها من شاء من الخاصة والعامة. لكنه لم يترك لهم من أمر الدولة أو السياسة إلا ما يمكن أن يوظف في خدمته. وعندما بنى لها قصراً في الشام منيفاً أسكنها فيه أدركت أنها صارت جزءاً من المقتنيات التي بحوزة الأمراء أو الملوك، فبدأت مشاعر الطلاق النفسي تحدث بينها وبين القصر، فابنة البادية التي لا حدود فيها لمن أراد أن يستمتع بامتداد النظر لا تقوى على الجدران الملكية الحائلة بينها وبين الروح الممتدة خلف الأسوار الحاجبة للحريات الفردية، هذا وذاك دفعاها لتعترض على الحياة الملكية شعراً فتقول:

لبيتٌ تخفقُ الأرواحُ فيهِ

أحبُّ إليّ منْ قصرٍ منيفِ

وماكانت (الأرواح هنا تعني الرياح وحسب، وإنما كانت تعني لها نعمة الهواء الطلق الذي فطرت عليه، وهو الرابط بين مرحلة النشأة وبين المآل السياسي الذي آلت إليه. ثم بدأت تعدد مفردات العالم البدوي الحر الجميل:

وأصواتُ الرياحِ بكلّ فجٍ

أحبُّ إليّ منْ نقرِ الدفوفِ

وبَكرٌ يتبعُ الأظعانَ صعبٌ

أحبُّ إليَّ منْ بغلٍ زفوفِ

وكلبٌ ينبحُ الطرّاقَ عنّي

أحبُّ إليَّ منْ قطٍ ألوفِ

وخِرْقٌ من بني عمي نحيفٌ

أحبُّ إليَّ منْ علجٍ عليفِ

وأكلُ كسيرةٍ في كسرِ بيتي

أحبُّ إليَّ منْ أكلِ الرغيفِ

ولبسُ عباءةٍ وتقرّ عيني

أحبُّ إليَّ منْ لبسِ الشفوفِ

وعلى الرغم من فقر القصيدة على المستوى الفني إلا أنها غنية وجدانياً، فالشاعرة تكاد تتكلم نثراً من السهل الممتنع، اعتمدت فيها على مجموعة من المصادر في الشطر الأول (أكل، لبس، أن تقر) خشونة وأسماء الحيوانات الأليفة (بكر، علج، بغل) في الشطرين، أجرت من خلالها مفاضلة مباشرة أقرب ماتكون إلى السطحية وظفت (أفعل) التفضيل في المقطوعة كلها وكررت اسم التفضيل (أحبُّ) في الشطر الثاني كفاصل بين نمطين من العيش:

نمط مرفوض/ وهو العيش الطارئ كزوجة تقتنى عند الملك المالك. وهنا لا تبدو المرأة الشاعرة كميسون في حالة انتماء لا لرفض حضاري، إنما لإحساس بالاغتراب في وسط يبدو لها مزيفاً لم تفعل هي فيه شيئاً، والآخر المغاير هوالنمط المفضل وهو المسبوق (بأفعل) ولم تغير اسم التفضيل (أحب) إلا في بيت واحد وهو:

خشونةُ عيشتي في البدوِ أشهى

إل نفسي منَ العيشِ الطريفِ

والتفضيل (أشهى) من نسق (أحبُّ) ولكنه إلى طبيعة المرأة أقرب، فالخشونة البدوية طبع أصيل في أبنائها. أما الطرافة هنا فتعني (الطارئ) الذي فرض نفسه عليها فبات ملزماً من موقع الاستعلاء. ولكن السؤال: لماذا لم تنتمِ كشاعرةٍ أو كزوجة؟

من الواضح أن الفاصل بين ميسون وبين معاوية ليس الفرق الحضاري وحده، إنما -كما يبدو لنا- أن الشاعرة لم تقتنع بنمط الالتحاق والتبعية، فالإحساس بالوجود النوعي القادم من المنبت الأصيل، ورفض الشبيه الزائف مهما كان مغرياً، تقول مختتمة القصيدة:

فما أبغي سوى وطني بديلاً

وما أبهاهُ منْ وطنٍ شريفِ!

والوطن إذ ذاك الزمن هو مجموعة مضارب القبيلة، ولا يختلف الأمر شيئاً، فالوطن اليوم كما هو بالأمس هو الأرض والبشر والثقافة والقانون. والجميل في البيت الأخير انتقالتها من (أفعل) التفضيل إلى صيغة (ما أفعله) التعجبية، وهذه الانتقالة عنت أمراً مهيباً حاسماً، ألا وهو رفض المصالحة أو التسوية على الأسس التي تمس بالوجدانَيْن: الفردي والجمعي. فإذا كانت ميسون بنت بحدل في نهاية القرن الميلادي السابع 700م قد أدركت هذه العلاقة القيمية بين الفرد والوطن، فلماذا لا يدركها معارض (ديمقراطي) يتمول من آبار النفط المتوضعة في الصحارى والبراري التي أقامت عليها الشاعرة ميسون… وكم كان معاوية السفياني دقيقاً في تصرفه إذ طلقها -كما تروي المدونات- بعد أن سمع القصيدة، فقد انتصف لنفسه ولقصره ولميسون التي كانت حاملاً بيزيد ولده، الذي أخذ له البيعة قبل موته، إذ قال: (رضيت ابنة عدل بحدل جعلتني علجاً عليغاً؟ هي طالق ثلاثاً) ثم سيرها إلى أهلها في نجد، وولدت يزيد في البادية وأرضعته سنتين، ثم أرسلته إلى أبيه راضية غير آبهة به ولا بأبيه، فالوطن هو الأغلى.

وما إن يفرغ متأمل القصيدة حتى تنعقد المقارنة الضمنية بين الشاعرة ميسون وبين وزير معاصر سابق عبَّ من مال العباد وغب وهلل وصفق، وعندما لاحت له موائد الآخرين أشهى (تشهّى) كما يتشهّى الشاعر وجه من يعشق، لكنه تشهى السراب. فالآخرون (بريطانيا- أمريكا- فرنسا) لم يتصوروا أنهم قادرون على خداع السياسيين النخبيين بهذه السرعة. والقضية ليست سحراً أو ما يشبهه فالمال النفطي هو الوسيلة المغرية التي تجعل شهوة السلطة فوق الانتماء الوطني أو العقيدي، ولو كانت على حساب وطنٍ ينزف دماء سخية كريمة يجود بها فقراء الوطن السوري وهم يدفعون الثمن باهظاً من أبنائهم ومواردهم ليدافعوا عن الوطن الشريف بل الأشراف.

والبداوة التي أغرتنا بها الشاعرة ميسون ليست حالاً فردية في مأثورنا السياسي أو الثقافي لنتذكر المتنبي (915-967م) عندما انتصر للبداوة لا كنمط معيشي يفضله إنما كنمط سياسي مرتبط بالجذور، ولاسيما بعد أن دخل البويهيون بغداد (945م) وفرضوا نمذجتهم السياسية، كان المتنبي 353ه يتجاوز انتماءه المذهبي ليحيي أصداء الوجود العربي (القومي) اليوم.

وتظهر البداوة في شعره لا بوصفها جغرافيا سياسية أو تاريخاً متقدماً على التشكل السياسي بل كصورة لأمة أزيحت عن تاريخها وعن جغرافيتها، ولكنه يعلل (العطالة) العربية من فعل الحاكم الذي يبدو في شعريته البطل المتآمر، ومنها قوله المعروف:

وإنما الناسُ بالملوكِ وما

تُفلحُ عُرْبٌ ملوكُها عَجَمُ

ولكن بائيته الشهيرة هي الأدل على موقعه المدافع عن البداوة التي اتخذ فيها من المرأة البدوية رمزاً -يبدو للوهلة الأولى جمالياً- لكنه رمز تاريخي سياسي:

من الجآذرُ (1) في زيّ الأعاريبِ

حمرُ الحِلى والمطايا والجلابيبِ

كم زورةٍ لكَ في الأعرابِ خافيةٍ

أدهى وقد رقدوا من زورةِ الذيبِ

فؤادُ كلّ محبٍّ في بيوتِهمُ

ومالُ كلّ أخيذِ المالِ محروبِ

ما أوجهُ الحَضَرِ المستحسناتُ بهِ

كأوجهِ البدوياتِ الرعابيبِ (2)

حسنُ الحضارةِ مجلوب  بتطريةٍ

وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوبِ

أينَ المعيزُ منَ الآرامِ ناظرةً

وغير ناظرةٍ في الحسنِ والطيبِ

فما الحداثةُ من حِلْمٍ بمانعةٍ

قد يوجدُ الحِلمُ في الشبانِ والشيبِ

من الواضح أن الوعي السياسي للمتنبي هو وعي الشعراء، والشعراء ذوو فعل مرتد، ولكن لماذا البداوة ولا الحضارة علامة على الأصالة. ولماذا المرأة علامة على تقدم البداوة لا الرجل؟ فالمرأة لم تكن شريكاً في الهزيمة السياسية التي أقلقت المتنبي، وهي بُنَيّهٌ فاعلة في الحياة البدوية كمنظومة عيش وكأداة للمحافظة على النوع، وكمركز لأصالة المنبع الذي لم يُعكّر مجراه بمياه غيره كنظير -يراه- للخلق الأول، للكون الفطري الذي لم يكن فيه إلا العنصر العربي حيّاً فاعلاً. إذاً المرأة هي البديل عن المفقود… وهي صورة الباقي القادر على الفعل والاستمرار. وفي لغة المتنبي معاوضة عن الخاسر المزاح – فحضور القوة التركيبية هو من غياب التركيب الاجتماعي الذي من فعله السياسي، وهذه اللغة (الشعر) صورة الإمداد للوجود النوعي _كما يراه المتنبي طبعاً_ والذي تقف وراءه المرأة كصورة تنوب عن الطبيعة في دفع الاستمرار من خلال المكان (الصحراء)، ومن خلال الكائن الحي فيها (البدو).

والمتبني الذي عاش في كنف سيف الدولة الحمداني (915-967م) لم يُعر لمعيشة القصور الحاكمة كبير اهتمام في شعره، رغم محاولته (أن يولي). ورحلته إلى مصر كانت لتحقيق حلم الولاية، فقد ظل الرجل لاهثاً وراء حاكم فاعل في ظروف تفكك الدولة المركزية. وما امتداحاته لسيف الدولة إلا من ذاك اللهاث، وعندما عاد من مصر خائباً استحضر الأرض (البادية) واستحضر سيف الدولة هاجياً كافور مصر:

أمّا الأحبةُ فالبيداءُ دونَهمُ

فليتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ

لولا العلا لم تُجُبْ بي ما أجوبُ بها

وجناءُ حرفٌ ولا جرداءُ قيدود (3)

وعندما غادر إلى بلاد فارس (شِعْب بوّان) أحس بالاغتراب، رغم اعترافه بجماليات المكان الجديد، لكنه ظل مغترباً فيه لا ينتمي إليه، المكان والإنسان واللسان ثالوث يشكل مخيلة المتنبي، المكان (البادية، الصحراء)، والإنسان (ابن البادية، العرب) واللغة هي لغة العرب.

مغاني (4) الشّعب طيباً في المغاني

بمنزلة الربيعِ منَ الزمانِ

ولكنّ الفتى العربيَّ فيها

غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ

ورغم سماعه (الأذان) إلا أنه لم يستشعر الإلفة والحميمية، فالمسألة الدينية غير قادرة على نقله من الاغتراب إلى الانتماء… وهنا يشخص مسألة مهمة وهي الارتباط بالأرض، ويستعلي بالأرض على المعتقد _مهما كان المعتقد مقدساً. فالمتنبي رغم اغترابه في الجغرافيا العربية سياسياً إلا أنه لا يقف من تلك الجغرافيا -كما يقف المعارضون في (غرب أوربا وغرب الأطلسي وفي آبار النفط اليوم- موقفاً معادياً، بل على العكس تماماً، فما إن يوغلُ في الاغتراب الجغرافي حتى يوغلَ في الانتماء) القومي، المكان_ البشر.

وفي كتابه (نزعة الأنسنة في الفكر العربي) يقول محمد أركون مستنتجاً استنكار المتنبي لغير العرب وللحوافز غير العربية (إن التطورات الثقافية والاجتماعية التي طرأت منذ فتح إيران قد عكست حالة تاريخية جديدة، وهي بداية اضمحلال دور العرب لصالح أقوام  آخرين، حتى وهم الخلافة على الرغم من قداسته قد اختفى وراحت السيطرة الفارسية تفتح آفاقاً جديدة). فالفارق بين تصورات شاعر مثالي متعالٍ كالمتنبي لعالم مثالي، وبين رؤية مفكر معاصر يعمل وفق منهج بنيوي مشتق من العلوم الدقيقة، يضعنا أمام الفارق التاريخي نفسه بين الشعر والفكر.

وقبل أن نختتم رأينا هذا نذكّر بأن موضوعة (الحرية) عند شاعرة فطرية بدوية كميسون بنت بحدل تنتقل جيناتها المورثة إلى أجيال بعد أجيال لتعيش مع كل جيل أحلامه وطرائقه في التعبير عن وجوده. وبالمقابل فإن سلطوية معاوية تعيش -عبر الجينات الاستبدادية المحتمية بالعقيدة – تعيش مع محمد مرسي… ومع نظرائه في أمصارنا المعاصرة. وقد تعيش مع شاعر يدّعي تحرير المرأة كنزار قباني، عندما صرح نثراً (غيرتُ وضع المرأة من جارية إلى وردة)، أي غير شكل المتعة عند رجل شرقي توارث الاستبداد. رحم الله المتنبي:

ليت الحوادثَ باعَتْني الذي أخذَتْ

مني بحلمي الذي أعطَتْ وتجزيني

 

 

(1) الجآذر: ج جؤذر: ولد البقرة الوحشية

(2) الرعابيب: ج رعبوبة: الطويلة الممتلئة

(3) الوجناء: الناقة الشديدة. حرف: ضامرة صلبة. قيدود: طويلة العنق.

(4) مغاني: منازل.

العدد 1195 - 23/04/2026