المصرف المركزي يخترع الدولاب النقدي!
يظهر، جلياً، التخبط في إجراءات المصرف المركزي، وسياسته، لضبط أسعار الصرف، ووقف التدهور في قيمة الليرة، وقدرتها الشرائية. وفي هذا الإطار، تصنف إجراءاته، في خانة عدم الدراية، والابتعاد عن الواقع، وغياب الشفافية. إذ لا يعترف المركزي بالثوابت الاقتصادية والنقدية، ولهذا تأتي إجراءاته مثيرة للتساؤل، كالتدخل في سوق بيروت!؟ وتكمن مشكلة المركزي بأنه يضع سبباً مختلفاً لنتيجة مغايرة، في معرض تبريره لارتفاع أسعار الصرف، واعتماده على موقف خاطئ يتمثل بتضاد السبب والنتيجة. مايكشف الاستخفاف بالعقول، وهو يضع الإجراء المناسب على الرف، في وقت أحوج ما نكون فيه إلى الشفافية، واتباع العلم والذكاء والتكتيك لحماية عملتنا الوطنية.
لا نجافي الحقيقية إذا اعتبرنا أن المركزي يعد أحد المضاربين على الليرة من خلال نشره لأخبار ومعلومات غير دقيقة، وكل التهم التي وجهها المركزي للذين يضاربون على الليرة، افتقدت الحجة والمنطق. هل من المقنع أن موقعاً إلكترونياً أو حساباً على موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) قادر على اللعب بسعر الصرف؟ أو تحريكه؟ أو المسّ بمتانة الليرة وتماسكها؟ إن متابعة بعض المواقع الإلكترونية على اختلافها، لسعر الصرف، ليس جديداً، إلا أن رمي الكرة في ملعبها، يبتعد عن المنطق، ويضع السياسة النقدية محط تساؤل، لاسيما في ظل غياب الحملة المضادة لهذه المواقع، وتعرية ما تختلقه، وتشويهها للحقائق. إذ لاتوجد مواقع رسمية تلبي رغبة المواطن بالتعرف على سعر الصرف الحقيقي، وتمكنه من دحض ما تبثه المواقع المتهمة بأنها تقف وراء رفع سعر الصرف. كما أن الماكينة الإعلامية الحكومية تتميز بالبطء الشديد في هذا الإطار، والغياب الواضح لمسؤولي السياسة النقدية، وأعضاء مجلس النقد والتسليف، تعد أحد أبرز الأسباب التي أدت إلى لجوء الناس إلى مواقع التواصل الاجتماعي، للتعرف على سعر الصرف، وما يجري في سوق الصرافة. فالصمت الذي يتبعه المركزي وحاكمه، هو أبلغ تعبير عن فقدان الأدوات التدخلية المنطقية، واتباع أسلوب غير لائق إطلاقاً، مفاده إقرار المركزي بأن موقعاً على التواصل الاجتماعي أدى إلى رفع أسعار الصرف، وتخفيض قيمة الليرة، في وقت لحق بهذا السعر غير الحقيقي ـ كما يزعم مسؤولو المركزي ـ السعر التدخلي الرسمي.
ما قيل تبريراً لسعر الصرف، ليس قضية جدلية، إنها مهزلة في نطاق عمل المصرف المركزي، الذي من المفترض أن يكون دقيقاً، ومتوازناً، وعلمياً، وموضوعياً. حال المركزي اليوم يثير الاستياء والشفقة، فالسبب الذي يتحدث عنه الحاكم،والذي أدى إلى ارتفاع أسعار الصرف وانخفاض قيمة الليرة، لا يمت بصلة إلى النتيجة التي توصل إليها المركزي، والتي على أساسها اتخذ الإجراء المناسب، هذا يعني أن ما يضمره المركزي شيء، وما يعلنه شيء مختلف تماماً، ولايوجد تطابق بينهما.وإذا كان ارتفاع سعر الصرف، سببه المضاربون، فلامناص من ضرب هؤلاء في معاقلهم، وبيد من حديد، ومحاسبتهم على فعلتهم الرعناء تلك. أما إن كان السبب، شيئاً آخر كالمواقع الإلكترونية، فلابد من معالجة هذا الواقع المزري. ولكن الحاكم يربط تحسن أسعار الصرف، بمبدأ غير اقتصادي، ليعود من جديد، ويرى أن 15 مليون دولار ضخها المركزي لاستيراد القطاع الخاص للمازوت، كانت السبب الذي يقف خلف ارتفاع السعر! هذا ضرب من الجنون، لأنه أتى برغبة حكومية، سمحت باستيراد المازوت، فهل مبلغ كهذا يحرك سوق الصرافة، في الوقت الذي ترفض فيه شركات ومكاتب الصرافة شراء القطع الأجنبي؟ ويسمح فيه المركزي للمواطن بشراء القطع الأجنبي دون سقوف؟ أي أن الإجراء الخاطىء للمركزي، هو الذي عزز الاتجاه الصاعد لسعر الصرف، وأدى إلى فقدان جديد لقيمة الليرة.
بالنتيجة، هذا البون الشاسع بين السبب والنتيجة، وبين السبب وطريقة العلاج، يرسخ حالة الابتعاد عن الواقع والانفصام عنه، ويعزز حالة فقدان الثقة بين كل اللاعبين في هذه المساحة، ويجسد أن المركزي يحاول خداعنا، بتفسيراته وطرق علاجه لأسباب القضية.
حساسية موضوع أسعار الصرف ودقتها، تتطلبان إدارة شفافة، ورغبة صارمة في العلاج، فالسبب له نتيجة محددة، وهذا ليس اختراعاً للدولاب، بينما حاكم مصرف سورية المركزي، يحاول اختراع الدولاب النقدي، وإيجاد سبب مقنع للناس، لتراجع سعر صرف الليرة المنهكة والمتهالكة، بينما الواقع مغاير لموقفه، ووضع الليرة ليس في أفضل حالاته.