كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب في تظاهرة الذكرى الـ102 لتأسيس الحزب “ساحة رياض الصلح، 25–10–2026”
الرفيقات والرفاق والأخوة المشاركون في التظاهرة،
نحيّي اليوم معًا الذكرى الثانية بعد المئة لتأسيس حزبنا الشيوعي اللبناني, في الشارع.
نعم، في الشارع، رغم كل الظروف وكل ما فيها من صعوبات وتحدّيات. ذلك هو تاريخ حزبنا منذ تأسيسه وحتى تاريخه: حزبًا مقـ.ـاومًا للاحتـ.ـلال والاستغلال، لم تُرهبه يومًا أساليبُ القمع والخـطف والاغتـيالات والملاحقات والاعتـقالات، ولم يتراجع أمامها ولم ييأس، فكان الحاضر دومًا في الملمّات وفي كل المراحل، فاستمرّ ودخل مئويته الثانية، ضرورةً وطنية وحاجةً موضوعية، للبنان وطنا حر ،وشعبا سعيد..
والفضل كلّ الفضل لصنّاع هذا التاريخ المجيد المعطّر بدماء شهـ.ـداء وجـرحى وأسـرى مئويته الأولى. هو وعدٌ نقطعه لهم اليوم بالاستمرار في النضال على خطاهم من أجل التحرر الوطني والاجتماعي لشعبنا..
على تاريخ حزبكم المشرّف وتضحياتكم اللامحدودة، أيتها الرفيقات والرفاق، على عذابات فقدان الأحبة، ومعاناة النزوح والتهجير، وحنين العودة، تتظاهرون اليوم من أجل الجنـوب، من أجل النبطية ولبنان كلّ لبنان، من أجل غـ.ـزة والضـ.ـفة وفلسـ.ـطين كلّ فلسـ.ـطين، ولشعوب المنطقة بأكملها التي تتهدّدها، عشية الانتخابات الإسـ.ـرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، مخاطرُ جولةٍ جديدة من العـدوان الأميركي–الصهـ.ـيوني.
ويأتي تشرين هذا العام ولبنان يعاني أزماته المتعدّدة، ما يجعل الانهيار شاملًا ويزداد انحدارًا، من دون أن تقدّم الحكومات المتعاقبة الحلول الناجعة لأزماته،
طبقة سياسية تغطّي فشلها بخطاب طائفي مذهبي لتقسيم اللبنانيين ومنعهم من تحقيق وحدتهم الوطنية ضدّ الاحتـ.ـلال الصهـ.ـيوني، وضدّ نظامهم الطائفي المولِّد للأزمات والحـروب، والمهدِّد لوجود لبنان ومصيره.
حكومات متعاقبة تُمعن في سياسات التقشف المعتمدة في موازناتها، فتزيد في تفاقم الأزمات وتضاعف آثارها المدمّرة على الاقتصاد والطبقات العاملة والوسطى، وصغار المودعين والموظفين والمتقاعدين في القطاعين العام والخاص، وعلى أكثر من مليون لبناني نازح ومهجّر لا يزال الجزء الأكبر منهم يعاني انقطاع سبل العيش والتعلّم والصحة وفرص العمل.
فمن هذا الوجع المثخن بالجراح، ومن هذه المعاناة، ومن أجل الكرامة والحقوق، جئنا ندقّ ناقوس الخطر ونتوجّه إلى اللبنانيين كلّ اللبنانيين ونقول لهم:
لا أمل ولا خلاص من هذه الطبقة السياسية التي تراهنون عليها وتنتخبونها. فهي ماضية في التهرّب من تحمّل المسؤولية عمّا أوصلت إليه لبنان من خراب،
ماضية في نهج تضليلكم وإحباطكم وتغريبكم عن واقعكم المأساوي وعن مشاكلكم المعيشية التي تعيشونها.
تدّعي الدفاعَ عن حقوقكم، فيما أنتم تزدادون فقرًا وبطالةً وهجرةً وتهجيرًا، وهم يعيشون في النعيم بما نهبوه من أموالكم وممتلكاتكم الخاصة والعامة.
تقدّمون الدماء الغالية دفاعًا عن وطنكم، وتدفعون من اللحم الحيِّ الضرائب والرسوم، ولا تنالون شيئًا بالمقابل؛ فما أنتم فاعلون بأنفسكم؟
هي لا تزال على نهجها وخطابها وممارساتها بذات المفاهيم والسياسات والطرق والأساليب، وكأنّ شيئًا لم يحصل.
فشلها معمَّم: لم يكن هناك احتـ.ـلال، فأصبح هناك احتـ.ـلال يتوسّع ويقتل ويهدّد ويدمّر ويجرف، ولا من رادع يوقفه. ومفاوضات تحت النار وضعت لبنان تحت وصاية أميركية، ولم تحقق له شيئًا حتى الآن رغم كل التنازلات.
رفضنا اتفاق الإطار لما فيه من تنازلات مخزية، ولأنّ الاستمرار به سيأخذنا إلى ما سبقتنا إليه أنظمة التطـبيع، كما في اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو وسواها من اتفاقيات إبراهيمية. استفيدوا من دروس ما حصل لدولها وسائر دول المنطقة التي يقسّمها المشروع الأميركي–الصهـ.ـيوني، وبأدوات رجعية عربية أيضًا، من أجل السيطرة على أراضيها وثرواتها وممراتها النفطية والغازية والمائية.
مشكلتنا تكمن الآن، بعد هذا الانسداد السياسي، في عدم اتخاذ القرار المطلوب بالإقدام على تفاهمات لبنانية–لبنانية يشارك فيها الجميع، من أجل إنقاذ لبنان بمشروع سياسي وطني يشمل، ليس فقط الاتفاق حول حصرية امتلاك الدولة للسـلاح في إطار خطة وطنية للدفاع عن لبنان وتحـريره، بل أيضًا ملفات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ووضع خارطة طريق لتطبيق البنود الإصلاحية في اتفاق الطائف، وفي مقدمها إقرار القوانين الانتخابية على النسبية وخارج القيد الطائفي؛ ما يشكّل كلّ ذلك أكبر ضمانة للبنان في تعزيز وحدته الوطنية وحماية سلمه الأهلي، بعيدًا كلّ البعد عن الضمانات الأميركية المزعومة والمنحازة للعـ.ـدو الإسـرائيلي.
تتظاهرون اليوم، أيتها الرفيقات والرفاق، من أجل تثبيت الحقّ بالتظاهر، بوجه القوى الطائفية والمذهبية كافة، التي تضع الشارع بوجه الشارع لتبيع وتشتري وفق مصالحها، وتمنع اللبنانيين من إنقاذ وطنهم والدفاع عن حقوقهم. فتحية اليكم ايتها الرفيقات والرفاق وانتم في تظاهرتكم اليوم تستردون الشارع صوتا صارخا لكم وللحقوق التي تعلو ولا يعلى عليها..
لدولة المواطنة والعلمانية والعدالة الاجتماعية القادرة على تسـليح جيشها، وإعادة خدمة العلم، وحماية سيادتها على أراضيها ضدّ أيّ عـدوان.
لتأكيد حقّ الشعب اللبناني في مقـ.ـاومة الاحتـ.ـلال؛ مقـ.ـاومة وطنية وشعبية، فحيث يوجد احتـ.ـلال هناك مقـ.ـاومة.
لوقف العـدوان الصهـ.ـيوني وفرض الانسحاب حتى خط الهدنة، من دون قيد أو شرط.
لعودة النازحين والمهجّرين والأسـ.ـرى معزَّزين مكرَّمين، وتأمين ما يحتاجون إليه من مستلزمات.
لتحرير شعبنا من طائفية دولته الفاشلة وسلطاته المرتهنة، ومنعها من إعادة إنتاج نظامها.
للتوقف عن فرض الضرائب على الفقراء، وعن شراء الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء والنقل والأمن مرتين وثلاثًا.
لتصحيحٍ دوريٍّ لأجور العمال والأجراء في القطاع الخاص، ولسلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام والمتقاعدين في السلكين المدني والعسـكري.
لاسترجاع الأموال المنهوبة لصغار المودعين والصناديق الضامنة، وجنى عمر أصحاب الودائع الذين أمضوا حياتهم في الشقاء لضمان شيخوخة كريمة.
تظاهرتكم اليوم، أيتها الرفيقات والرفاق، بما رفعته من شعارات ومطالب، هي فعل مقـ.ـاومة شعبية شاملة؛ نابعة من إرادة وطنية جامعة، غير مرتبطة بمصالح وقرارات أنظمة خارجية. عليها ندعو الأغلبية الساحقة من شعبنا إلى الانخراط فيها ودعمها ، فلا تقتصر على طائفة أو منطقة معيّنة من لبنان، بل تكون عابرةٌ للمناطق والطوائف والمذاهب، وموحِّدةٌ للجهود والطاقات في اطار جبهة وطنية عريضة للتـحرير والتغيير وبناء دولة المواطنة والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
عاشت الذكرى الثانية بعد المئة لتأسيس حزبنا الشيوعي اللبناني. والمجد والخلود للشـ.ـهداء الأبرار.