أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي 6
يأتي مشروع (أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي) وفاءً لذاكرة المناضلين والمفكرين اليساريين، وتعريفا بإسهاماتهم الفكرية والسياسية في مسيرة اليسار العربي. وهو مشروع سبق أن بدأه الرفيق الراحل زياد الملا إذ أنجز الجزء الأول منه وكتب فيه عن مئة شخصية يسارية وكان بصدد إعداد الجزء الثاني من هذه السلسلة.
لكن رحيل الرفيق زياد الملا عام 2020 م حال دون استكمال هذا المشروع، وبقي الجزء الثاني منه دون أن يُنجز. ووفاءً لذكراه أردت أن أستأنف السلسلة من حيث بدأها عبر إعادة نشر ما كتبه ونشره في جريدة النور ومواصلة المشروع الذي أطلقه.
سامر النمر
فؤاد الشمالي
رائد الحركة النقابية وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي السوري اللبناني
يُعدّ فؤاد الشمالي من أبرز رواد الحركة العمالية والنقابية في لبنان وبلاد الشام، وأحد المؤسسين التاريخيين للحزب الشيوعي السوري اللبناني. كرّس حياته للدفاع عن حقوق العمال، ونشر الفكر الماركسي، والنضال ضد الاستغلال والانتداب الفرنسي، تاركاً بصمة في المراحل التأسيسية للحركة الشيوعية والنقابية في المنطقة.
النشأة والبدايات في مصر
وُلد فؤاد الشمالي عام 1894 في بلدة سهيلة بمنطقة كسروان، في عائلة شديدة الفقر، عمل منذ طفولته في صناعة التبغ والسجائر، فعايش ظروف العمال ومعاناتهم عن قرب، الأمر الذي أسهم في تكوين وعيه المبكر بظروف العمال ومعاناتهم.
وفي شبابه، انتقل مع والدته إلى مصر واستقر في الإسكندرية، حيث انخرط عام 1916 في الحركة العمالية، وأصبح عضواً في الاتحاد العمالي العام بالإسكندرية.
تعرّف هناك إلى الأفكار الاشتراكية والماركسية، وانضم إلى الحزب الشيوعي المصري، الذي كان يُعرف حينها باسم الحزب الاشتراكي، وأصبح عضواً في لجنته المركزية.
وفي عام 1922، أسّس (حزب العمال اللبناني) لتنظيم العمال اللبنانيين المقيمين في مصر، وبسبب نشاطه النقابي والسياسي واتهامه بالترويج للبلشفية، نفته السلطات المصرية عام 1924 وأبعدته عن البلاد.
تأسيس الحزب الشيوعي والعمل النقابي
عاد الشمالي إلى لبنان عام 1924، وتعاون مع الصحفي والمفكر يوسف إبراهيم يزبك ومجموعة من المثقفين والعمال لتأسيس (حزب الشعب اللبناني) في 24 تشرين الأول من العام نفسه، الذي شكّل نواة التطور التنظيمي المؤدي إلى قيام الحزب الشيوعي السوري اللبناني.
وفي العام ذاته، أسّس في بلدة بكفيا (نقابة عمال التبغ)، في خطوة مبكرة نحو تنظيم العمال ضمن إطار نقابي مستقل ذي توجه طبقي واضح، وسعى إلى توحيد العمال والدفاع عن حقوقهم وتحسين ظروف عملهم، مؤمناً بأن التنظيم النقابي أداة أساسية لمواجهة الاستغلال.
الأمانة العامة للحزب والنشاط التنظيمي
ونظراً إلى نشاطه العمالي والسياسي، اختير أميناً عاماً للحزب الشيوعي عام 1928، وكان اسمه حاضراً في عدد من البيانات الحزبية الصادرة خلال تلك المرحلة، مع العلم أنه من النادر أن يكون السكرتير الأول أو الأمين العام لحزب شيوعي عربي من الحركة العمالية النقابية أو الطبقة العاملة.
مؤتمر الأممية الشيوعية وتطور التنظيم الحزبي
بعد خروجه من السجن، شارك الشمالي مندوباً عن الحزب في المؤتمر السادس للأممية الشيوعية، الذي انعقد في موسكو بين 17 تموز والأول من أيلول عام 1928.
ورفع المؤتمر شعار (طبقة ضد طبقة)، واتُّخذت خلاله قرارات تأثرت بتراجع الاشتراكية الديمقراطية المرتبطة بأممية أمستردام، (الأممية الثانية)، عن المواقف البروليتارية. وفي سياق هذه التحولات، انتسب الحزب الشيوعي السوري إلى الأممية الشيوعية الثالثة (الكومنترن).
وبعد عودة الشمالي من موسكو، عقدت اللجنة المركزية جلسة تقرر فيها تغيير اسم الحزب إلى (الحزب الشيوعي السوري ـ فرع الأنترناسيونال الشيوعي) ومع ذلك استمر الحزب في عدم الإعلان عن اسمه الجديد في بياناته ومناشيره وأنشطته، إلى أن تقرر الإعلان عنه في ليلة السادس والسابع من تموز عام 1930.
النضال ضد الانتداب الفرنسي
امتد نشاط الشمالي إلى النضال الوطني، فساهم في صياغة المنشورات وتوزيعها دعماً للثورة السورية الكبرى التي اندلعت عام 1925 ضد الانتداب الفرنسي، وأدى نشاطه إلى اعتقاله ونفيه من قبل السلطات الفرنسية إلى قلعة القدموس وجزيرة أرواد، وقد عكست مواقفه إيمانه بترابط النضال الطبقي والتحرر الوطني.
النتاج الفكري والصحفي
أصدر الشمالي جريدتي (العمال) و(المريخ)، واستخدم الصحافة لنشر الأفكار الاشتراكية والتعبير عن قضايا الطبقة العاملة، وتعزيز الوعي بأهمية التنظيم النقابي والسياسي، وبعد عودته من الاتحاد السوفييتي عام 1928، ألّف كتاب (الأنترناسيونال أو الأمميات الاشتراكية الثلاث)، متناولاً تطور الأمميات الاشتراكية والحركة الاشتراكية العالمية.
وفي عام 1929، أصدر كتاب (نقابات العمال في لبنان)، الذي تناول أوضاع الطبقة العاملة وسبل تأسيس النقابات وتنظيمها وإدارتها، وبعد إبعاده عن الحزب، نشر عام 1936 كتاب (الاشتراكية)، الذي ناقش فيه الاشتراكية في التطبيق وبعض جوانب التجربة السوفييتية.
الخلافات الحزبية والسنوات الأخيرة
اتسم الشمالي بالتمسك بالعمل الميداني بين العمال وبما يمكن وصفه باليسارية العمالية، لكن الخلافات التنظيمية والفكرية داخل الحزب أدت، في أوائل عام 1933، إلى إزاحته من منصب الأمين العام وإبعاده نهائياً، وسط اتهامات تتعلق بعلاقته بالأجهزة الأمنية.
وقد بقيت هذه الاتهامات موضع خلاف؛ إذ رأى يوسف خطار الحلو وناصر حدّة، وفق الروايات المنقولة عنهما، أنها باطلة، بينما أثارت كتابات أرتين مادويان شكوكاً بشأن علاقته بالأمن، ولذلك تظل القضية بحاجة إلى دراسة تستند إلى وثائق تاريخية موثقة.
توفي فؤاد الشمالي في لبنان عام 1939، فقيراً معدماً، بعد حياة حافلة بالنضال النقابي والسياسي والفكري، وعلى الرغم من خلافاته الحزبية والجدل الذي أحاط بسنواته الأخيرة بقي اسمه مرتبطاً بتأسيس الحركة الشيوعية والنقابية في لبنان وبلاد الشام، وبمحاولة تحويل معاناة العمال إلى قضية منظمة للدفاع عن حقوقهم وتحقيق التحرر الاجتماعي والوطني.
المراجع: كتاب الدكتور عبد الله حنا عن الحزب الشيوعي السوري: الحركة الشيوعية السورية الصعود والهبوط.