قبل ٦٧ عاماً، في ٢٥ حزيران عام ١٩٥٩، استشهد المناضل الشيوعي القائد الإنساني الرفيق فرج الله الحلو.

استشهاد القائد الشيوعي فرج الله الحلو، في أقبية المخابرات السورية، كان المثال الصارخ على الديكتاتورية والقمع والاستبداد ومصادرة حرية التعبير والتنكيل بسجناء الرأي وتعذيبهم حتى الموت، ويتذكر الشاعر المصري نجيب سرور في قصيدته (حبّات البذار)، على لسان فرج الله الحلو، التي سمّت الجلادين الذين عذّبوه بأنهم الغستابو نفسه الذي ارتكب أفظع الجرائم بحق المناضلين والشعوب وبحق الإنسانية جمعاء.

فبعد انتشار خبر الجريمة، انتشرت قصيدة مؤثرة للشاعر المصري نجيب سرور، الذي ناضل ضد الاستبداد والديكتاتورية إبان الوحدة السورية المصرية، قصيدة تحمل عنوان (فرج الله والغستابو):

(القرن يقال العشرون

والعام التاسع والخمسون

لكن لا أذكر ما الشهر..

لا أذكر حتى ما اليوم،

والساعة لا أعرف كم

فهنا.. في جوف الزنزانة،

خلف الشمس.. يجري توقيت الغستابو

سألوني من زمن: ما اسمُك؟

تيلمان أو شهدي أو فوتشيك أو قولوا الحلو..

ما شئتم قولوا أيَّ اسم

عسّافٌ اسمي عسّاف

جنّ الغستابو وانفجرت

في وجهي آبار الدم،

فبصقت دماً ملء الفم

في وجه الغستابو الجَهْم

وأنا أضحك.. ركله!

زعقوا: ما اسمك؟

إنسان.. أيّ إنسان؟

ابن العمّال..

من رأسي حتى قدمي..

من أغور أغوار القلب

جنديٌّ في جيش الشعب..

قربانٌ من أجل الحزب..

في مصر أنا في سوريّة في لبنان..

في العالم في كلّ مكان..

أنا وطني كل القارات..

أمشي في زحف العمال..

عسّافٌ اسمي عسّاف..

وأعاد الغستابو الكرّه..

لا أدري في هذي المرّة..

من أين الآبار الثرّة..

في جسمي كانت تتدفق

حاولت كثيراً أن أبصق..

جاهدت.. ولكن لم أبصق..

وتدور الأرض..

والسقف الصخري يدور..

وتدور الجدران تدور..

ويلفّ الأشياء ضباب..

وتغيب وجوه الغستابو..

وأغيب أنا).

هذه القصيدة للشاعر نجيب سرور، الشيوعي المصري الذي ذاق لوعة العذاب في السجون المصرية، أُعيدَ نشرها عدّة مرّات بمناسبة استشهاد الرفيق فرج الله الحلو تحت التعذيب الوحشي بأيدي أجهزة أمن عبد الحميد السراج في دمشق، في الخامس والعشرين من حزيران ١٩٥٩ بتهمة قيادة تنظيم سياسي محظور.

هذه القصيدة تركت أثراً كبيراً في نفوس الوطنيين والمناضلين الماركسيين اللينينيين في كل من مصر وسورية ولبنان.

نجيب سرور يذكر في قصيدته، على لسان فرج الله الحلو، المناضل والأديب التشيكي يوليوس فوتشيك صاحب الرواية الشهيرة (تحت أعواد المشانق) الذي مات أيضاً تحت التعذيب الوحشي بأيدي الشرطة النازية (الغستابو) رافضاً الاعتراف أمامهم بأسماء رفاقه أعضاء خلايا المقاومة الوطنية، وأرنيست تيلمان، المناضل الألماني الذي استشهد أيضا في سجون النازي هتلر عام ١٩٤١. ذلك الغستابو الذي عذّب فرج الله الحلو نفسه، وارتكب أفظع الجرائم بحق المناضلين والشعوب الأوربية والسوفيتية والإنسانية جمعاء.

وتكمل القصيدة:

القرن يقال العشرون والعام التاسع والخمسون..

وحدي أنتظر الغستابو

وحدي.. وحدي؟!

ومئاتٌ من حولي ومئات من قبلي ومئات من بعدي

وألوف ألوف العمال في الخارج لا بل في قلبي

ورفاقي كلّ الشرفاء في وطني يحضنهم شعبي

أأنا وحدي؟

كنت أسير وسط دمشق والساعة منتصف الليل

والبرد رصاصٌ مسموم

والريح تنوح كما بوم..

والشارع خالٍ من نسمة

ودمشق تلفحها الظلمة

والليل ضرير.. لم تبسم حتى نجمة

ويجيء نباح الغستابو:

(يحيا القائد.. هايل الرائد!)

أذكر أذكر يذكر مثلي فوتشيك..

يذكر تيلمان:

(يحيا الفوهرر.. هايل هتلر!)

أذكر أذكر

(يحيا الحسني والحنّاوي والشيشكلي!)

أضحك.. أضحك..

يضحك كل العالم

تضحك كلّ دمشق

يضحك كلّ الشرق

أين الفوهرر؟ صرت أفكّر..

من مات ومن سيموت أو يحيا من أجل الشعب..

البرد رصاصٌ مسموم..

والريح تنوح كما بوم

والشارع خالٍ من نسمة

ودمشق تلفحها الظلمة

والنجمة تهمس للنجمة

هجمة.. هجمة

فرّي قد هجم الغستابو

ضربوا.. ضربوا..

آهٍ.. لكأنّي أركب أرجوحة

تعلو تهبط.. تعلو تهبط

غابت عني الرؤيا

أسقط.. أسقط

مات بالأمس فرج..

أيّها العمّال في كلّ مكان

منذ أن كانوا وكنا

منذ كان العبد يعمل ثم لا يأكل..

والسيد يأكل

منذ كان القنّ يعمل ثم لا يأكل..

والمالك يأكل

منذ صارت قوة العامل سلعة

تضمن الربح لرب الرأسمال..

قد أرادوها إبادة

حسناً.. فليأخذوها لا هوادة

أيّها العمال في كلّ مكان

أيّها العمال كونوا يقظين

صوت:

مات من قبلي وقبلك

مات من أجلي وأجلك

مات من أجل الملايين التي حولي وحولك

مات.. مات فرج الله

صوت:

لا تقل مات فرج

هو في قلبي وقلبك

هو في كل الملايين التي

حولي وحولك

في المصانع.. والمزارع..

والشوارع

في الملايين التي تزحف وتزحف قُدماً لا تتوقف..

هي كالأمواج صفٌّ بعد صف،

كلّما ماتت على الصخرة موجة..

عاجلتها ألف موجة..

هكذا البحر عنيد..

أينما كان غنيٌّ بالرصيد..

بألوفٍ كفرج

لا تقل مات فرج

صوت:

قالها فوتشيك قبلك:

(نحن حبّات البذار،

نحن لا ننمو جميعاً عندما يأتي الربيع..

بعضنا يهلك من هول الصقيع..

وتدوس البعض منا الأحذية..

ويموت البعض منا في ظلام الأقبية..

غير أنّا كلّنا لسنا نموت

نحن حبّات البذار..

نحن يا هتلر.. يا فرعون نعلم أن أطلال القبور..

يتغطّى ذات يوم بالسنابل

وسينسى الناس أحزان القرون..

وسينسون السلاسل والمقاصل والمنافي والسجون

وسنكسو الأرض يوماً بالزهور..

وستأسو الفرحة الكبرى جراحاً في الصدور

عندما يأتي الربيع

نحن إن نحيا فمن أجل الربيع..

حكمة التاريخ أن يغتال هتلر..

ألف حبّة.. ألف فرج..

ألف فوتشيك..

ألف تيلمان وأكثر..

قبل أن يسقط هتلر

غير أن الزرع يوماً سيقول:

باسم حبّات البذار..

باسم كل الشهداء..

يضحك التاريخ من هتلر..

ويضحك ثم يصمت..

عاش للشعب فرج..

مات للشعب فرج..

مات فليحيا فرج..

لا تقل مات فرج!).

 

مات يسوع حصرايل..

فادي دمشق وبيروت وعشاق الحرية ورفاق الطريق.. مات على خشبة صليب إسبارطي حملت جسده الطري الطاهر اتّحد بتشكيلها أرز لبنان بسنديان سورية وسقتها دموع مصر.

وخطّ العمال عليها بدم الشهيد (نحن حبّات البذار)!

مات من أجل الملايين من حولنا.. من أجل الربيع المنتظر.. من أجل السنابل والزهور وسعادة الأطفال وعزّ الأوطان.

القصيدة تلك شمعة لا يأفل نورها، أضاءها الشاعر المناضل نجيب سرور وحملها في دمشق وبيروت وموسكو وبودابست والقاهرة.. وسيحملها معه كلُّ مناضلي الأرض على مدى الأيام والأشهر والقرون ليقولوا جيلا بعد جيل:

نحن حبّات البذار!

العدد 1221 - 28/10/2026