أمريكا وسياسة الكيل بمكيالين
عادل نايف البعيني:
لم يخطئِ العالم أينشتاين صاحب نظرية النسبية، عندما خرج على العالم بنظريته. تلك النظرية التي تثبت يوماً بعد يومٍ صدقها وصوابَها، وهي إذ تنسحب من حيث المبدأ على كل شيء من مواد وعناصر وأفكار ومفاهيم، وتلك كلها خاضعة لمبدأ النسبية، فما هو صائب وصحيح لدى البعض، قد يكون خاطئاً ومغلوطاً لدى البعض الآخر.
فما هو المدلول من خلال هذه النظرية لبعض المفاهيم والأفكار الثابتة كالمقاومة، والديمقراطية، والإرهاب، والموقف من مغتصب الأرض والحقوق، وتباهي الظالم على المظلوم، وانتهاك الحقِّ، ونصر الباطل.
من هنا سأعرض لكلٍّ من تلك المفاهيم على حدة عارضاً وجهة النظر الثابتة ومصدرها، ووجهة النظر المتغيرة ومصدرها. فلو أخذنا مفهومي احتلال أرض الغير بالقوة، والتدخّل بشؤون الغير الداخلية والخارجية، متخذين مثالاً عليهما إسرائيل وفلسطين والجولان والجنوب اللبناني من جهة، وأمريكا والعراق وأفغانستان وسورية ولبنان وغيرهم من جهة ثانية. ولنبدأ بالمفهوم الأول، فمن حيث المنطق الثابت والعرف الدولي والعالمي، تعتبر إسرائيل دولة مغتصبة للأرض والحقوق معاً. وأدلّ دليل على ذلك ما صدر عن مجلس الأمن الدولي من قرارات إدانة لهذا المغتصِب، واعتبارِهِ مذنباً وإصدار الأوامر له بالانسحاب من الأراضي التي احتلها نتيجة عدوانه. بدءاً من القرار 195 إلى القرار 242 إلى القرار 338 إلى غيرها من القرارات، ويلاحظ من الوجهة التاريخية أنّ هذه الحالة عالمية، ومثبتة في دساتير دول العالم وفي ميثاق الأمم المتحدة.
أما النظرة المتغيِّرة والمتبدِّلة لذلك المفهوم، فهي وجهة النظر الإسرائيلية بدايةً، ووجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية، من مبدأ انصر أخاك ظالماً. فـ(إسرائيل وأمريكا) دولتان تعاضدتا على الشر والعدوان وتغليب منطق الشر على الخير ومنطق القوة على الحق، فهُما تريان أنَّ لإسرائيل الحق في الأرض الفلسطينية والحق في طرد أهلها، والحق في قتل من يقاوم هذا المغتصب الناهب للحقوق. وتلك أولى المتغيرات في النسبية العالـمية للموقف من الحقِّ. وستـكون في كل الأحوال (أمريكا) هي المثل، فاسعدْ أيها الشعب الأمريكي!
ننتقل إلى المقاومة، ولا بأس من قرنها حسب العرف الأمريكي الأعوج لا العالمي بكلمة الإرهاب، هنا، يتجلى لنا بوضوح هذا الخلط اللامنطقي بين هذين المفهومَيْن في المنطق الأمريكي البائس.
كما سبق أنْ قلنا، يعتبر في العرف الدولي والمواثيق والعهود، اغتصاب أرض الغير وحقوقه بالقوة يُعدّ عدواناً لا بد من مجابَهته بالمقاومة، ومن هنا كانت المقاومة الوطنية ضد مغتصبي الحقوق شرعيةً حسبما نص عليها ميثاق الأمم المتحدة ودساتير دول العالم، وعليه يعتبر مقاوِماً شرعيّاً كل من اغتصبت أرضه أو طرد منها أو اقتطع شيءٌ منها، وتظل مقاومته شرعية حتى تزول الأسباب الداعية. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، أذكر على سبيل المثال مقاومة الشعب الفرنسي للمحتل الألماني، ومقاومة الشعبين اللبناني والسوري للمحتل الفرنسي، ومقاومة الشعب الأمريكي والشعب المصري للمحتل الإنكليزي، ومقاومة الشعب الليبي للمحتل الإيطالي …الخ.

أما النظرة المتغيرة والتي تتبناها أمريكا، فتقول إنَّ كل من يهبُّ مقاوماً مُحتلّاً ومطالباً بالحرية وساعياً إلى استقلال وطنه فهو إرهابي يجب قتله أو اعتقاله ومحاكمته لأنه يطالب بحقّه الذي شرّعه له القانون العالمي لأنه يطالبُ بالحرية والديمقراطية، فأيُّ منطقٍ هذا؟!
وعلى ذلك صنف الرئيس بوش ومن خلفه حكومته ونواب الشعب الأمريكي، ومن جاء بعده من حكام، صنّفوا المقاومةَ بأنها إرهاب. ويعاقب عليها القانون الدولي عفواً (الأمريكي) وكل من يؤوي مقاومين فهو إرهابي مثلهم تجب معاقبته أيضاً. ولكن الإرهابيين الذين تؤويهم أمريكا وإسرائيل ومن لف لفهم ليسوا بالإرهابيين بل هم معارضون، وتلك إحدى متغيرات النسبية.
وإذا انتقلنا إلى مفهوم الديمقراطية، التي نفهمها بأنها حكم الشعب نفسَه بنفسه، وقيام الحكم على أسس ديمقراطية تتجلى بالعدالة والمساواة وحرية الانتخاب وسيادة القانون، ويقوم على مبدأ السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية التي تتحقق عن طريق الانتخاب.
ولكن هذه الديمقراطية تتغير أيضاً بحسب المنطق الأمريكي، فما هو منتخبٌ شرعياً مرفوض من قبل أمريكا (رئاسة نيكولاس مادورو) ومن يطالب بالحرية الشخصية والوطنية فهو إرهابي يجب استئصاله من جذوره ورميه خارج أرضه (الفلسطينيون مثلا)، وإذا بالانتخاب الديمقراطي ينقلب تعييناً مثل (مجلس الحكم في العراق) تحت حجة أن شعب العراق لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه، وبالتالي الحرمات تُقتحَم، (مداهمة البيوت الآمنة) والحريات تُقمع وتُكَمُّ الأصوات وتغلق مصادر الإعلام (إغلاق العديد من الصحف المحلية والعالمية في العراق ومحطات التلفزة العربية كمحطةِ الجزيرة، ومحطة آر تي الروسية). والمكاتب الإعلامية للشعب الفلسطيني المغتصَبِ أرضاً وشعباً تغلق أو تؤمر بالإغلاق. هل هكذا تكون الديمقراطية أيها الأمريكيون؟! إذا كانت كذلك فبئس الديمقراطية ومن يسعون إلى فرضها بالقوة! هكذا يكيل القوي الأمور بمنطق القوة لا بمنطق الحق.
أمّا إذا عرَّجنا على مقولة أسلحة الدمار الشامل، فيتضح لنا أن الكيل الخاسف واضح أكثر من وضوح عين الشمس، فإسرائيل، بحسب هذا الكيل، لها الحق في امتلاك أسلحة الدمار الشامل وأسلحة نوويَّة لتظلَّ الأقوى والمهدِّدَة لأمن المنطقة، وتكون بالتالي رأس حربة أمريكا الموجهة لخاصرة الشرق الأوسط، وأمريكا يحق لها امتلاك أسلحة دمار شامل وأسلحة نووية وكل أنواع الأسلحة لتظلَّ الأقوى في العالم وتُهدد أمن العالم كبيراً وصغيراً، أما الدول الأخرى فلا يحق لها ذلك فلتُستبحْ أرضُها وليُقتلْ شعبها وقادة شعبها، ولتُدمّرْ أسلحة هذا البلد ولتقلم أظافر من يهدد أمن الصغيرة المستضعفة والمدللة بين الأقوياء (إسرائيل) وهذا ما يحدث منذ سنوات في ايران، التي لا تزال في حرب مع الكيان وأمريكا منذ ثمانية أشهر.
يا لسخرية الأقدار! تقوم أمريكا بحماية إسرائيل، هذه المستضعفة لا تُهدِّدُ جيرانها فحسب بل تُهدد العالم كله. بينما هي تسعى لتثبيت سيطرتها على الشرق كله، هذه هي العدالة والديمقراطية فليفهمها من لا يفهم؟؟
وإذا عدنا للمفهوم الثاني الذي يقوم على التدخل في شؤون الدول الداخلية، نجد الكيل بمكيالين يبدو أكثر وضوحاً.
تتباكى أمريكا على لبنان وتتألم لشعبه الذي يعاني من التدخّل الخارجي المزعوم في شؤونه الداخلية سواء سورية سابقاً، أو إيران وإسرائيل. وتعتبر حزباً مقاوماً من أهل لبنان إرهابياً تسعى لتدميره وإنهاء وجوده بحدة الخوف على لبنان واللبنانيين. لتغزوه إسرائيل رأس حربة أمريكا برّاً وبحراً وجوّاً كي تقضي على حزب الله، وتقتل شعبه الآمن، وتدمر منشآته وبيوت الآمنين تماماً كما فعلت أمريكا في العراق؟!
مَنْ يتدخّل بشؤون الغير؟! سورية التي غزت أفغانستان بحجة ملاحقة المزعوم ابن لادن، والذي أوجدته أمريكا ورعته ومازالت ترعاه لكي تبقى المتسلطة والباغية في المنطقة.
مَنْ يتدخّل بشؤون الغير؟ سورية التي جرّدت أكبر قوة في العالم لتهاجم بلداً مستقلّاً ومعترفاً به عالميّاً بحجة تغيير نظامه السياسي الذي لا يتماشى وطمعها في استغلال ونهب نفط المنطقة الذي بات يهدد اقتصادها العالمي، وبحجة وجود أسلحة دمار شامل لم يلقوا منها شيئاً.
من يتدخّل بشؤون الغير؟ هل أتحدث عن يوغوسلافيا، والدومينكان، والباكستان، أفغانستان، ودول البحر الكاريبي حتى روسيا وغيرهم وغيرهم؟!
لله العجب كيف أصبحت أمريكا حنونة على اللبنانيين وخاصّة من هللوا لذلك. وكم هي ذكية وهي تعيد لبنان إلى ساحة الحرب الأهلية التي خرج منها جريحاً وما زال يضمد جراحه. ولكن أحداً منهم لم يسأل نفسه: مادامت أمريكا غيورة على استقلال الدول، لماذا تهاجم إيران وفنزويلا وغيرهما، وتتدخل بشؤونهم الداخلية؟ ولماذا لا تدعهم يحلون مشاكلهم بأنفسهم؟!
هذا هو الكيل بمكيالين.
مما سبق تبدو لنا نسبية الأشياء في منطق القوة، ويبدو لنا بوضوح كيف تكيل أمريكا الأمور بأكثر من مكيال، ولا يهمها أحدٌ لا الدولُ والحكوماتُ الرافضةُ لتصرفاتها، ولا الشعوبُ المستهجِنَةُ عملَها، ولا شعبُها المغلوبُ على أمره في ظلِّ ديمقراطيةِ القوةِ، والنجاحِ القضائي الفاسد، فهل بعد ذلك كيل مزدوج أكثر من ذلك؟ وهل هناك من يسمع ويعي فينتفضُ ويرفضُ. ربما؟؟ فالأيام الآتية تحمل الكثير من المفاجآت.