صوت التضحيات الصامتة مع التعب والخسارة..

رنيم سفر:

 

تكبّد مزارع الحمضيات العناء وحصد خيبة تليها أُخرى، على الرغم من تحسُّن الواقع الزراعي سابقاً ودخوله العصر الذهبي في فترة قصيرة قبل الأزمات إلا أنه في كلّ مرة لم تكن جيوب المزارع مليئةً بما يناسب تعبه، فما بالكم اليوم، خصوصاً أنه، في السنوات الأخيرة، أُطلقَ على زراعة الحمضيات (الزراعة المظلومة)، فكيف حال زارعها؟؟

من المعروف أن ساحلنا أرضٌ لزراعة الحمضيات ، ومع كل ذلك فالمزارع يتجرّع الخسارة ومرارة التعب، ومهما كان إنتاجه فإنه يجد نفسه في خسارة مستمرة،  مع كل الأجور المترتبة على عاتقه، من ارتفاع تكاليف الأسمدة، وأجور نقل المحصول إلى السوق، وثمن المبيدات، وعبوات تعبئة المحصول، وأجور العمال وغيرها من أمور قد تكلفه أكثر من خسارة إن أُصيب محصوله بضرر،  فقد بلغ سعر كيس سماد يوريا، اليوم: ٩٠٠ ألف ليرة، وكل دونم  يحتاج إلى كيسين معاً بشكل تقريبي،  ولن ننسى أجور نقل المحصول إلى السوق، كلّ المستلزمات في زيادة، مع زيادة أسعار المحروقات، وثمن المبيدات، وعبوات تعبئة المحصول كل واحدة منها بـ ٤٠٠٠ ليرة، وأجور العمال زادت أيضاً، فكل عامل يتقاضى ٣٠ ألف ليرة يومياً، وبحسبة بسيطة يجد المزارع أن أرباحه فتات، فكيلو الحمضيات الواحد يكلف تقريباً ١٧٠٠ ليرة، ومع ذلك فقد باع أحد المزارعين كيلو الكرمنتينا إلى تاجر سوق الهال بـ ٢٠٠٠ ليرة، أي بربح ٣٠٠ ليرة سورية في الكيلو الواحد، والموسم في بدايته، أي لم يصل بعدُ إلى ذروة الإنتاج، فما بالكم إذا بدأ الكساد؟

سيناريو التسويق والتصدير

إنه السيناريو الشهير  لتسويق الحمضيات كل عام، فحسب التقديرات الأولية لمديريات الزراعة في محافظتي اللاذقية وطرطوس، فإن  إنتاج الحمضيات لهذا العام يصل إلى نحو ٨٢٥ ألف طن كما حددها وزير الزراعة محمد حسان قطنا، أي بزيادة واضحة  مقارنةً بالعام الماضي الذي بلغت تقديراته ٦٥٠ ألف طن ، ومع كل التحديات التي ذكرناها، فالشكوى ذاتها تتكرّر كل عام وسيناريوهات  التسويق تتدنّى وتتراجع، فقد  كشف مزارعون أنه خلال العام الماضي لم تستجر السورية للتجارة سوى نسبة قليلة من المحصول، وعندما  ظنّ المزارع أن تأمين الحكومة بيعاً سليماً وأسعاراً مناسبة للجهود المبذولة قد تكفيه للعيش وسدّ ما تكبده من عناء وتكاليف حصل العكس، لأنه حين استجرت الدولة  النسبة الضئيلة منه اضطر لبيع بقية محصوله بسوق الهال بأسعار  زهيدة، فيما عمد آخرون إلى تركه يتساقط تحت الشجر، في حين وصلت إلينا شكاوى بعض مزارعي الحمضيات الذين وجدوا الحل باقتلاع  أشجار الحمضيات، ليستعيضوا عنها بزراعة الأفوكادو والموز، ودوالي الفرنسي، مكتفين بعدد قليل من الأشجار الكافية لاستهلاكهم المنزلي،  لعدم قدرتهم على تحمل الخسائر. ومع كل ذلك لا حلول منفّذة حتى اليوم وكله حبر على ورق، ربما إن صمتنا قليلاً يصلهم صوت استغاثات مزارعي الحمضيات المبحوحة وصوت استغلال التجار لهم وجبروت المتحكمين بالسوق عبر استجرار الموسم بأسعار زهيدة. فبعد كل العناء ألا يحق لهم الراحة وجني حصاد تعبهم بدلاً من جني الخيبة كل مرة، فسواعدهم قد أُنهكت والأرض شاهدة، فبدلاً من وضع تسهيلات حكومية مناسبة أكثر تغنيهم عن اللجوء للطغاة والمتحكمين،ظ توضع عقبات أخرى أمامهم فلا إجراءات للتسويق و للتصدير بَعد،  نتمنى أن نتدارك الموقف فمازلنا في البداية والحل ممكن إن كانت الوعود حقيقة، واستعضنا عن الكلام بالفعل.

 وعود وزارية للإصلاح

عقدت وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي اجتماعاً حددت خلاله الإجراءات المقترحة لتسويق محصول الحمضيات للموسم الحالي، وفي مجمل القول أكد وزير الزراعة محمد حسان قطنا أن الهدف وضع خطة عمل متكاملة لتسويق المحصول محلياً وخارجياً، وتصنيع جزء منه لحصول المنتجين على أعلى سعر ممكن، إضافة إلى وضع الخطوات التنفيذية لهذا العام وتحديد التوجهات للمسار الجديد، مؤكداً أنه سيكون هناك دعم كبير للشاحنات التي تقوم بتسويق المنتج إلى الدول المجاورة، كما توجد خطة لدى السورية للتجارة لتسويق أكبر كمية ممكنة وآلية للتسويق وأسعار استرشادية تضمن للفلاحين أرباحاً مجزية، وقد صرّح  وزير الإدارة المحلية والبيئة حسين مخلوف أن هناك جملة من الإجراءات التي ستنفذ فيما يتعلق بالمحروقات لنقل الحمضيات وتأمين وسائط نقل تناسب متطلبات المزارعين لضمان نجاح عملية التسويق، ومن جانب آخر أكد وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك محسن عبد الكريم علي، ضرورة التنسيق بين وزارتي التجارة الداخلية والصناعة لاستثمار الصالات التي تملكها وزارة الصناعة، وتوسيع منافذ السورية للتجارة في أسواق الهال لزيادة دورها الإيجابي بتسويق الحمضيات، لافتاً إلى ضرورة التزام الجهات المعنية بالخطة التسويقية الموضوعة لإنجاح تسويق موسم الحمضيات، هذا ما تناوله الاجتماع، من ناحية التسويق، أما عن مشكلة  عدم دعم السماد للمزارع وصعوبة التوصيل، فقد أشار عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام للفلاحين أحمد هلال، إلى ضرورة تأمين الأسمدة والمحروقات ليحقق الفلاحون أفضل مردود يضمن استمرار العملية الإنتاجية.

في النهاية نأمل أن تُنفّذ سين التسويف، وألا تكون هذه الإجراءات مثلها مثل كل الإجراءات التي يُعلن عنها كل عام ويقع الفأس برأس المزارع مثل كل مرة، حتى لا تفنى سواعده مثلما فنيت الوعود السابقة..

فلننقذهم قبل فوات الأوان!

 

العدد 1112 - 26/6/2024