فليجرّبوا قيادة إسرائيل!
د. نهلة الخطيب:
المنطقة حبلى بالمفاجآت والأحداث، فلا تمرّ دقيقة إلا بحدث جديد، ففي الحلبة شخصان: ترامب ونتنياهو، يعبثان بها ويثيران الخوف والقلق على أمن المنطقة ومضائقها وممراتها، والمتضرر أمن العالم الذي يستحق الأفضل، فلم يعد هناك مكان آمن في العالم، مازلنا في فلك إسرائيل الكبرى وتغيير الخرائط تحدثت عنه إسرائيل مراراً، ولم يكن حديثاً عبثياً وإن كان الطريق إليها شاقّاً. وتدور السياسة الأمريكية في إطارها تحت عنوان إعادة هيكلة وتطوير نسخة سايكس بيكو عام 1916، نبوءات دينية يؤمن بها ترامب وإدارته المكونة من الأنجليكيين المتشددين لتوسيع إسرائيل لتأخذ مداها التوراتي وإقامة إسرائيل الكبرى. مسار الحرب يسير بدقة فائقة مع تلك النبوءات وما يحاك مروع جداً وعلى حافة الانفجار، إشعال حرب سنية شيعية لتحويلها إلى دويلات ومكونات طائفية مفتتة ومتناحرة تسمح لهم بنهب النفط والغاز والثروات العربية لصالح توسع الكيان، فنحن على مفترقات خطيرة أدت إلى وضع لم تكن إسرائيل تحلم بما هو أفضل منه، العرب يتقهقرون وإسرائيل تتقدم نحو إسرائيل الكبرى وهل ثمة مشهد أشد هولاً من الصراع العربي-العربي، فليجرّبوا قيادة إسرائيل!
لطالما ارتبط مصيرنا بالانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، ولكن لا يمكن للمنطقة أن تبقى كما هي، التردد الأمريكي والحماس الإسرائيلي جعل الأمور غامضة بعض الشيء، نتنياهو يريد التفجير لأنه ليس لديه ما يخسره وترامب غير واثق من نتيجة الجولة القادمة وما يزال يبحث عن مشهدية الانتصار ويتحدث عن تفاهمات، وهذا يعود إلى حاجة ترامب إلى ضبط الأسواق بعد أن تجاوز سعر البرميل 115 دولاراً وتبرير الخيار العسكري لحسم الحرب مع اقتراب الانتخابات النصفية، فالحرب في مرحلة العد العكسي للعودة لتصحيح هذا الفشل، وإسرائيل لا يمكن أن تنفرد باتخاذ قرارات استراتيجية دون الرجوع لأمريكا، فالإسرائيليون لا يقاتلون إلا عبر الأمريكيين، فلولا أمريكا ما كان بالإمكان أن توجد إسرائيل.
ما يحدث يصب في لحظة الانتخابات الإسرائيلية، إسرائيل على أبواب حرب انتخابية ستبدأ بإقالة نتنياهو ومقاضاته مع كبار المسؤولين في حكومته بسبب فشلهم في تحقيق أهداف الحرب وتضليل الرأي العام وعدم الاستقرار الداخلي الذي أدى إلى هجرة عكسية لما يقارب مليوناً ونصف مليون إسرائيلي مزدوجي الجنسية بلا عودة بسبب حرب نتنياهو، لذلك يسعى نتنياهو بمأزقه الانتخابي للتصعيد على كل الجبهات، وإعلان الحرب وتوجيه ضربة عسكرية لإيران لزيادة فرصه بالانتخابات أو تأجيلها بما يضمن بقاءه في السلطة، واستكمال مشهدية الأرض المحروقة بأسلحة أمريكية تحسباً لانفجار الجبهة الإقليمية الكبرى التي قد تخلط الأوراق وتعيد توزيع قدراته الدفاعية المستنزفة أساساً، دون تقديم رؤية أو أفق سياسي للخروج من الحروب، فالناخب الإسرائيلي يعيش وهم القوة وينتخب من يقود الحرب التالية، إنّه مجتمع بمنتهى التطرف.
حكايتنا مع نتنياهو ليست جديدة، وما يريده أن يحدث قبل الانتخابات كي يفوز فيها، فيعدنا (بعملية غير مسبوقة منذ 1967 ويعد السلطة الفلسطينية بمفاجأة) بعد عملية الخليل واستيطان في الضفة الغربية، وهي بيت القصيد أليست هي (يهودا والسامرا)!! ومزيداً من الاستهانة بالفلسطينيين وإنكار حقوقهم، عمليات عسكرية إسرائيلية وآلاف قطعان المستوطنين يحاصرون 40 قرية في الخليل وجنين وطول كرم ورام الله وإخلاء المنازل وتدميرها وتهجير سكانها متزامن مع طرح قناة الجزيرة لخرائط الخليل!! الدفع للإخلاء والتهجير بالقوة بنكبة أخرى مشابه لنكبة 67 مع تكريس فصل غزة وإبقائها تحت السيطرة، غزة بدمارها الكبير التي أنهكتها الحرب مع مرارة النزوح والجوع، أحداث 67 ستعود الآن ونمهد الأردن كوطن بديل بزعزعة الأمن الداخلي وإشعال الفتنة الطائفية: (عملية الكرك)، فكيف يكون الربط بين العمليتين؟ وهل يمكن أن تتزامن الأحداث صدفة؟! في السياسة لا شيء يحدث صدفة، وما يحدث في فلسطين ضفتي البحر الميت لا يمكن فصله عما يحدث في البحر الأبيض المتوسط ورسم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا وتقسيم المياه وثرواتها ونشوب الخلاف بين تركيا ومصر وما له من تهديد على الأمن القومي المصري أثار حفيظة إسرائيل واليونان، وما يحدث في البحر الأحمر بين اليمن والسعودية والسيطرة على باب المندب وضرب المطارات خطوط الأنابيب السعودية فضلاً عن الجنوب السوري وانتهاك السيادة، فمن حق إسرائيل أن تحصل على المنطقة من النيل إلى الفرات هذه منحة الهية غير قابلة للمناقشة بالنسبة للصهيونية الدينية والمسيحية، هذا تصريح سفير أمريكا في إسرائيل مايك هاكابي، فالحق الديني تحول إلى مشروع سياسي على دول ذات سيادة الأردن وسورية ولبنان ومصر والعراق والسعودية والحلم التوراتي لا يمكن أن يتحقق إلا بزعزعة أمن المنطقة واحتلال أراضيها وقتل شعوبها ناسفاً ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي واحترام السيادة مما يقوض السلم والأمن الدوليين.
لا يمكن فصل الملفات والأحداث عما يجري الآن في الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، نتنياهو بمهمة تاريخية يدير معركة وجودية مع تقاطع الخطابين، فنحن أمام أخطر مرحلة نواجهها مع تزايد الحشود الأمريكية بحجة إيران، فالحروب أصبحت مخرجاً لكل مأزق ونحن من يدفع الثمن!! إخضاع إيران يعني إخضاع الشرق الأوسط الهدف ليس إيران وحدها بل إعادة ميزان القوة بالعالم، وإيران ترى نفسها نداً لأمريكا وأقوى من إسرائيل وهذه مقدمات العاصفة، بسيناريو شديد التشاؤم ينتظر المنطقة يبقى العرب في سبات والفلسطينيون عراة وحدهم بمواجهة إسرائيل الراغبة في حسم الصراع بالقوة والتدمير والقتل ومجازر غير مسبوقة تجاوزت كل أخلاق وقوانين الحروب، من فلسطين بدأ الصراع ومنها سينتهي يبقى الرهان على قدرة الشعب على التجديد والنهوض فمن غير المرجح الاستسلام، ماذا سيفعل نتنياهو الذي توعد بتغيير الشرق الأوسط ربما يتوعد بإزالة الشرق الأوسط وربما بإزالة العالم!