1924 – 2026 .. الشيوعيون السوريون والذكرى الـ 102 لتأسيس حزبهم

التاريخ منحهم المصداقية.. وثقة الشعب تدفعهم للاستمرار

مئة عام.. وعامان مرّت على تأسيس الحزب الشيوعي السوري، حزب الوطن.. حزب العمال والفلاحين.. حزب الجلاء والاستقلال.. وحزب الخبز، وحزب الدفاع عن طموحات الشعب السوري إلى وطن حرّ ديمقراطي علماني.. وشعب سعيد.

ورغم الظروف الصعبة التي تمر بها سورية بعد انهيار النظام السابق، وتولّي (هيئة تحرير الشام) ذات الخلفية الجهادية، السلطة بموجب توافقات دولية وإقليمية، ورغم قرار الإدارة العسكرية لسلطة (الأمر الواقع) الجديدة حلّ أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، ورغم احتلال الكيان الصهيوني لأراض جديدة في الجنوب السوري بعد انهيار النظام السابق، والقلق العام الذي سبّبه هذا العدوان الصهيوني، ورغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة الناجمة عن عدم جدية (سلطة الأمر الواقع) بوضع الخطوات الملموسة لإنهاض الاقتصاد الوطني، ورغم الأزمة المعيشية المأساوية التي تطحن ملايين السوريين.. رغم ذلك كلّه، يحتفل الشيوعيون السوريون وأصدقاؤهم، وجميع القوى الوطنية في البلاد بذكرى تأسيس أحد أقدم الأحزاب السورية: الحزب الشيوعي السوري.

إن حلم العيش في مجتمع خالٍ من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان دفع المؤسسين الأوائل إلى تأسيس الحزب في 28 تشرين الأول عام 1924 ليكون أداة لتحقيق هذا الحلم، وقرأ الناس على جدران ساحة الشهداء في بيروت نداء في عام 1925، يتضمن دعوة غريبة، كان نداء الحزب إلى جميع العمال والفلاحين.. جاء فيه: (نطلب من جميع العمال والفلاحين في هذه البلاد الشقية أن يتركوا أعمالهم في يوم أول أيار، ويبرهنوا للمتمولين والإقطاعيين أنهم طبقة لها الحق في حياة حرة)

(الحياة الحرة) الحرة من الاستغلال والفقر والجهل، الحرة من كل مظاهر التخلف التي كرّستها أربعة قرون من ظلم العثمانيين، الحرة من الاستعمار الأجنبي. فالمجد والخلود لذكرى فؤاد الشمالي، ويوسف يزبك، وفريد طعمة، وإلياس قشمعي، وهيكازو بوياجيان، وآرتين مادويان، وبطرس حشمي، وناصر حدّة، وفوزي الشلق، وخالد بكداش، وفرج الله الحلو، ونقولا الشاوي، ورشاد عيسى، وفوزي الزعيم، وغيرهم ممن ساهموا في التأسيس والبدايات.

اقترن النضال الوطني للحزب، والمتمثل بمقاومة الاستعمار الفرنسي من أجل الاستقلال التام، بنضاله ضد الإقطاع والاستغلال الطبقي.. وساهم في تأسيس النقابات العمالية، ودافع وما يزال عن مصالح الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة وحقوق المرأة السورية،

وبعد جلاء الاستعمار الفرنسي، ساهم الحزب في الحياة السياسية السورية، تارة بصورة علنية وأخرى بشكل سري أيام الدكتاتوريات العسكرية، وكان لأعضاء حزبنا شرف دخول المعتقلات دفاعاً عن حرية المواطن وحقوقه الدستورية والاجتماعية.

في عام 1954 انفتحت أمام سورية أفاق جديدة مع انتهاء الحكم الديكتاتوري، وعاد حزبنا إلى العمل السياسي العلني، وشارك في الانتخابات النيابية ممثلاً للطبقة العاملة وجماهير الفلاحين والمثقفين، متحالفاً مع أحزاب وشخصيات وطنية رفعت شعارات العدالة الاجتماعية والتطوير الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، واستطاع إيصال أمينه العام الرفيق خالد بكداش إلى عضوية المجلس النيابي كأول شيوعي يدخل برلماناً في الوطن العربي. وناضل الحزب في هذه الفترة ضد المشاريع الاستعمارية الرامية إلى إلحاق سورية بمعاهدات مشبوهة كالهلال الخصيب، وفضح الهدف من مبدأ أيزنهاور (ملء الفراغ)، وتحجيم دور سورية كدولة وطنية، والتهويل من الخطر الشيوعي. ودعا الحزب الشيوعيين السوريين إلى التصويت بنعم للوحدة السورية المصرية، رغم تحفظاته على بعض الأسس التي قامت عليها، ورفض حل الحزب، وأصدر بعد ذلك البنود الثلاثة عشر التي تضمن نجاح الوحدة، لكنه تعرّضّ لحملةٍ شرسة من الاعتقالات والملاحقات طالت قيادات الحزب وكوادره الرئيسية، وكان أخطرها وأشدها قسوة وألماً تصفية شهيد الحزب وأحد أبرز قيادييه الرفيق فرج الله الحلو تحت التعذيب.

في عام ١٩٧٢ دخل حزبنا ضمن تحالف الجبهة الوطنية التقدمية كحزب مستقل، وعمل من خلال وجوده في الجبهة على تبني مطالب جماهير الشعب السوري، وخاصة الطبقة العاملة، والكتلة الشعبية الكبرى في الدفاع عن الوطن، وتطوير وتحسين الاوضاع الاقتصادية، وحل الأزمات المعيشية.

وساهم حزبنا بصورة فعالة في حرب تشرين عام 1973، التي خاضتها سورية لاستعادة الأراضي المحتلة، ودعماً لنضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة في العودة وتقرير المصير وإنشاء دولته المستقلة، فتطوع الشيوعيون في الجيش الشعبي، وشاركت رفيقاتنا في منظومات الإسعاف والتمريض في المشافي، وكان لحزبنا شرف استشهاد 84 رفيقاً في هذه الحرب. ورغم تأييد حزبنا للسياسة الوطنية للبلاد ٱنذاك، والتي كان أبرز مظاهرها العداء للإمبريالية والصهيونية والرجعية، فقد وقف في الشأن الاقتصادي والاجتماعي ضد الإجراءات التي شجعت نمو الرأسمال الريعي والفساد والبذخ وتحجيم القطاع العام، وطالب بتنفيذ الخطط الخمسية التنموية، ورفع شعار استثمار النفط وطنياً.

في بداية القرن الجديد، ومع بروز دعوات (الإصلاح) السياسي والاقتصادي، رأى حزبنا أهمية الانفتاح أكثر فأكثر على الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، وتوسيع الحريات الديمقراطية، ووقف تسلط الأجهزة الأمنية على حقوق المواطنين الدستورية، وقدّم برنامجاً ديمقراطياً واجتماعياً متكاملاً.. وأمام دعوات (الإصلاح) الاقتصادي التي كانت ستاراً لرؤية نيوليبرالية تسعى إلى أخذ الاقتصاد السوري باتجاه اقتصاد السوق الحر من جميع القيود الاقتصادية والاجتماعية، وقف حزبنا في مواجهة هذه الرؤية، والإجراءات الاقتصادية التي عبّرت عن مضمونها، وأكد أهمية التركيز على قطاع الدولة الصناعي والخدمي، وتشجيع القطاعات الاقتصادية المنتجة لا المشاريع الريعية والعقارية المخصصة للنخب الثرية التي برزت كالفطر في هذه الفترة، وطالب بوقف تحرير التجارة الخارجية دعماً للإنتاج الوطني، وحماية القطاعات الاقتصادية حتى يتسنى لها المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية. وبعد عام 2005، وعند تبني اقتصاد السوق الاجتماعي قولاً، واقتصاد السوق الحر فعلاً، طالب حزبنا بمراجعة سياسية واقتصادية واجتماعية تتضمن فصل السلطات، وتعديل الدستور، وإلغاء حالة الطوارئ، وإصدار قانون الأحزاب والإعلام، وإطلاق سراح معتقلي الرأي، ومراجعة النهج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وخاصة بعد اشتداد معاناة الجماهير الشعبية بسبب السياسات الاقتصادية الريعية.

عند اندلاع الأزمة في البلاد، طالبنا بإصلاح سياسي واقتصادي، فالصيغة السياسية المتمثلة بسيطرة حزب واحد لم تعد مقبولة، وبعد ما حلت تنظيماتٌ مسلحة محلَّ المسيرات السلمية التي رفعت بداية شعارات سياسية واجتماعية مشروعة، وزاد استغلال الخارج وعملائه في الداخل لما يجري في البلاد، طالبنا بحل سلمي، وقلنا بأن هذه الأزمة لن تحل عسكرياً، بل ستتفاقم تداعياتها. وتزامنت دعوتنا إلى حل الأزمة سلمياً مع الدعوة إلى حوار شامل مع جميع القوى السياسية والدينية والاجتماعية الوطنية في الداخل والخارج، وإطلاق سراح معتقلي الرأي ومقاومة الإرهاب الذي استشرى وتشظى إقليمياً وفق الخطط التي وضعتها الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها.

خلال نضال الحزب الطويل عبر منعطفات كبرى كانت في كثير من الأحيان تمارس تأثيرها على حاضر البلاد ومستقبلها، اصاب الحزب.. وأخطأ، لكنه لم يضيع البوصلة، وكانت مؤتمراته مناسبة لتصويب سياسات الحزب ومواقفه، وإعادة رسم توجهاته المستقبلية.

لقد مر على تسلم (سلطة الأمر الواقع) مقاليد السلطة في البلاد قرابة عامين، ولا توجد أي مؤشرات جدية تدلل على سعيها لتحقيق السيادة وتحرير الأرض المحتلة، واستعادة السلم الأهلي، وتخليص السوريين من معاناتهم المعيشية، ووضع الخطط لإعادة الإعمار، ووضع دستور ديمقراطي يلبي خيارات السوريين السياسية والديمقراطية، ويعيد للأحزاب السياسية السورية والنقابات العمالية والمهنية دورها في تمثيل مصالح الشعب، عبر النضال السلمي.

لذلك فإننا نعقد الآمال على وعي الشعب السوري، وتوحيد جهود جميع القوى السياسية الوطنية، وجماهير الشباب والنساء، وجميع الطامحين إلى سورية المستقبل، سورية الديمقراطية.. المدنية، التي تضمن المواطنة المتساوية لجميع أطيافهم، دون النظر إلى الجنس والدين والطائفة والإثنية والمعتقد، والنضال معاً لتحقيق هذا الاستحقاق الوطني.

إن جوهر سياسة حزبنا الشيوعي السوري الموحد في المرحلة الحالية هو التمسك بالثوابت الوطنية المتمثلة في:

أولاً- مقاومة المخطط الأمريكي- الصهيوني الهادف إلى الهيمنة على المنطقة العربية بأسرها عبر تفتيتها، ومواجهة العدوان العسكري على سورية واحتلال مناطق في الجنوب السوري، وذلك بعد حرب الإبادة التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وبقية المناطق الفلسطينية والجنوب اللبناني، والاستمرار في مساندة ودعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وتأسيس دولته المستقلة على التراب الفلسطيني.

ثانياً- العمل على تحرير الأراضي السورية المحتلة من قبل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة وتركيا، وفي مقدمتها الجولان السوري، وعدم التفريط بشبر واحد من الأرض السورية، وإخلاء جميع القواعد العسكرية الأجنبية، وتشكيل جيش وطني يضم جميع فئات ومكونات الشعب السوري فقط.

ثالثاً- وحدة سورية أرضاً وشعباً، ومنع تقسيمها تحت أي مسمى، والوقوف بوجه دعوات التقسيم والانفصال، مع ضرورة الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية لجميع أطياف الشعب السوري، والعمل بإخلاص لتنفيذ الاتفاق مع (قسد) ومتابعة تنفيذ المرسوم (١٣) وتعديل قانون الإدارة المحلية باتجاه اللامركزية عن طريق منح صلاحيات أوسع لمجالس المحافظات والمدن والبلدات، واحتفاظ الإدارة المركزية بالصلاحيات السيادية فقط.

رابعاً- السعي الجدي لتوحيد جهود جميع القوى السياسية الوطنية، ضمن تحالفات تناضل من أجل السيادة وتحرير الأرض المحتلة، ووضع دستور ديمقراطي، وتحقيق التنمية، والمضي قدماً في تنفيذ التعهد الذي قطعناه نحن في الحزب الشيوعي السوري الموحد، بالعمل الجدي المخلص لتوحيد جميع الأحزاب والفصائل الشيوعية والماركسية، وسنتابع بإخلاص لقاءات الاحزاب والفصائل الماركسية والشيوعية، وما تم إنجازه حتى الآن.

خامساً- مشاركة المواطنين السوريين في رسم مستقبل بلادهم عبر حوار وطني واسع- لا حوار بلون واحد- يضم جميع الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية والإثنية وهيئات المجتمع المدني، للتوافق على بناء سورية الجديدة، الديمقراطية المدنية الخالية من التفرد والظلم والفساد.

سادساً- الدعوة إلى مؤتمر وطني اقتصادي، يضم خبراء الاقتصاد السوري، لوضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لإنهاض الاقتصاد السوري، ووقف تخصيص قطاع الدولة الصناعي، ووضع خطط إعادة إعمار البلاد، وذلك وفق خطة حكومية مركزية، يساهم في وضعها القطاع الخاص المنتج، لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة والمستدامة.

إننا في الحزب الشيوعي السوري الموحد نعد الاستحقاق الأبرز في الظرف الراهن هو استعادة السلم الأهلي، وإجراء المصالحة الوطنية الشاملة، ولجم التطرف الديني والطائفي والإثني والمناطقي، الذي أدى إلى مجازر الساحل والسويداء وتفجير كنيسة الطبالة، ونبذ سياسة التخوين والتكفير والاتهام والتهميش والإقصاء، ومحاولات بعض القوى المتطرفة فرض سلوك، وأسلوب حياة على السوريين، واستدعاء (الفزعات) والعمل على استعادة الأمن في المدن والمناطق السورية، التي مازالت تعاني عمليات القتل والاعتقال والخطف والسرقة وفرض الإرادات بالقوة التي تحدث يومياً في جميع المناطق السورية، فسورية لجميع السوريين، وهذا ما ينبغي أن تعترف به سلطة (الأمر الواقع)، وأن وحدة السوريين، هي حجر الأساس في بناء سورية الجديدة.

وبمناسبة احتفالنا بالذكرى الـ 102 لتأسيس الحزب، نجدد نحن في الحزب الشيوعي السوري الموحد العهد لوطننا، ولشعبنا، بأننا سنناضل إلى جانب جميع الشرفاء في سورية من أجل وطن حر وشعب سعيد.

عاشت الذكرى الـ102 لتأسيس الحزب الشيوعي السوري!

المجد والخلود لشهداء الحزب والوطن!

 

المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري الموحد

العدد 1221 - 28/10/2026