التطورات الدولية الأخيرة وأثرها على التنمية العربية

د. منير الحمش :

مقدمة:

أولاً_ أهم التطورات الدولية الراهنة.

1 – جائحة كوفيد 19.

2 – العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتداعياتها.

3 – جزيرة تايوان والعلاقة الصينية_ الأمريكية.

4 – تغيرات المناخ والبعد البيئي.

5 – التطورات في المنطقة العربية.

ثانياً_ النظام العالمي القائم ومستقبل الهيمنة الأمريكية_ الغربية.

  • تراجع الغرب وصعود الصين وروسيا.
  • مستقبل النظام العالمي.

ثالثاً_ أثر التطورات الأخيرة على التنمية العربية.

 

 

التطورات الدولية الأخيرة وأثرها على التنمية العربية [1]

د. منير الحمش[2]

مقدمة:

يشهد العالم في السنوات الأخيرة، تطورات هامة من شأنها إحداث تغيرات وتحولات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عما ستحدثه في توجهات المبادئ والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية والنظام العالمي القائم حالياً على العولمة وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية.

وسيكون للجانب الاقتصادي مكانٌ بارز في مجال التغيرات خاصة في اقتصادات الدول الطامحة إلى بناء اقتصاد تنموي مستقل وفعال وقادر على تلبية احتياجات التقدم والنهوض، ويلبي التطلعات المجتمعية لإقامة اقتصاد يحقق العدالة والمساواة على نحو مستمر ومستقر.

 

ستتولى هذه الورقة عرض هذا الموضوع الهام من خلال المحاور التالية:

أولاً – أهم التطورات الدولية الراهنة: وستتوجه إلى إلقاء ضوء على نحو مختصر على الظواهر التالية:

1 – جائحة كوفيد 19 كورونا.

2 – العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتداعياتها.

3 – جزيرة تايوان والعلاقات الصينية – الأمريكية.

4 – تغيّرات المناخ والبعد البيئي.

5 – التطورات في المنطقة العربية.

ثانياً_ النظام العالمي القائم ومستقبل الهيمنة الأمريكية الغربية.

ثالثاً_ أثر التطورات على التنمية العربية.

* * * * * *


أولاً_ أهم التطورات الدولية الراهنة

أود الإشارة في البداية إلى أن التطورات المبحوثة تحمل في جنباتها بعضاً من ماضيها كما تتضمن ملامح عن مستقبلها، فهي سلسلة متصلة، وعزلها في حِقب معينة هو لأغراض الدراسة فقط.

1 – جائحة كوفيد 19

في 11 آذار (مارس) عام 2020 صدر عن منظمة الصحة العالمية بيانٌ صنفت بموجبه فيروس كورونا (كوفيد 19) جائحة عالمية بعد أن ظهر هذا الفيروس في مدينة ووهان الصينية أواخر عام 2019 وانتشاره السريع والمخيف في جميع دول العالم بما فيها الدول الصناعية المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد تسبب تصاعد حالات الإصابة وتزايد حالات الوفاة بالتالي إلى حالة من الإرباك في الوسط الصحي والإداري على مستوى الدولة والإقليم والعالم، وانعكس الإرباك في الدراسات والتصريحات الصحية والحكومية والإعلامية في تبادل الاتهامات في الأوساط الحكومية والإعلامية بين الولايات المتحدة والصين ومنظمة الصحة العالمية حول الأسباب وأسلوب المواجهة واللقاحات المناسبة.

وزاد من حدّة الارتباك النتائجُ الكارثية الناتجة عن بعض أساليب المواجهة، وخاصة حالات الإغلاق والعزل الاجتماعي وتقييد الحركة وتوقف سلاسل الإمداد (خاصة الطاقة والغذاء)، وتأثير ذلك على حالة الأمن الغذائي وأمن الطاقة.

لقد أصبحت البشرية تواجه أكبر تحدٍّ منذ الحرب العالمية الثانية، فهذا الفيروس لا يعرف الحدود ولم ينجُ منه أيّ بلد أو إقليم، ويكاد يجمع الخبراء على أن آثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ستمتد إلى سنوات قادمة.

ولعل أهم ما طرحته أزمة الجائحة من خلال علاقتها بالدولة ووظائفها ارتباطُها ايضاً بمفهوم حماية الأمن الإنساني (ومن ضمنه الأمن الغذائي) وما يحيط بالفرد والمجتمع من تهديدات أو مخاطر تهدّد أمن المجتمع الإنساني وسلامته، في ظل العلاقات الدولية السائدة والقواعد التي تحكم النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يطرح من جديد مسألتين على جانب من الأهمية، وهما: الدولة الوطنية ودورها ووظائفها، والنظام الدولي وحيد القطب والمساعي الهادفة إلى تغييره وتحويله إلى نظام عالمي تعددي. وقد حظي هذا الموضوع على أهمية بالغة في أوساط مراكز البحث والدراسات ولدى جمهور واسع من المثقفين في أنحاء العالم، إلى جانب الاهتمام الذي تبديه الحكومات والأمم المتحدة ومؤسساتها.

في 20/3/2020 أيّ بعد نحو أربعة أشهر من ظهور الوباء، وجّهت مجلة (فورين أفير بوليسي) إلى نخبة من المفكرين والسياسيين سؤالاً محدداً هو: كيف سيبدو العالم بعد وباء كورونا؟ [3]

وقد تركزت الإجابات عن هذا السؤال حول القضايا والعناوين التالية:

1 – فشل الولايات المتحدة والغرب بعامة في قيادة العالم، وتحول المعركة إلى الصين ودول جنوب شرق آسيا.

2 – سيتغير النظام العالمي وتوازن القوى على نحو كبير.

3 – انتهاء نظام العولمة الاقتصادية والاعتماد المتبادل، والبحث يجري عن سلاسل توريد محلية.

4 – نسف القواعد الحالية لعمليات التصنيع والإنتاج العالمية.

5 – توقع تفكك الاتحاد الأوربي بعد فشله في مواجهة الأزمة.

6 – فشل المؤسسات الدولية في القيام بدورها.

7 – المزيد من الانكفاء على الداخل وتراجع القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك.

8 – التركيز على مفهوم الحكومة المركزية وتعزيز قوتها وقبضتها من دون معارضة.

9 – قوة الروح الإنسانية ونجاحها في مواجهة الخطر.

10 – المنتصر في الحرب ضد كورونا هو من سيكتب التاريخ ويحدد المستقبل. وتختصر (فورن آفير بوليسي) الإجابات بالاستنتاج التالي:

إن العالم سيكون أقل انفتاحاً وأقل حرية وأكثر فقراً.

إن الآثار الاقتصادية الكارثية لهذا الوباء تبدو واضحة، ولعل هذا ما دفع الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيكلنر للقول إن فيروس كورونا المستجد لم يعبأ بالدولة الوطنية وأصبح مشكلة عالمية وهذا الأمر يتطلب حلاً عالمياً.

والواقع أن أزمة (كوفيد 19) ليست الأولى في تاريخ البشرية الصحي، فقد تعرضت البشرية لهجمات وبائية عديدة على مدى التاريخ، أودت هذه الهجمات بملايين الضحايا، ولكن ما يميز هذه الأزمة الآن هو اختلاف الظروف وتعدد العوامل وتشابكها، وهي تحصل والعالم يشهد تقدماً هائلاً في العلوم والتكنولوجيا والمعرفة إلا أنه يقف حائراً أمام هذا الوباء.

ومن المفارقات اللافتة ان هذا الوباء يأتـي في وقت تعاني فيه الرأسمالية العالمية وأنظمة الليبرالية الجديدة من حقيقة تحمل الكثير من مؤشرات الركود العميق، وقد أثبت الوباء الجديد عجز الأنظمة الرأسمالية عن مواجهته.

وفي الوقت الذي تعد حرية الانتقال والحرية الفردية من ركائز النظام الرأسمالي، فقد اضطرت الحكومات إلى فرض إجراءات منها القيود على الانتقال والإجراءات التي تعد تعدياً على حرية الأفراد فضلاً عن قيود أخرى تعد في الحالات العادية تعدياً على حقوق الإنسان.

وقد أظهرت الجائحة بوضوح فشل الأنظمة الصحية في جميع البلدان (بدرجات متفاوتة) كما أظهرت أهمية دور الدولة إلى جانب وظائفها التقليدية في مجالات الصحة والرعاية الاجتماعية.

كما تبين عجز الدولة (وحدها) عن مواجهة الوباء، ما يؤكد من جديد أهمية التعاون الإقليمي والدولي، فضلاً عن تنامي الشعور بأهمية الوعي المجتمعي وتعاون مختلف القطاعات في التصدي لتداعيات الوباء.

ولما كان الوعي المجتمعي يفترض مستويات متقدمة من العلم والمعرفة، فإن الأمر يحتاج إلى وقفة مراجعة لأنظمة التربية والتعليم ونشر الثقافة والتعليم والمعرفة. ولما كان هذا يحتاج إلى مستوى معقول من الدخول والتوقف عند ظاهرة الفقر والتفاوت في الدخول وتركز الثروة. لهذا فإن من المهم إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية وإقامتها على أسس من العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة وإلغاء التمايز بين الناس ورفع مستوياتهم الثقافية والعلمية، وهو ما يساعد ليس فقط التصدي للوباء، وإنما أيضاً من أجل إقامة مجتمع متقدم وصحي قادر على مواجهة مثل هذا الوباء وتداعياته على الحياة الإنسانية.

 

 

2 – العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وتداعياتها:

في 24 شباط (فبراير) 2022 أعلن الرئيس الروسي (بوتين) إطلاق عملية عسكرية في أوكرانيا، وحدّد الهدف في خطاب أنه (تجريد أوكرانيا من السلاح، واجتثاث النازية منها). وقد بدأت هذه الحملة العسكرية بعد أن كانت روسيا قد حشدت قواتها على الحدود وبعد أن اعترفت بجمهورية دونيتسك الشعبية، وجمهورية لوغانسك الشعبية.

وأعقب ذلك دخول القوات الروسية إلى منطقة دونباس شرق أوكرانيا في 21 شباط (فبراير) 2022، وكانت روسيا قبل ذلك (2014) قد ضمّت إليها جزيرة القرم بعد استفتاء جرى في هذه الجزيرة.

إذا أردنا التدقيق في خلفية ما يجري الآن في أوكرانيا، فإن علينا أن نعود إلى مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكيكه وما تلا تلك المرحلة، ولسنا الآن بصدد البحث عن أسباب ما حصل وقتذاك، إنما علينا أن نشير إلى تداعيات ما حصل، ومن هذه التداعيات أنه في الوقت الذي انتهى فيه حلف وارسو، الذي كان يضم ما يدعى المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي، جرى تدعيم وجود حلف الناتو، الذي يضم المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، بل أضيفت إلى هذا الحلف مهام أخرى، فاتجه للتوسع نحو الشرق وضمّ إليه الدول التي كانت يوم كان الاتحاد السوفياتي لا يزال قائماً جزءاً من حلف وارسو، فأصبحت جزءاً من حلف الناتو في عام 1999 (رغم ممانعة روسيا) قبِل الحلف انضمام ثلاث دول من أعضاء حلف وارسو سابقاً وهي بولندا والمجر والتشيك. وفي عام 2004 فتح أبوابه أمام سبع دول جديدة من أوربا الوسطى والشرقية (بلغاريا – أستونيا – لاتفيا – ليتوانيا – رومانيا – سلوفاكيا – سلوفينيا) وبعد خمسة أعوام انضمت إلى الحلف ألبانيا وكرواتيا ثم الجبل الاسود وأخيراً مقدونيا.

واستمر الغرب في توتير الأجواء بينه وبين روسيا بمساندته ما كان يدعى بالثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا وغيرغرستان، فقد ساند الغرب قيام حكومات موالية له في تلك البلدان إلى جانب ترديد (مغازلة) أوكرانيا في دعوته لها بالدخول إلى حلف الناتو.

وقد عارضت روسيا التقارب الغربي من أوكرانيا، فضلاً عن معارضتها توسع الناتو نحو الشرق ووضع قواته في الخطوط الأمامية على الحدود الروسية، واعتبرت ذلك استفزازاً خطيراً يقلل من مستوى الثقة المتبادلة، وتساءل الرئيس الروسي قبل 15 عاماً في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ: ضد من هذا التوسع؟ وأعلن رفض بلاده المطلق لحلف الناتو.

هذا الموقف يشكّل الخلفية الاستراتيجية للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا من خلال إصرار الغرب على ترسيخ قواعد حلف الناتو على حدود روسيا وضم المزيد من الدول التي كانت سابقاً في حلف وارسو في إطار الاتحاد السوفياتي السابق.

وقد كانت روسيا في مطلع التسعينيات (بعد تفكك الاتحاد السوفياتي) تتقرب من الغرب، وكانت تأمل أن يقابلها الغرب بالرغبة ذاتها، إلا أنه استمرّ في مواقفه وخاصة في توسيع مهام حلف الأطلسي نحو الشرق وفرض المزيد من الحصار حول روسيا. الأمر الذي رأت روسيا فيه مواقف عدائية.

ربطت روسيا مواقف الولايات المتحدة (والغرب) منها، ومع غيرها من البلدان، بالموقع المهيمن الذي تحتله الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي، ودورها في فرض جدول أعمال معين على دول العالم، ويؤكد سطوتها وهيمنتها على النظام العالمي وعلى العلاقات الدولية.

وهنا التقت روسيا مع باقي دول العالم الثالث وشعوبها المتضررة من نظام الهيمنة الأمريكية وعلى رأسها الصين الشعبية في المناداة بتغيير الأسس التي يقوم عليها النظام العالمي أحادي القطبية وإقامة نظام عالمي جديد يقوم على التعددية وعلى مبادئ العدالة والمساواة واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

من هذا المنطلق اعتبر الرئيس الروسي بوتين (أن العملية العسكرية في أوكرانيا إنما هي بداية تقويض إقامة نظام عالمي وفقاً للمفاهيم الأمريكية). وقال الرئيس الروسي في تاريخ 7/7/2022 لدى اجتماعه مع قادة الكتل البرلمانية في مجلس الدوما الروسي: (كان يجب على الغرب أن يفهم أنه خسر منذ بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، لأنها تعني بداية هدم النظام العالمي الذي تحاول الولايات المتحدة فرضه على العالم). وأضاف: (إن العالم يشهد عملية انتقال من المركزية الليبرالية الأمريكية نحو عالم متعدد القطبية يقوم على أساس القانون الدولي وسيادة الشعوب والأمم، وليس على مفاهيم غير واضحة ومعايير مزدوجة تعكس توجه الغرب للهيمنة). واتهم بوتين الغرب بأنه (أشعل الحرب في أوكرانيا في تدشين مرحلة جديدة لردع روسيا، فالحرب اشتعلت والعقوبات فرضت ضد روسيا، وهذه قضايا كان من الصعب تقريرها في الظروف العادية).

وكانت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا هي اللحظة الحاسمة التي استفاد منها حلف الناتو الذي كان يعاني من (الموت دماغياً) كما دعاه الرئيس الفرنسي ماكرون قبل ثلاث سنوات، فعمد إلى رصّ صفوفه وتعزيز قواته وتنظيم قواه الاستراتيجية في مواجهة العدوان الروسي على أوكرانيا، كما دعاه، وكذلك كانت اللحظة المناسبة للاتحاد الأوربي لإعادة الحياة إلى عروقه التي تيبّست من الأزمات المتلاحقة. وهكذا وجدت الولايات المتحدة والغرب في حرب أوكرانيا الفرصة المناسبة لرص الصفوف وتوحيد المواقف في مواجهة العدوان الروسي، وقد أعلن الحلف بالفعل عن زيادة في عدد قوات الرد السريع ورفع الإنفاق العسكري، كما وافق الناتو على طلب الانضمام الذي تقدمت به كل من السويد وفنلندا بعد أن ألغت تركيا معارضتها لانضمامهما إلى الحلف.

وقد شهدت قمة قادة الدول الأعضاء في الحلف المنعقدة مؤخراً في مدريد تغيير الموقف الرسمي للحلف تجاه روسيا، الذي تبنّاه عام 2010 فقد منح روسيا حينذاك وصف (الشريك الاستراتيجي)، في حين اعتبر الحلف روسيا في مؤتمر القادة الأخير أنها تمثل (تهديداً مباشراً) لأمن الحلف.

ويعتبر الحلف أوكرانيا دولة (شريكة) مما يعني أن هناك تفاهماً بأنها ستنضم إليه في وقت ما في المستقبل. ويتحاشى (الناتو) أيّ مواجهة مباشرة مع روسيا، ولهذا يمتنع عن إرسال قوات مسلحة إلى أوكرانيا، كما أنه رفض مطالبة أوكرانيا بفرض منطقة حظر جوي فوق أراضيها مع أنه وصف العملية العسكرية بأنها (إجراء حربي وحشي)، إلا أن عدداً من دول الناتو وعلى رأسها الولايات المتحدة ومنها بريطانيا تمدّ أوكرانيا بالأسلحة لمساعدتها في مواجهة روسيا.

ويكتفي الحلف حالياً بنشر عناصر من قوة الردع يبلغ عددها 40 ألف جندي في دول أوربا الشرقية المتاخمة لروسيا وأوكرانيا، ويخطط لرفع عدد قواته هناك إلى 300 ألف جندي، كما أن لديه 100 طائرة مقاتلة في حالة تأهب قصوى و120 سفينة بينها حاملات طائرات تقوم بدوريات منتظمة في البحار من أقصى الشمال إلى شرق البحر الأبيض المتوسط.

وأعلن الحلف أنه سيدافع عن كل حليف وكل شبر من أراضي (الناتو)، وإزاء ذلك وضعت روسيا القوات النووية في حالة تأهب خاصة رداً على التصريحات التي وصفتها بالعدوانية إلا أن هذا لا يعني أن روسيا تعتزم استخدام سلاحها النووي. وفي المقابل أدانت الولايات المتحدة الأمريكية الإجراء الروسي وقررت إرسال المزيد من القوات إلى أوربا، وان قالت إن هذه القوات لن تقاتل في أوكرانيا نفسها. إلى جانب التحرك الغربي برئاسة الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا بتقديم المساعدات العسكرية غير المسبوقة والحشود العسكرية والتصريحات (النارية)، فقد تم توقيع العديد من العقوبات الاقتصادية على روسيا مستهدفة عمق الاقتصاد الروسي والعديد من الشخصيات الرسمية ورجال الأعمال.

الجوانب الاقتصادية للحرب الأوكرانية:

من المؤكد أن تأثير الحرب على الاقتصادات المعنية بالحرب مباشرة أو  غير مباشرة سيكون عميقاً، سواء على مستوى الاقتصاد الكلي للدول أو  على مستوى القطاعات الاقتصادية، وتتفاوت معدلات التأثير وفقاً لمدى قوة الاقتصاد المعني، وقوة القطاعات الإنتاجية فيه بوجه خاص، كما يتوقف ذلك على مستوى الاستعداد الحربي في القوات المسلحة من الناحية البشرية ومن ناحية السلاح ونوعيته، فضلاً عن ذلك فإن مستوى الاستعداد والإعداد يؤثر من حيث نتائج الحرب ومدى قدرة الاقتصاد على تحمل النتائج المباشرة من خسائر بشرية ومادية، لكن في جميع الحالات فالدول المعنية بالحرب (سواء كانت مشتركة مباشرة أو  غير مباشرة) عليها أن تتحمل النتائج مهما كانت ما دامت هي منخرطة في هذه الحرب.

لكن المشكلة هنا في تأثيرات الحرب ومنعكساتها على المستوى الدولي.

ولا شك أن تأثير الحروب على الاقتصاد الدولي سيظهر سريعاً حتى قبل انتهاء الحرب، ويرجع ذلك إلى الحاجة إلى استمرار مفاعيل الاقتصاد وقطاعاته في العمل تحت جميع الظروف، فالعلاقات الاقتصادية والتجارية والمعاملات المالية والمصرفية بوجه خاص سوف تستمر بالعمل وبالتالي سوف تتأثر بسير العمليات الحربية.

لهذا نجد أن منظمة التجارة العالمية التي تتابع سير العمليات العسكرية تسارع بعد نحو شهرين من بدء الحرب إلى تخفيض توقعاتها للنمو الخاصة بالعام الجاري (2022) بمقدار النصف تقريباً من 4,7 % إلى 2.5 % بسبب تأثير الحرب والسياسات المتعلقة بذلك.

ويرتبط تخفيض التوقعات بمشاكل سلاسل التوريد التي ظهرت نتيجة جائحة كورونا، التي كان لها تأثير كبير على توريدات المواد الغذائية والحياتية. الأمر الذي أدى إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار، وإلى الوصول إلى حالة من المخاطر على الأمن الغذائي وخاصة في الدول الفقيرة.

وقد عبرت رئيسة منظمة التجارة العالمية عن قلقها بهذا الشأن، وقالت إن القلق الأساسي يتعلق بشعب أوكرانيا طبعاً، الذين نزحوا من منازلهم ولا يجدون ما يكفي من الطعام.

لكن معاناة الدول الفقيرة ستكون مرتفعة بسبب تأثيرات إمدادات القمح والذرة على نحو خاص. لكن الدول الصناعية المتقدمة تواجه ايضاً نقصاً في زيت عباد الشمس إذ يأتي ما مجموعه نحو 47 % من الصادرات من أوكرانيا، بينما يأتي نحو 30% من روسيا وفقاً لمنظمة كلوبال S,P، وبسبب إغلاق موانئ أوكرانيا فإن هناك صعوبات في تصدير الحبوب مما أدى على مشاورات أدت إلى توقيع اتفاقيتين بين روسيا وأوكرانيا مع تركيا والأمم المتحدة، تتعلق بآليات محددة لتصدير المنتجات الزراعية والحبوب الأوكرانية العالقة في الموانئ عبر البحر الأسود، ونصت الاتفاقية مع روسيا على تخفيف القيود على صادرات الحبوب الروسية.

لكن من الهام أن نشير إلى أن تأثيرات الحرب على اقتصادات البلدين المعنيّين مباشرة (أي روسيا وأوكرانيا) سيكون شديد الوطأة. فمن المرجح (كما تقول بعض التقارير) أن النشاط الاقتصادي في أوكرانيا سينكمش بما يزيد عن الثلث هذا العام، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ورغم ان روسيا لا تعاني من أزمة إنسانية واسعة النطاق فإنها تتأثر إلى جانب المجهود الحربي بمعاناة حقيقية بسبب العقوبات الصارمة التي فرضتها الولايات المتحدة والدول الغربية عليها.

لهذا فإن التوقعات تشير إلى تراجع اقتصادها أيضاً بنحو الثلث، وعلى وجه الخصوص يُتوقع أن يُسهم تجميد أصول البنك المركزي الروسي واستبعاد بنوك روسية مختارة من نظام (سويفت) أيْ نظام التحويلات المالية الذي يتيح إجراء معظم مدفوعات البنوك الدولية) أن يسهم ذلك في ركود اقتصادي مع فرض عقوبات ذاتية من قبل الأسر والشركات مما يزيد من حدة الضرر والأزمة بوجه عام. إضافة إلى تعرض الهياكل الأساسية المادية والبشرية في أوكرانيا لأضرار بالغة، الأمر الذي سيحتاج إلى المزيد من الوقت في مواجهة تحديات إعادة الإعمار.

أما روسيا فستجد صعوبة بالغة في إعادة بناء علاقاتها الاقتصادية والمالية والمؤسسية مع العالم الخارجي وخاصة مع الغرب، ما سيؤدي إلى إعاقة عملية الانتعاش الاقتصادي، وستواجه بوجه خاص عملية إعادة هيكلة الديون الداخلية المعقدة ذات الأبعاد المؤسسية والسياسية والاجتماعية.

والغرب الذي سارع إلى فرض عقوباته على روسيا، وإلى تقديم المساعدات لأوكرانيا (المادية والعسكرية) سوف يعاني كثيراً من تداعيات الحرب.

وقد بدأ بالفعل في مواجهة تداعيات (التضخم المصحوب بالركود)، وسوف تتفاقم الضغوط التضخمية القائمة بفعل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وبضمني ذلك الطاقة والقمح، وبدأت بالفعل تظهر اضطرابات في سلسلة الإمدادات مع زيادة تكاليف النقل، ومن المرجح ان تفرض الطرق التجارية المعطلة المزيد من الضغوط السلبية على النمو الاقتصادي، عدا تأثير ذلك كله مع تفاقم عدم المساواة واتساع فجوات الأداء بين البلدان ودواخلها.

وستكون الآثار السلبية المباشرة أقوى وأسرع في أوربا حيث ستتعرض قطاعات معينة لأضرار شديدة وخاصة بعض البنوك وشركات الطاقة.

البلدان العربية وأزمة الغذاء:

بلدان عربية عديدة تستورد جزءاً هاماً من احتياجاتها من الحبوب من روسيا وأوكرانيا، ولا شك أن ارتفاع الأسعار بسبب الحرب سيزيد من معاناة هذه البلدان مما يهدد أمنها الغذائي.

تستورد الدول العربية مجتمعة 60 % من احتياجاتها للحبوب من روسيا وأوكرانيا إضافة إلى فرنسا ورومانيا، لكن روسيا وأوكرانيا تشكلان ثقلاً دولياً خاصة في توريد الحبوب إلى البلدان العربية نظراً للسعر المنخفض لهذه المادة الحيوية من روسيا وأوكرانيا، وتحتل أوكرانيا المرتبة الرابعة في قائمة الدول المصدرة للقمح والذرة الصفراء على مستوى العالم.

وقد صدّرت وحدها 17% من كمية الذرة والشعير التي سوقت للتجارة العالمية في عام 2020، وحصلت البلدان العربية من هذه الكمية على نسبة 40 % في حين أن روسيا تُعتبر المصدر الرئيسي للقمح في مصر.

وقد حذر معهد الشرق الأوسط  للأبحاث من أنه إذا عطلت الحرب إمدادات القمح للعالم العربي، فقد يؤدي ذلك إلى أزمة حادة في الأمن الغذائي ستقود إلى حالة من عدم الاستقرار والمظاهرات الشعبية.

والبلدان العربية ليست متساوية في تلقي صدمة الأزمة في توريدات المواد الغذائية الأساسية، فهناك دول عربية قادرة على تحمل ارتفاع الأسعار مثل الدول الخليجية في حين أن هناك دولاً لا تستطيع تحمّل ذلك، يأتي في مقدمتها اليمن ومصر والأردن وباقي الدول العربية بنسب مختلفة.

لكن الجزائر ستكون أقدر على مواجهة الأزمة في الغذاء، فهي تستورد 3 % فقط من حاجتها من القمح من روسيا وأوكرانيا.

وتعتبر مصر أكبر مشترٍ للقمح في العالم وتعتمد في 80% من وارداتها على روسيا وأوكرانيا، وانقطاع الواردات بسبب الحرب يعني أن تواجه الحكومة تحدياً معقداً يفرض عليها البحث عن مورّدين جدد.

ومن المفيد أن نذكر أن العالم تعرض لأزمات غذائية عديدة كان أهمها ما سببته الأزمة المالية العالمية (2008) التي نجم عنها ارتفاع شديد في أسعار السلع الغذائية، وفي تلك الأزمة تسببت حالات الجفاف الشديدة في العديد من الدول المصدرة للأغذية، إضافة إلى حظر تصدير المواد الغذائية من قبل العديد من الدول، في انخفاض المعروض العالمي من الغذاء، وجاء هذا مصاحباً لاستخدام الدول المتقدمة في ذلك الوقت للمحاصيل الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي بكثافة. إلا أن العالم استطاع التغلب على هذه الأزمة سريعاً، وقد تلاقت تداعيات جائحة كوفيد 19 مع تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، فوصل نقص التغذية (2022) إلى أعلى مستوى له في 15 عاماً نتيجة لاضطراب سلاسل التوريد العالمية، ومن هنا يمكن القول إن الأزمة الحالية للغذاء تختلف عن الأزمات السابقة من حيث ما أدت إليه الحرب من تعطيل لأسواق المنتجات الزراعية النهائية وأسواق المدخلات الزراعية في الوقت نفسه…)[4].

أزمة أمن الطاقة (النفط والغاز)

لعل أهم التداعيات الاقتصادية للحرب إلى جانب أزمة الغذاء هي أزمة الطاقة (النفط والغاز)، فقد أصبحت الطاقة سلاحاً استراتيجياً تزداد أهميته يوماً بعد آخر. وأصبحت الدول التي تمتلك هذا السلاح تتمتع بمكانة مؤثرة في المجتمع الدولي، ومع اندلاع الأزمة الأوكرانية تواجه دول العالم تحدّيات مختلفة أبرزها التهديدات والانكشاف في أمن الطاقة. فأمن الطاقة يتحقق عندما تتوفر مصادر مستقرة للطاقة من خلال إمدادات داخلية أو خارجية مستمرة بأسعار وتكاليف معقولة.

سببت الحرب انخفاض إمدادات النفط والغاز وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، وشكّلت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة وأوربا على روسيا عاملاً إضافياً يزيد في حالة التأزم في أسواق النفط والغاز (علماً أن روسيا تعتبر المنتج الثاني للنفط في العالم، كما أنها تصدر كميات كبيرة من الغاز الطبيعي إلى أوربا عبر أوكرانيا).

وسيدفع الأوربيون الثمن الأكبر في هذا الصراع، خاصة أن أوربا تعتمد على إمدادات الغاز الطبيعي الروسية بنسبة 40 % من احتياجاتها.

وتعاني دول أوربا من شح في إمدادات الغاز الروسي، وفي الوقت ذاته تسعى المفوضية الأوربية في البحث عن مصادر متنوعة من الطاقة إلا أن المورّدين ملتزمون بعقود طويلة الأجل مع مستهلكين معظمهم خارج التكتل الإداري الأوربي ما يزيد من صعوبة الحصول على مصادر إضافية من هذه المادة الحساسة.

ونتيجة ذلك اتجهت الدول الأوربية (ألمانيا وفرنسا والنمسا وهولندا وقريباً إيطاليا) إلى استخدام الفحم في توليد الكهرباء عبر إعادة فتح محطات تعمل بالفحم. وهكذا فقد ارتفع الطلب على الفحم عالمياً من مختلف دول العالم باستثناء روسيا التي تحاول الدول الأوربية تجنب الاستيراد منها. وهنا يطرح السؤال حول خطط الدول الصناعية الخاصة بالحياد المناخي وتحقيق الأهداف العالمية بحلول 2030 و2050.

وتحاول دول الاتحاد الأوربي إظهار وحدة الموقف تجاه هذه المسألة الحيوية إلا أن العديد من المراقبين يشككون في أن يتمكن الاتحاد الأوربي من البقاء موحداً في هذه الأوقات الصعبة، وما يؤكد ذلك فشل الغرب حتى الآن في تقييد سعر النفط الروسي. ولن يكون من السهل التعويض عن فقدان الإمدادات من روسيا بالكامل، وذلك وفقاً لمعظم الدراسات التحليلية حتى كتابة هذا البحث في نهاية آب (أغسطس).

وبدأت شوارع المدن الأوربية تشهد بعض الاحتجاجات، مما يشير إلى تنامي الآثار الاجتماعية مع اقتراب فصل الشتاء، وهذا ما يفسر ايضاً التململ الذي بدأ في أوساط أوربية عديدة من آثار العقوبات الاقتصادية على روسيا على أوضاعهم الاجتماعية مع زيادة تأثير الفئات الفقيرة والمتوسطة بارتفاعات الأسعار وانعكاسات التضخم على حياتهم المعيشية ومستوى تلبية احتياجاتهم اليومية.

3 – جزيرة تايوان (العلاقة الصينية_ الأمريكية):

قالت الصين في (الكتاب الأبيض) الذي نشره مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني (منتصف آب (أغسطس) الماضي 2022) إنها لن تتسامح مع (الأنشطة الانفصالية) في تايوان، وقد اكدت في هذا الكتاب أن هدفها (يتمثل في تحقيق إعادة التوحيد السلمي لتايوان والصين)، وأنها لن تتخلى عن استخدام القوة وتحتفظ بخيار اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية. وقد تضمن الكتاب الأبيض تهديداً باستخدام القوة ضد تدخل القوى الخارجية والعمل الراديكالي من قبل العناصر الانفصالية).

وقد نشر هذا الكتاب بعد انتهاء المناورات العسكرية التي أعلنت عنها بكين خلال زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي (بيلوسي) لتايوان في مطلع شهر آب (أغسطس) 2022. وخلال سلسلة من الاستفزازات الأمريكية لبكين، في الوقت الذي تتصاعد فيه الأعمال العسكرية بين روسيا وأوكرانيا تتنوع الاستفزازات الأمريكية للصين، وكان آخرها صفقة أسلحة أمريكية جديدة لتايوان، في هذه الأجواء يتصاعد مستوى التوتر في المنطقة وفي العالم، ما يؤشر إلى وجود نهج مستمر بتأزيم الأوضاع السياسية والعسكرية في العالم يقوده الغرب برئاسة الولايات المتحدة، في مواجهة روسيا والصين اللتين تناديان بتغيير النظام القائم على هيمنة الغرب بزعامة الولايات المتحدة، وإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يقوم على أسس العدالة والمساواة بين الدول والشعوب في العالم.

ويلقى هذا الطرح تأييد دول عديدة في العالم فضلاً عن جميع الشعوب المغلوبة على أمرها والمتضررة من هيمنة الغرب.

إن ما يعمّق من مخاوف تهديد الأمن الإنساني في الآونة الأخيرة هو الخشية من تحول حالة التوتر الناشئة من تصاعد التهديدات المتبادلة الجارية الآن بين الولايات المتحدة والصين إلى حرب حقيقية، وما يؤكد هذه المخاوف تصريحات رسمية يطلقها بعض المسؤولين في الولايات المتحدة (بأن الولايات المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب حلفائها بما في ذلك تايوان، مع اتهام الصين بأنها تتبنى نهجاً تعسفياً وعدوانياً بشأن مطالبها الإقليمية) والمطالب الإقليمية هنا في حالة تايوان هي مناداة الصين بوحدة الأراضي الصينية وبأن تايوان جزء من الصين والمناداة بصين واحدة، الأمر الذي سبق أن وافقت عليه الولايات المتحدة عندما اعترفت بالصين الشعبية وسحبت اعترافها بتايوان كممثل وحيد للصين.

وتعتبر زيارة (ميلوسي) لتايوان وتداعياتها من المحطات اللافتة على مسيرة العلاقات الصينية_ الأمريكية، وما يلفت أيضاً تزامن ذلك مع سير العمليات العسكرية في أوكرانيا ومع التغير الحاصل في استراتيجية الناتو.

المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو:

في 1/7/2022 أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) وثيقته الجديدة التي تعتمد على مفهوم استراتيجي جديد يحدد كيفية تعامل الحلف مع التهديدات والتحديات للسنوات القادمة، ويحدد المفهوم الاستراتيجي الجديد تحول الناتو تماشياً مع أجندة الحلف (2030) التي جرى إقرارها عام 2021.

وسيوجه هذا المفهوم أيضاً الجهود المبذولة لحماية الأمن الأوربي الأطلسي رداً على (العدوان الروسي) فضلاً عن التحديات الممنهجة التي تقترحها جمهورية الصين الشعبية وتعميق الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين.

ويحدد المفهوم الاستراتيجي الجديد للحلف المهام الأساسية له مثل الردع والدفاع ومنع الأزمات وإدارتها والأمن التعاوني، كما يضمن استمرار الحلف في تطوير الأدوات المناسبة والاستجابة الجماعية للتهديدات العابرة للحدود الوطنية مثل الهجمات السيبرانية والتداعيات الأمنية لتغير المناخ، ويدرك أيضاً قيمة نهج الأمن البشري لعمل الحلف على غرار حماية المدنيين أثناء النزاع والتصدي له.

وقد توقف العديد من المحللين السياسيين عند تعبير تصدي الحلف للتحديات المنهجية التي تفرضها الصين وتحديات تعميق الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين) فما بات يتعلق بالولايات المتحدة هو التحديات المنهجية التي تفرضها الصين وتحديات تعميق الشراكة الاستراتيجية الروسية – الصينية، الأمر الذي وصل لدى العديد من المحللين السياسيين إلى أن الهدف الاستراتيجي الأمريكي أصبح الحيلولة دون نجاح روسيا والصين من تعميق شراكتهما الاستراتيجية، ومن هنا جاء تفسير البعض للحرب في أوكرانيا على أنها تجري بالفعل بين الغرب بكامله (برئاسة الولايات المتحدة) وروسيا وهدفها إضعاف روسيا وإبعادها عن تحقيق الشراكة الاستراتيجية مع الصين، وفي الوقت ذاته تفسر الاستفزازات التي تقوم بها الولايات المتحدة ضد الصين، بخلق وتفعيل قضية تايوان، إنما هي عملية إضعاف للصين واستنفاد لقوّتها في معارك جانبية، وفي الوقت ذاته يعتبر ذلك وسيلة لإبعاد الصين عن روسيا.

ولكن لماذا تثار مشكلة تايوان بهذه الحدة الآن وهي مسألة ليست جديدة؟!

في الواقع إذا ما وضعنا عملية روسيا العسكرية جانباً، ليس بقصد تحييدها أو الاستهانة بها، إنما بهدف تسليط الضوء على العناصر اللصيقة مباشرة بالعلاقات الصينية_ الأمريكية.

إذا ما فعلنا ذلك يظل لدينا العوامل الذاتية المرتبطة بكل من الصين وتايوان.

صعود الصين:

فالصين الصاعدة اقتصادياً وتكنولوجياً إلى جانب قوتها النووية والعسكرية هذه الصين الصاعدة، بما تطرحه من برامج وسياسات، تهدد الهيمنة الأمريكية ومكانتها في النظام العالمي، كما أنها أصبحت قطباً عالمياً يستقطب بمواقفه وبرامجه العديد من دول العالم وبضمنها الدول التي كانت تعتبر من حلفاء الولايات المتحدة. وتزداد أهمية (الصين كلما زاد اقترابها من روسيا، مع احتمال أن تشكّلا معاً نواة الاستقطاب العالمي للنظام الجديد الذي سيقوم قطعاً في مواجهة الولايات المتحدة والغرب بتوجهاتها الاقتصادية والإيديولوجية.

ولهذا تحرص الولايات المتحدة ومعها دول الغرب على استمرار عزل الصين، والعمل على إضعافها، وعدم السماح بتشكيل تحالف استراتيجي بينها وبين روسيا إمعاناً في إضعافهما معاً (روسيا والصين).

تايوان وأشباه الموصلات:

أما تايوان.. فلها قصة أخرى، إضافة إلى وضعها الاستراتيجي بالنسبة للدولة الأم (أي الصين) فإن لها وضعاً خاصاً يتمثل في تحولاتها التكنولوجية السريعة وفي تفوقها في مجال إنتاج أشباه الموصلات التي أصبحت العنوان الأهم للصراع الصيني_ الأمريكي حالياً.

واشباه الموصلات هي خلاصة التكنولوجيا اللازمة لتشغيل الحواسب الإلكترونية والهواتف الذكية وجميع ما يشغل الإلكترونيات ابتداءً من ألعاب الفيديو والصراف الآلي وأجهزة التحكم وانتهاء بالروبوتات والإنترنت وأجهزة الذكاء الصناعي فضلاً عن السيارات والطائرات وغير ذلك.. فقد أصبحت أشباه الموصلات عصب الحياة المعاصرة، ومن هذه الزاوية يصبح سهلاً فهم خلفية الصراعات الدولية وخاصة (الصراع الصيني_ الأمريكي).

وفي ضوء التطورات الداخلية الأمريكية والعلاقات الدولية تراجعت الولايات المتحدة في هذا المضمار أمام تقدم تايوان وغيرها من الدول الآسيوية كالصين وكوريا الجنوبية واليابان.

وقد تداركت الولايات المتحدة ذلك بإصدار تشريع أقره الكونغرس مؤخراً ليصبح قانوناً رسمياً، وهو القانون الخاص بدعم أبحاث أشباه الموصلات وإنتاجها في الولايات المتحدة بقيمة 52,7 مليار دولار، وأصبح الهدف للقانون هو قهر الصين تنافسياً.

واللافت أن تايوان تصنع 92 % من الرقاقات عالمياً وتصنع بالنسبة إلى أكثر الرقاقات مبيعاً في العالم 66 % عالمياً، تليها كوريا الجنوبية بنسبة 17% عالمياً، وتنتج الصين 8 % وبقية بلدان العالم مجتمعة (ومنها اليابان والولايات المتحدة وغيرها) 9 % فقط وذلك بموجب إحصاءات موقع statista في نيسان (أبريل) 2022.

والرقاقات التايوانية هي الأصغر والأسرع مقارنة بالكورية ونظيرتها الصينية،

وتعتبر الصين أكبر مستهلك ومشتر للرقاقات عالمياً [5].

 

4 – تغيّرات المناخ والبعد البيئي:

يتزايد الاهتمام العالمي بظاهرة تغيّر المناخ وأصبح ينظر إليها كقضية أمن قومي في العديد من دول العالم لا سيما في الدول الصناعية المتقدمة، ولأول مرة في عام 2003 ذكرت استراتيجية الاتحاد الأوربي للأمن الأوربي أن تغير المناخ أصبح مصدر قلق أمني لدول الاتحاد، وربطت المفوضية الأوربية في تقريرها الرئيسي الأول عام 2008 ما بين تغير المناخ والأمن الدولي، كما اعترفت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في وثائق استراتيجية الأمن القومي على نحو متزايد بأن تغير المناخ يمثل تهديداً للأمن القومي ولمصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وتعاملت الاستخبارات الأمريكية مع هذه القضية انطلاقاً من أن تغيّر المناخ يجب أن يكون في قلب السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، باعتباره يؤثر بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة في سلامة الأراضي والرفاهية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والقدرات العسكرية الأمريكية.

وفي التوجيه الاستراتيجي المؤقت للأمن القومي (آذار (مارس) 2021) أكدت الإدارة الأمريكية على دور الولايات المتحدة الريادي لمواجهة التحديات العالمية التي يأتي في مقدمتها تغير المناخ والاتجاه إلى الطاقة التطبيعية.

وتتضح الآثار المباشرة لتغير المناخ الناجمة عن ذوبان الأنهار الجليدية وارتفاع مستويات سطح البحر وذوبان التربة الصقيعية وموجات الجفاف الطويلة وموجات الحرارة الأكثر سخونة وحرائق الغابات المستمرة والأمطار الغزيرة والعواصف الكارثية تتضح آثار ذلك على البشر مثل فشل المحاصيل الزراعية وانهيار مصائد الأسماك، وانعدام الأمن المائي وغمر المناطق الساحلية، الأمر الذي يؤدي إلى الهجرات الجماعية والنزوح فضلاً عن أن هذه الآثار تمثل تهديداً للاستقرار والأمن الدوليين، خاصة أنها تلحق أضراراً مضاعفة في البدان النامية التي لا تمتلك قدرات اقتصادية وفنية لمواجهة تلك الآثار والتكيف مع تغير المناخ.

وقد أدى تغير المناخ إلى ظهور مجالات جديدة للمنافسة بين الدول الكبرى. (المقصود بالتحديد الولايات المتحدة وروسيا والصين) وبرزت هذه المجالات الجديدة في القطب الشمالي الذي يحتوي (وفقاً لتقديرات دولية) على 12 % من احتياطات النفط غير المستغلّة. وقد زاد ذوبان الجليد من حدة التنافس الدولي على استخراج موارد القطب الشمالي، ما دفع البلدان الثلاثة إلى تطوير استراتيجياتها ووجودها العسكري فيه، ما يؤشر إلى احتمالات المواجهات العسكرية في حالة فشل الجهود الدبلوماسية في إدارة التنافس بين هذه الدول إذ تسعى كلٌّ منها إلى زيادة قدراتها، وتوحّد كل من روسيا والصين جهودهما في هذا الشأن، وبهذا فإن القطب الشمالي يُعد مسرحاً للتنافس الدولي كما يُعد مؤشراً إلى أن تغير المناخ يمكن أن يلعب دوراً في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.

إن انعدام الأمن الغذائي والمائي الذي يثبت علمياً ارتباطه بتغير المناخ يمكن أن يلعب دوراً رئيسياً في تحريك الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، بسبب عدم قدرة الحكومات على توفير ما يكفي من الغذاء والحاجات الأساسية للسكان في مواجهة حالات الجفاف والتصحر وندرة المواد الغذائية.

وقد تبيّن أن العديد من حركات الاحتجاج على الأوضاع المعيشية في العديد من البلدان خلال السنوات العشر الأخيرة كانت مسألة النقص في المواد الأساسية وارتفاع أسعارها من الأسباب الرئيسية الكامنة في إشعال الغضب بين السكان ودفعهم للاحتجاج.

ونشير في هذا الشأن إلى أن وكالات الأغذية الرئيسية التابعة للأمم المتحدة (برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة)[6] تتوقع أن يزداد انعدام الأمن الغذائي سوءاً في 20 نقطة ساخنة للجوع هذا العام (2022) بسبب تضافر الحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى تفاقم أزمة الغذاء من خلال رفع أسعار السلع الغذائية، وتمثل روسيا وأوكرانيا معاً نحو 30 % من تجارة القمح العالمية، وتأثيرات تغير المناخ ما يعرّض 49 مليون شخص في 46 دولة لخطر المجاعة. وأشارت تقارير تلك الجهات إلى أن الجفاف المتكرر والفيضانات والأعاصير أمور تؤدي إلى تدمير الزراعة ودفع الملايين إلى حافة الهاوية، الأمر الذي يستدعي تعاوناً دولياً أكثر فعالية في سبيل توحيد الجهود وتنسيقها لمواجهة تهديدات تغير المناخ، والتوصل إلى السياسات المناسبة لتخفيض النتائج السلبية لتغير المناخ والحد من آثارها الاجتماعية والاقتصادية على حياة البشر.

5 – التطورات في المنطقة العربية:

تعرّضت الدول العربية كباقي دول العالم لتداعيات وآثار التطورات الحاصلة على الساحة الدولية، وقد تمظهرت هذه التداعيات في:

  • أزمة الطاقة (النفط والغاز)
  • الاختلالات في سلاسل الإمداد
  • أزمة الغذاء
  • أزمة تصاعد معدلات التضخم واحتمالات الركود العالمي

وانعكاس ذلك على مجمل حياة البشر في أرجاء المعمورة، الأمر الذي بات يهدّد أمن المجتمعات ويزعزع استقرارها، وقد بدا ذلك في اتساع مظاهر الاحتجاج والتذمر التي بدأنا نسمع بها في شوارع المدن الرئيسية في العالم.

لكن انطلاقاً من خصوصية المنطقة العربية وبالتحديد وجود (إسرائيل) في قلب الوطن العربي واستمرار تهديدها لأمن المنطقة واستقرارها، فإننا يشير إلى مشروعين على غاية  الأهمية برزا في السنوات القليلة الماضية وهما:

  • اتفاقيات الإبراهيمية.
  • مشروع الناتو الشرق أوسط ي.

وهما يمثلان امتداداً للمشروع الصهيوني – الأمريكي – الغربي.

1 – اتفاقات أبراهام: في 15/9/2020 وقّعت كلٌّ من الإمارات العربية والبحرين وإسرائيل اتفاقيات التطبيع برعاية الولايات المتحدة، وقد أصدر البيت الأبيض ثلاثة نصوص، يتضمن

النص الأول إعلان اتفاق إبراهيم (أبراهام بالإنكليزية) بين الأطراف الثلاثة (تل أبيب وأبو ظبي والمنامة).

ويتضمن النص الثاني اتفاقية التطبيع الثنائية بين الإمارات وإسرائيل.

كما يتضمن النص الثالث اتفاقية البحرين مع إسرائيل.

وتنص اتفاقية أبراهام على إقامة سلام مع إسرائيل بما يتضمن العلاقات الدبلوماسية والتطبيع الكامل للعلاقات.

كما تتضمن الاتفاقية مبادئ عامة يسترشد بها جاءت في ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي مع اعتراف كل طرف بسيادة الطرف الآخر وحقه في العيش بسلام.

وشملت الاتفاقية إقامة السفارات وتبادل السفراء وإقامة علاقات قنصلية ودبلوماسية، ويلتزم الطرفان بالتفاهم والتنسيق بينهما في مجالات السلام والاستقرار، فضلاً عن التعاون في مجالات الرعاية الصحية والعلوم والتكنولوجيا والاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي والسياحة والثقافة والرياضة والطاقة والبيئة والتعليم والترتيبات البحرية والاتصالات والبريد والزراعة والأمن الغذائي.

وتنص الاتفاقية على تعزيز ثقافة السلام. واستعداد الطرفين للانضمام إلى الولايات المتحدة لتطوير إطلاق (أجندة استراتيجية للشرق الأوسط) من أجل توسيع العلاقات الدبلوماسية والتجارية والاستقرار في المنطقة.

ومن الواضح أن (اتفاقات أبراهام) تأتي في إطار المشروع الصهيوني_ الأمريكي للسيطرة والهيمنة على المنطقة العربية ورسم مستقبلها بما يتناسب مع المشروع. وهذه الاتفاقات تأتي في إطار محاولات الغرب لزرع (إسرائيل) في نسيج المنطقة العربية وإقامة علاقات مباشرة بين (إسرائيل) ودول وشعوب المنطقة العربية، بتجاهل تام لحقوق الشعب الفلسطيني بل إنها تتجاهل حتى وجود هذا الشعب.

وعدا مخالفة ذلك لقرارات الأمم المتحدة فإنها تتنكر لنضال شعب فلسطين في سبيل استرداد حقوقه وإقامة دولته، كما أن هذه الاتفاقية تغض الطرف عن ممارسات (إسرائيل) العنصرية وعن عدوانها المستمر على الدول العربية وعمّا شنّته من حروب على الشعوب العربية، وعن احتلالها للأراضي الفلسطينية والقدس والأماكن المقدسة والجولان السوري والأراضي اللبنانية.

وهذه الاتفاقية إذ تتجاهل تاريخ الشعوب العربية، فإنها ترهن مستقبل هذه الشعوب لهيمنة (إسرائيل) وتصادر مستقبلها لحساب المشروع الصهيوني – الأمريكي – الغربي.

وكما رفضت شعوب المنطقة وجود إسرائيل منذ قيامها، سترفض أيضاً التطبيع مع العدوانية الجديدة تحت عنوان يتخذ من (الإبراهيمية) شعاراً زائفاً لمستقبل موهوم.

2 – مشروع (الناتو) الشرق أوسطي:

من الواضح أن هدف (اتفاقات أبراهام) هو دمج إسرائيل في المنطقة العربية وإقامة علاقات تطبيعية بينها وبين دول الإقليم. وأصبح واضحاً أن الولايات المتحدة التي رعت هذه الاتفاقيات تهدف إلى تحقيق مصالح وأهداف محددة تتمثل في:

أ – المحافظة على أمن (إسرائيل) وحمايتها، وضمان تفوقها الاقتصادي والعسكري على جميع دول المنطقة.

ب – المحافظة على أمن الطاقة وضمان سلامة إمداداتها للأسواق العالمية وفي مقدمتها أسواق الولايات المتحدة وحلفائها.

ج – التعاون والتنسيق مع دول المنطقة بما يضمن تحقيق الهدفين السابقين.

والتفكير المنطقي يدلنا بعد أن تم إبرام اتفاقيات أبراهام أن يمتد نطاق التطبيق إلى الجوانب العسكرية، ومن هنا تم خلال الشهور الماضية التركيز على الدعوة لإقامة تحالف عسكري بين دول المنطقة وعلى رأسها (إسرائيل) يهدف إلى حماية وضمان أمن الدول تجاه عدوان عليها.

وأصل فكرة المشروع نجدها في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه (بيريز) في منتصف تسعينيات القرن العشرين، ثم في مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الواسع الذي طرحه الرئيس الأمريكي بوش بعد احتلال العراق (2003).

كما نجده في مشروع (تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي) الذي طرحه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ثم أعاد طرحه الرئيس الأمريكي السابق ترامب، فهو أساساً فكرة أمريكية هدفها حماية المصالح الأمريكية، وقد سمي هذا الحلف (الناتو السني) الذي أصبح هدفه المعلن العداء لإيران والحد من نفوذها في المنطقة العربية فضلاً عن مكافحة الإرهاب.

وتحويل الاسم من (الناتو العربي) إلى ناتو الشرق الأوسط معناه ليس فقط ضم إسرائيل إلى هذا الحلف بل أن تتولى بالفعل قيادة هذا الحلف حتى وإن تولت قيادته رسمياً إحدى الدول العربية. كما لم يعد الحلف موجهاً ضد إيران فقط، بل إنه أصبح موجهاً ضد أيّ دولة عربية يمكن أن تعادي إسرائيل أو تتحالف مع إيران.

ويظل الهدف المعلن للحلف تحقيق السلام والاستقرار رغم أنه يضمّ إسرائيل التي كانت منذ تأسيسها عنواناً للاضطراب وتهديد الأمن والاستقرار في المنطقة.

فكيف يمكن إقامة حلف وتعاون وتنسيق بين القاتل والقتيل؟ بين مَّن احتل ومارس جميع فنون القهر على السكان، ومواطنين مغلوبين على أمرهم. بين مّن يطمح إلى قيام سلام حقيقي ومَن يهدّد السلام ويخلق حالة عدم الاستقرار، ويعتدي على البشر والحجر ولا يزال يحتل الجولان السوري والأراضي الفلسطينية واللبنانية؟!

 

ولعل أهم ما يميز النظام الدولي الذي انبثق عن اتفاقيات ويستفاليا هو فكرة التشاور بين الدول المعنية والأخذ بفكرة التوازن الدولي وحق الدول في التدخل ضد دولة تحاول الإخلال بالوضع القائم، وكان الهدف آنذاك إقامة نظام دولي يقوم على أساس التعاون المشترك بدلاً من السيطرة والخضوع.

ثانياً_ النظام الدولي القائم ومستقبل الهيمنة الأمريكية_ الغربية:

النظام الدولي هو الإطار المؤسسي والدبلوماسي والسياسي والقانوني الناظم للعلاقات الدولية، وكانت بداية قيام هذا النظام هي اتفاقيات (ويستفاليا 1648) التي أنهت حربي الثلاثين سنة والثمانين سنة التي كانت قائمة في أوربا.

وقد استندت هذه الاتفاقيات إلى مفهوم القومية باعتباره محدداً مركزياً على المستوى السياسي والاستراتيجي في أوربا (مركز العالم في ذلك الوقت).

وقد حكمت اتفاقيات ويستفاليا النظام الدولي حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، إذ شهد العالم تحالفات سياسية واستراتيجية غير مسبوقة في تنوعها واتساعها مما بين محدودية الدول القومية وعجزها عن توفير الأمن الجماعي. وشكلت الحرب العالمية الأولى منعطفاً لإعادة صياغة مفهوم (المصالح) في العلاقات الدولية، فلم يَعُد أمن الدولة القومية مقتصراً على سلامة أراضيها فقط وإنما بات مرتبطاً بأوضاع الحلفاء ومن هنا مصطلح (المجال الحيوي).

وقد شهد مسار النظام الدولي في القرن العشرين حربين عالميتين ساخنتين وحرباً باردة، شكلت كل منها انتقالاً من نظام دولي قائم إلى آخر.

واستمر الطابع الدولي (الغربي) حاكماً للنظام الدولي. فالحربان الساخنتان كانتا أوربيتان عدا السنتين الأخيرتين في الحرب العالمية الثانية، إذ شارك فيها قطبا المستقبل، أحدهما غير أوربي (جغرافياً) أي الولايات المتحدة، والآخر أوربي – نصف آسيوي – أي الاتحاد السوفياتي فضلاً عن البلدان الآسيوية، وهذا يعني أن العلاقات الدولية لم تعد أوربية بعد الحرب العالمية الثانية بل اتسع نطاقها ليشمل العالم كله.

وقد اتسم (التكوين) التاريخي للنظام الدولي بالظاهرة الاستعمارية الغربية التي فرضت هيمنتها على العالم من خلال أنماط متعددة، وكانت آسيا وافريقيا تشكلان (المجال الحيوي) للقوى الاستعمارية، ما يعبر عن مصالح الرأسمالية الصاعدة في محاولاتها المستمرة لفتح أسواق لمنتجاتها وضمان تدفق المواد الأولية من بلدان الجنوب ضماناً لاستمرار عجلة إنتاجها، وقد أصبحت المنظومة الرأسمالية العالمية هي المصدر الحقيقي لهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي. وتتكون هذه المنظومة من:

أ – الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة (G7).

ب – الشركات الكبرى والبيوتات المالية والشركات متعددة الجنسية.

ج – المؤسسات والمنظمات الدولية (صندوق النقد الدولي – البنك الدولي – منظمة التجارة العالمية).

من خلال هذه المكونات الثلاثة تتضح مداخل (الهيمنة الأمريكية) اقتصادياً، ما يظهر الأهمية المتزايدة للعامل الاقتصادي في تكوين ما يطمح إليه الغرب (وعلى رأسه الولايات المتحدة) في فرضه على النظام الدولي جدول أعمال اقتصادياً عنوانه الليبرالية الاقتصادية الجديدة مع استكمال الجانب السياسي بمقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان وانفتاح الأسواق وحرية السوق، فضلاً عن توجهاتها في تعميم نمط معين من الحياة اعتماداً على قيمها، باستخدام وسائل الاتصال والمعلوماتية والأدوات الثقافية المختلفة في إطار عولمة الاقتصاد والثقافة والاتصالات.

وفي مقابل الاستقطاب الحاصل بين الشرق والغرب، فيما دعي بالمعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي يبرز استقطابٌ آخر بين الشمال والجنوب. وإذا كان الطابع الغالب للاستقطاب الأول إيديولوجياً_ استراتيجياً، فإن الطابع الغالب على استقطاب شمال جنوب هو الطابع الاقتصادي، والشمال تشمل الدول الرأسمالية الغنية، في حين دول الجنوب تشمل الشعوب الفقيرة والمغلوب على أمرها، ويغلب عليها التخلف، وإذا كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت إلى سيادة النظام الثنائي القطبية (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) على النظام العالمي، فإن هذه الحقبة انتهت عام 1991 عندما شهد العالم تحولاً مهماً في النظام العالمي بسقوط الاتحاد السوفياتي وانتقال النظام العالمي إلى تفرد الولايات المتحدة (ومعسكرها الغربي) في قيادة النظام العالمي (وحيد القطبية).

ومن أهم ملامح المرحلة الجديدة انتهاء حلف وارسو (نتيجة انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي) ولم يقابله إنهاء حلف الناتو وكان يضم المعسكر الغربي برئاسة الولايات المتحدة)، فضلاً عن توسع حلف الناتو باتجاه الشرق مما تعتبره روسيا تهديداً لأمنها القومي.

وفي هذه المرحلة (مرحلة انتهاء الحرب الباردة) أصبح لقضايا الأمن الإنساني موقعاً مميزاً حاكماً في العلاقات الدولية، مثل قضايا الفقر والبطالة والبيئة والتغير المناخي وأمن الطاقة والتنمية وحقوق الإنسان والهجرة الدولية غير الشرعية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

ومن خلال ذلك أصبح للمنظمات الدولية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني دورٌ هامّ في تعيين مسارات حركة العلاقات الدولية.

وفي ضوء هيمنة الولايات المتحدة وبرامج الإصلاح والتحول التي قادتها المؤسسات الدولية برعاية الولايات المتحدة من أجل إحداث تحول في الاقتصادات لصالح الليبرالية الجديدة، أصبح النظام العالمي يدار بواسطة الأغنياء، ومن أجلهم، أصبح النظام العالمي عبارة عن سوق تقليدي تحكمه سلطة الأقوياء، وتعزّز هذا التوجه بالانفتاح التجاري واستكمال مؤسسات العولمة بتحويل الجهات المنظمة للتجارة العالمية في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فقد قادت هذه المؤسسات إلى جانب الشركات متعددة الجنسيات عملية العولمة الاقتصادية بقيادة الولايات المتحدة لغرض إدارتها وهيمنتها على دول العالم وشعوبه.

وبرزت على صعيد العلاقات الدولية سمتان بارزتان:

الأولى: تزايد الفجوة بين دول الشمال ودول الجنوب وازداد فقر الفقراء وغنى الأغنياء.

الثانية: تصاعد استخدام القوة العسكرية والتهديد بها من قبل الولايات المتحدة ودول الغرب دون قيود. ما يشير إلى أحد تجليات عسكرة العولمة في مرحلة الهيمنة الأمريكية، وفي المقابل تصاعدت التهديدات غير العسكرية مثل التلوث البيئي والفقر والاحتباس الحراري والتضخم السكاني، ما أصبح يفترض تضامناً عالمياً لمواجهة ذلك تحت عنوان (ضمان الأمن الإنساني) وذلك من خلال التعاون والتنسيق الدولي.

 

تراجع الغرب وصعود الصين وروسيا:

وتجلى تراجع الغرب في ظاهرتين:

الأولى: الأزمة الاقتصادية والمالية المستمرة التي تعبر عن جوهر التحولات في النظام الاقتصادي الرأسمالي منذ أزمة 2008 وتداعياتها.

الثانية: أزمة النظام الديمقراطي التي تتمظهر في جمود النظم السياسية وعدم قدرتها على استيعاب التحولات الجارية في مجتمعاتها، وتعود أسباب هذا الجمود إلى عجز الأحزاب السياسية والمؤسسات التقليدية عن تجديد خطابها، وانحسار الفروقات فيما بينها (أحزاب اليسار وأحزاب اليمين) وعدم وجود رؤى مبتكرة مبدعة لتطوير آليات عملها.

وانعكس ذلك في ظاهرتين بارزتين:

الأولى: تراجع معدلات المشاركة في الانتخابات.

الثانية: تلاشي الحدود بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار.

وترافق ذلك مع تصاعد التوجهات الشعبوية وتصاعد دور القوميات المتطرفة والعنصرية والدعاوى ضد المهاجرين.

وسط ذلك كله كانت هناك الأزمة التي بدأت تعصف في جسم الاتحاد الأوربي الذي بدت عليه في السنوات الأخيرة (قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا) علامات التفكك والخلافات بين دوله، وكان خروج بريطانيا 2016 إيذاناً ببروز علامات التفكك خاصة مع إعلان دول أخرى عن رغبتها في اللحاق ببريطانيا.

إلا أن العملية العسكرية الروسية الأخيرة في أوكرانيا أعادت إلى الاتحاد الأوربي ترابط دوله وتماسكه من خلال موقف موحد تجاه هذه العملية، مع تزويد أوكرانيا إلى جانب الدعم السياسي والدبلوماسي بشحنات هائلة من الأسلحة أدت في بعض الدول الأوربية إلى تهديد المخزون الاستراتيجي لهذه الدولة، وطبعاً تلاقت إرادة دول الاتحاد في فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا.

لكن نتيجة ذلك لم تكن مُرضية لأنصار توتير الأجواء مع روسيا، فظهرت المناداة بوقف العقوبات وعدم المضيّ في عزل روسيا، وذلك تحت تـأثير أزمة الطاقة وأزمة الغذاء خاصة مع اقتراب الشتاء، الذي ينذر بمرحلة صعبة على جميع الدول الأوربية، خاصة التي ذهبت بعيداً في إظهار العداء لروسيا. وقد عبّر الشارع الأوربي بمظاهرات في العديد من المدن احتجاجاً على الاوضاع المعيشية والمناداة بوقف العقوبات على روسيا، وفي مواجهة إجراءات التعامل مع أزمة الطاقة.

وفي مقابل التراجع وحالة التأزم في دول الغرب، يشهد العالم صعود روسيا والصين وظهورهما كقوتين فاعلتين على الساحة الدولية. وهذا ما يعطي تفسيراً لدور الولايات المتحدة (ومعها الدول الأوربية خاصة إنكلترا) في الاستفزاز الذي قامت به في الأزمة الأوكرانية ضد روسيا، وكذلك استفزازها الصين بما أثارته حول تايوان، وكان آخر استفزازاتها للصين صفقة الأسلحة التي عقدتها مع تايوان، التي دعت الصين إلى الغائها، كما دعت الصين الولايات المتحدة إلى احترام التزاماتها بمبدأ الصين الواحدة.

وتعمل الولايات المتحدة على نحو جدي وفعال على تطويق الصين والحد من نموها الاقتصادي والمالي وغالباً السياسي. وهذا ما يفسر صياغتها تحالفات مثل:

أوكوس (Aukus) الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا.

تحالف كواد (Quad) ويضم أمريكا واليابان والهند وأستراليا.

تحالف كواد + ويضم إلى جانب الولايات المتحدة كوريا الجنوبية ونيوزيلندا وفيتنام.

مستقبل النظام العالمي:

تطفو على سطح العلاقات الدولية الحالية حالة من الشكوك وعدم اليقين بسبب حالة الاضطراب وعدم الاستقرار والفوضى التي تعبث بواقع شعوب العالم ومستقبلها، ففي حين تطالب هذه الشعوب بنظام عالمي تسوده حالة من العدالة والمساواة والاستقرار، تعمل بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة على إبقاء الأوضاع كما هي، أي أنها تتمسك بالهيمنة على النظام العالمي وعلى قيادتها لهذا العالم، ما يعني استمرار حالة من الفوضى والاضطراب في أنحاء العالم، بينما تنادي كل من روسيا والصين بنظام تعددي لا يقبل بهيمنة الغرب (برئاسة الولايات المتحدة) على مقدّرات شعوب العالم وتطلعاتها المستقبلية.

وفي هذه المرحلة الانتقالية، إلى حين إقامة النظام (المأمول) تسود حالة الاضطرابات وتلوح في الأفق الحروب (والتهديد بالحروب) التي تصل إلى حد التلويح باستخدام السلاح النووي.

وقد بدأ البعض في (الغرب) يعترف بأن العالم يمر بمرحلة من عدم اليقين، وهي مرحلة لها سمات عوالم الفوضى العارمة التي قد لا تؤدي إلى نظام لاحق، بل قد تستمر حالة الفوضى إلى لا نهاية.

كما أن البعض في (الغرب) أصبح ينادي بقيام نظام عالمي جديد، كما فعل كيسنجر (وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق) إذ قال: إن[7] إقامة نظام عالمي جديد هو في مرحلة التأسيس على نار حامية، وقد أصبح النظام الجديد ضرورة ملحة يفرضها الواقع الدولي المستجد في ظل تعاظم عدد الدول المستقلة وذات السيادة في العالم.

وفي تعليقه على الحرب في أوكرانيا قال (توني بلير) رئيس وزراء بريطانيا الأسبق[8]: (إن حرب أوكرانيا أظهرت أن هيمنة الغرب تشهد نهايتها في ظل صعود الصين لتكون قوة عظمى بالشراكة مع روسيا في أوضح نقاط التغيير في المشهد العالمي منذ قرون).

وأضاف بلير: (إن العالم في مرحلة تحول في التاريخ يمكن مقارنتها بنهاية الحرب العالمية الثانية أو نهاية انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن هذه المرة، وبوضوح، الغرب ليس في الكفة الراجحة).

وأعلن الرئيس الفرنسي ماكرون[9] إن (الهيمنة الغربية تقترب من نهايتها)، وقال: (لا تكمن نهاية الهيمنة الغربية في التدهور الاقتصادي ولا في التدهور العسكري، بل في التدهور الثقافي، عندما لم يعد ممكناً تصدير قيمك إلى البلدان الناشئة. فهذه هي بداية تراجعك …).

وكان مؤتمر الأمن في ميونخ قد عقد مؤتمره (17 – 19 /2/ 2017) تحت عنوان يعبر عن المرحلة بالغة الدقة التي يمر بها النظام الدولي وينطوي على الكثير من الدلالات (ما بعد الحقيقة، ما بعد الغرب، ما بعد النظام) حيث العالم عالم فوضى عارمة وهو عالم ما بعد الحداثة الذي يجمع دولاً ذات نظام وأخرى بلا نظام تغرق في فوضى بلا حدود، ما يضع دول النظام على عتبة اللا نظام والعيش بجوار الفوضى.

والسؤال الآن: هل يستجيب أصحاب القرار في الغرب لهذه الدعوات بتغيير النظام الدولي؟ وكيف؟

في الحقيقة إن الغرب يؤكد من خلال مواقفة وسياساته أنه إن قبِل بتغيير النظام فإن ذلك يعني أنه سيكون تغييراً شكلياً لا يمس الجوهر، والجوهر هنا هو هيمنة على النظام، فقد كان الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة يعيق أيّ تطوير أو تغيير في النظام العالمي لا يتوافق مع مصالحه، وقد عمل على الحيلولة دون إجراء أيّ تعديل أو تغيير يهدد مكاسبه أو ينقص من نفوذه. وهو إن يقبل ببعض الطروحات الداعية إلى قيام نظام عالمي جديد إنما يقصد هنا إجراء ترتيبات معينة في النظام تضمن استمرار هيمنة وتزيد من تمكينه من تحقيق سياسات تؤمن استمراره في استنزاف ثروات الشعوب ومعالجة مشكلاته الاقتصادية وضمان استمراره في السيطرة على مقاليد أمور العالم وإضعاف المناوئين له والحيلولة دون بروز قوى دولية ذات وزن يمكنها مناقشته على قيادة النظام العالمي. وهو يفضّل الفوضى على إجراء أيّ تعديل على النظام، يمكن أن يهدد مصالحه كما يراها، فهو يرى النظام، كما يريده، أداة ووسيلة لفرض مشروعه على دول العالم. مشروع يتضمن نظاماً اقتصادياً ومالياً ليبرالياً متطرفاً ونظاماً سياسياً يقوم على الديمقراطية وادعاءات حقوق الإنسان.

وتشكل أزمات الاقتصاد الرأسمالي الغربي والفشل في فرض الديمقراطية الغربية على شعوب العالم سببين جوهريين للتشكيك في مشروعية ما تقوم به الولايات المتحدة من أساليب لفرض جدول أعمالها لتنفيذ هذا المشروع بجانبيه الاقتصادي والسياسي.

لهذا يبدو التساؤل منطقياً حول ما الذي يجعل الولايات المتحدة والغرب تتمسك بنهجها وأساليبها بثقة وبالكثير من النرجسية والأنانية والتعالي والفوقية على هذا النحو؟

لا شك أن لهذا أبعاداً ثقافية عميقة تتصل بالتربية والقيم والموروث الاستعماري الاستعلائي، وهذا ما دعاه البعض بالنظرة العنصرية، بينما دعاه آخرون بالاستثناء الأمريكي. بمعنى أن الولايات المتحدة حالة استثنائية بين الأمم تتفرد بطبيعتها عن الآخرين وتتفوق عليهم.

ثالثاً_ أثر التطورات الأخيرة على التنمية العربية:

قبل التطورات الأخيرة (وبالتحديد قبل جائحة كوفيد 19) كانت التنمية العربية تعاني من مشكلات يعود قسم كبير منها تاريخياً إلى زمن الاحتلالات والتبعية، ثم تفاقمت تلك المشكلات بعد الحصول على الاستقلال السياسي، بسبب الارتباطات مع الأسواق الخارجية وسوء الإدارة وتفشي الفساد.

وعندما نشبت أزمة جائحة كوفيد 19 كانت الاقتصادات العربية تعاني بدرجات متفاوتة من العديد من المشكلات الاقتصادية، يعود بعضها إلى طبيعة الانظمة والسياسات الاقتصادية المتبعة، كما يعود بعضها إلى نقص التمويل في الدول غير النفطية، في الوقت الذي استطاعت فيه الدول النفطية تجاوز بعض المشكلات نتيجة لتوفر الأموال اللازمة.

وقد عانت جميع الدول العربية (بدرجات متفاوتة) من هشاشة الأنظمة الصحية واضطرت إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة الجائحة، مما أدى إلى صعوبات جديدة تتعلق بالإدارة والتمويل.. وبعد سنتين من المعاناة لمواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجائحة، بدأت تظهر تداعيات الحرب من أوكرانيا، وقد بدا واضحاً أثر هذه الحرب على قطاعين حيويين على جانب من الأهمية والتأثير على المجتمعات والاقتصادات والإعفاءات وهما:

  • قطاع الطاقة.
  • قطاع الغذاء.

فقد أدى التوقف أو الاختلال في سلاسل التوريد إلى أزمة طاقة وأزمة توريد المواد الأساسية خاصة الحبوب والمواد الأولية اللازمة في صناعة الغذاء وفي الزراعة بوجه عام.

وكانت اقتصادات العالم (ومنها الاقتصادات العربية) قد عانت من مخاطر التضخم الناجم عن السياسات التوسعية التي انتهجتها الدول الرأسمالية في مواجهة أزمة كوفيد 19.

وكانت هذه الدول قد لجأت إلى رفع سعر الفائدة لتستطيع سحب جزء من الكتلة النقدية التي طرحتها (دون غطاء) من خلال حزم الإنفاق في مواجهة الجائحة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار المستهلك، مما شكل ضغطاً شديداً على تكاليف المعيشة، الأمر الذي زاد من تعقيدات الخلل في سلاسل الإمداد، وقاد في النهاية إلى أزمتي الطاقة والغذاء. ولما كانت العودة إلى استقرار الأسعار تحتاج إلى وقت طويل فإن النتيجة ستكون إلى جانب المعاناة المعيشية للسكان تراجعاً في معدلات النمو وتباطؤاً في سوق العمل، وتوقع العديد من الاقتصاديين اأن يؤدي هذا الوضع إلى الدخول في حلقة جديدة من الركود التضخمي، مما يخرج الأمر من دائرة المعالجات الآنية قصيرة النظرة، ويتطلب معالجات جذرية تتعلق بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة وأهمية وضرورة إعادة النظر فيها بعيداً عن المصالح الآنية الضيقة ومن خلال أفق أوسع يستوعب المشكلات الاقتصادية بأبعادها السياسية والاجتماعية والإيديولوجية.

في الدول العربية أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في حزيران June  (2022) تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2022 بعنوان: تعظيم الفرص لتعافٍ يشمل الجميع ويعزز القدرة على مواجهة الأزمات في حقبة ما بعد كوفيد 19 (يصدر التقرير في ذكرى مرور 20 عاماً على إطلاق أول تقرير للتنمية الإنسانية العربية).

ويتضمن هذا التقرير بياناً في الإجراءات التي اتخذتها الدول العربية لاحتواء الجائحة والتخفيف من آثارها السلبية على الأعضاء والمجتمع.

يقول التقرير إن فعالية الاستجابات للجائحة عبر المستويات التنموية المتباينة في المنطقة كانت مرتبطة بمستويات القدرات المؤسسية والقدرة على التنسيق ما بين المؤسسات الحكومية المعنية، على سبيل المثال نجحت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي في السيطرة على تفشّي الجائحة، وسجلت متوسطات لمعدلات التعافي من المرض أعلى بكثير من المتوسط العالمي، ونجحت البلدان ذات الدخل المتوسط مثل الأردن ولبنان وتونس نسبياً في التعامل مع الموجة الأولى للجائحة، لكنها فقدت سيطرتها بعد ذلك. أما البلدان التي تمر بصراعات وأزمات فكان لديها قدرات محدودة على التخفيف من آثار تفشي كوفيد 19 بسبب تدمير بناها التحتية في النظام الصحي، ونزوج العديد من كوادرها الصحية المؤهلة أو هجرتهم، وتداعي شبكات الأمان الاجتماعي وتراكم التحديات الاقتصادية.

وخلال الجائحة انعكست مستويات الثقة المحدودة لدى الجمهور العام في المؤسسات الحكومية على مقارنة تدابير احتواء كوفيد 19، وارتفاع معدلات التردد والعزوف عن تلقي اللقاحات، وهو اتجاه لوحظ مثيله عبر مناطق مختلفة من العالم.

مؤشرات اقتصادية:

يؤكد التقرير أن اقتصاد المنطقة انكمش بنحو 4,5 % عام 2020، فقد شهدت البلدان الهشة والمتأثرة بالصراعات أكبر متوسط للانخفاض بمقدار نحو 15 %. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الإيجابية في نهاية عام 2021 يشير التقرير إلى أنه ليس من المرجح أن يكون التعافي سريعاً خلال عام 2022 نظراً للتحديات الناشئة التي تواجه المنطقة، كذلك قد يظل النمو الاقتصادي يمثل تحدياً في ظل متوسط معدل نمو متوقع يبلغ 5,5 % للمنطقة بأكملها، مدفوعاً على نحو أساسي بأداء البلدان المصدرة للنفط.

– اتسع نطاق العجز المالي الكبير في جميع دول المنطقة مع انخفاض الإيرادات (بسبب تضاؤل الطلب على النفط) وتزايد الاحتياجات التمويلية لاحتواء الجائحة في عام 2020 اتسع متوسط العجز الكلي بمقدار 7 نقاط مئوية فوصل إلى 9,2 % من إجمالي الناتج المحلي، بينما تقلص متوسط العجز المالي في المنطقة في عام 2022 إلى 2,3 % ومن المتوقع أن يتحول إلى فائض بنسبة 4,1 % من إجمالي الناتج المحلي في عام 2022.

– أدى العجز المالي الضخم إلى زيادة الدين الحكومي مما أدى إلى تفاقم الوضع الهش للديون الذي كان قائماً قبل الجائحة. في عام 2020 بلغ متوسط الدين الحكومي الإجمالي للمنطقة ذروته عند 60 % من الناتج المحلي الإجمالي. كما انخفض صافي توقعات الاستثمار الاجنبي المباشر إلى المنطقة بنسبة 6 % عام 2020.

في عام 2021 ارتفع معدل البطالة إلى 12,6 % في المنطقة العربية (ويساوي ضعف المتوسط العالمي البالغ 6,2 %).

أدت الجائحة إلى اتساع نطاق التفاوتات وإلى تفاقم ظواهر الإقصاء لا سيما في الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والتعيلم. يشير التقرير إلى أنه قبل الجائحة كان عدم كفاية التمويل العام قد ألقى بعبء الرعاية الصحية على المرضى. إذ بلغ متوسط الإنفاق الشخصي على الصحة نسبة 28 % من إجمالي الإنفاق على الصحة في المنطقة مقارنة بـ 18 % في جميع أنحاء العالم. ولكن مع التفاوت الكبير من 6,6 % في عمان إلى 81 % في اليمن.

ويعكس هذا العبء المتزايد شدة تأثير الجائحة على الرغم من أن منطقة الدول العربية هي واحدة من المناطق الوحيدة في العالم النامي التي زادت من معدلات الإنفاق على الصحة كنسبه من الناتج المحلي الإجمالي في العقد السابق للجائحة.

ووجدت نسبة كبيرة من اللاجئين والنازحين داخلياً في المنطقة صعوبة أكبر في الحصول على الرعاية الطبية أثناء تفشي الجائحة.

كذلك أدى إغلاق المدارس واعتماد التعليم عن بعد إلى استبعاد قطاعات كبيرة من المجتمع. وعلى سبيل المثال أظهر مسح أُجري في الجزائر ومصر والأردن وقطر والمغرب وسورية وتونس أن 55 % فقط من الأطفال المسجلين في التعليم قبل الجائحة استطاعوا الوصول إلى شكل من أشكال التعليم عن بعد عقب الإغلاق الفعلي للمدارس مما تسبب في زيادة مخاطر عمالة الأطفال والزواج المبكر للفتيات.

فرصة للانتقال الأخضر:

يقدر التقرير أن الجائحة أدت إلى زيادة نسبة 5 % في الطلب على المياه عام 2020 نتيجة تكثيف ممارسات النظافة الشخصية والعامة، مما أضاف ضغوطاً على إمدادات المياه الشحيحة بالفعل في المنطقة، إذ تواجه 18 دولة عربية من أصل 22 دولة مستويات خطيرة من ندرة المياه. وبلغ نصيب الفرد في المنطقة 1/8 ثُمن متوسط نصيب المياه المتجددة للفرد عالمياً، ويدعو التقرير لإعطاء أولوية لتحسين إدارة المياه وإدارة المخالفات كمكوّنين رئيسيين لضمان أن يصبح التعافي ما بعد كوفيد 19 مستداماً.

وينظر التقرير بتفاؤل إلى الزخم المتنامي في المنطقة إلى تنويع الاقتصادات وتسريع الانتقال إلى حلول الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة.

تمثل إمكانية تعميم الحلول الخضراء في استراتيجيات التعافي فرصة مهمة يمكن أن تساعد المنطقة على إبطاء التغيير السلبي وتعزيز القدرة على التصدي للصدمات المستقبلية. ويشير التقرير إلى أهمية القمم العالمية، كما هو الحال مع المؤتمرات المقبلة (تستضيف مصر مؤتمر المناخ نسخة 2022 كما تستضيف دولة الإمارات مؤتمراً آخر هذا العام).

مقاربة للتعافي ترتكز على التنمية البشرية:

يقول التقرير إن الجائحة بدأت كحالة طوارئ صحية، ثم تطورت إلى حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية وإنسانية تطلبت استجابات على مستوى المجتمع بأسره، كما تطلبت التنسيق القوي بين المؤسسات الحكومية المسؤولة، والتعاون الهادف مع الشركات الخاصة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية. ويؤكد التقرير أن التعافي السليم سيتطلب جهوداً متضافرة لحماية الضعفاء وتمكين المواطنين وتعزيز حقوق الإنسان وضمان سيادة القانون وجعل نظم الحوكمة أكثر فعالية واستجابة.

كما تحتاج دول المنطقة إلى عقود اجتماعية جديدة تمهد الطريق للسلام والعدالة والاستقرار، وإلى مؤسسات موثوق بها خاضعة للمساءلة ولديها قدرة أكبر على التصدي للأزمات وتوسيع القدرات والحريات البشرية.

ويؤكد التقرير أن الفرصة متاحة الآن للبلدان لتقييم وتعزيز القدرات وإجراء تغييرات هيكلية لمنع الصدمات الناشئة والتعامل معها، وبضمنها أزمة الغذاء العالمية التي تلوح في الأفق، وتناقص الموارد الدولية لتمويل التنمية، وكلاهما يتعلق بآثار الحرب الحالية في أوكرانيا وكذلك الصدمات والكوارث المستقبلية.

ثم يقدم التقرير توجيهاته بشأن تبني نهج متكامل للتعافي يرتكز على التنمية البشرية.

والحقيقة أن هذه التوجيهات تشمل ما يمكن التوصل إليه لمواجهة التطورات الأخيرة التي سبق لنا أن تعرضنا لها وهي إلى جانب جائحة كوفيد 19:

  • الحرب الدائرة الآن في أوكرانيا.
  • ما يجري حول جزيرة تايوان والعلاقات الصينية_ الأمريكية.
  • تغييرات المناخ والأبعاد البيئية.
  • التطورات الأخيرة في المنطقة العربية.

وهذه التطورات جميعها على تماس مباشر بحالة عدم الاستقرار والاضطراب السائدة، والتي توحي بانعدام الثقة والشكوك في قدرة النظام العالمي الحالي على تأمين وصيانة الأمن والسلام في العالم، وتلقي هذه الحالة ظلالاً من الشكوك وعدم اليقين في المستقبل.

وفي المنطقة العربية تتصاعد الممارسات الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة والغرب، ما يهدّد الأمن والاستقرار ويؤثر سلبياً على عمليات التنمية ومحاولات النهوض التي تسعى إليها الشعوب العربية.

ذلك أن استمرار (إسرائيل) باحتلال الأراضي العربية في فلسطين وسورية واعتداءاتها المتكررة على سورية وعلى الشعب الفلسطيني، واعتداءها المتواصل على لبنان وحقه في استثمار ثرواته الطبيعية، والدعم غير المحدود الذي تقدمه لها الولايات المتحدة ودول الغرب، مما يشجعها على المضي في هذا المسار، ذلك كله يُسهم في خلق أجواء العداء ويعمّق المظالم ويعيق التنمية ويعطل مسارات الاقتصادات العربية الاستقلالية والتنموية.

وقد خلقت هذه الأجواء حالة من الاستقطاب التي عمقتها محاولات بعض الدول العربية الدخول في اتفاقيات (سلام وتطبيع) مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، مما يُعزّز الانقسام داخل الوطن العربي، ويحدّ من آمال التوحيد والتكامل الاقتصادي والتنموي، في عالم تزداد فيه شراسة الإمبريالية الأمريكية الساعية إلى فرض جدول أعمالها على العالم بأسره.

أمام هذا الواقع فإن البحث في تقديم أية مقترحات أو توصيات يكاد أن يكون عقيماً خاصة أن أرشيف الدول العربية وجامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية يكاد أن يكون ممتلئاً بعشرات الدراسات والبحوث والقرارات التي يمكن أن تكون دليل عمل جدّي إلا أنها تحتاج إلى الإرادة السياسية وإلى قرار سياسي، فهل لنا أن نأمل بأن القمة العربية القادمة في الجزائر، يمكن أن تخرج بالقرارات السياسية المطلوبة لمواجهة حالة الاستعصاء التي تواجهها البلدان العربية، في عالم غير مستقر وغير آمن يكتنفه الشكّ وعدم اليقين والضباب؟!

[1] ورقة مقدمة للمؤتمر العلمي السادس عشر الذي تقيمه الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، بالتعاون مع الأكااديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البري – القعلمين – مصر.

[2] رئيس مجلس إدارة الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية – باحث اقتصادي عربي سوري.

[3] انظر مجلة المستقبل العربي – العدد 507 – الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت.

[4] تحديات الأمن الغذائي العالمي في ضوء الحرب الروسية – الأوكرانية – د. حنان رجائي عبد اللطيف – السياسة الدولية العدد 229 يوليو 2022 ص 80 وما بعد.

[5] للتوسع: انظر الدكتور إبراهيم علوش – الميادين نت 30/8/2022 تايوان والصراع على جبهة أشباه الموصلات.

[6] للتوسع انظر ملحق مجلة السياسة الدولية (يوليو 2022) تغييرات المناخ والأمن العالمي – تقديم عمرو عبد العاطي.

[7] نقلت تصريحه وكالات الأنباء العالمية في 13/6/2022.

[8] INDEPENDENT الصادرة في 17 يوليو 2022.

[9] قدم ماكرون في آذار (مارس) 2022 تحليلاً عاماً للوضع الدولي. أعلن فيه إن (الهيمنة العربية تقترب من نهايتها) نقلت ذلك وكالات الأنباء العالمية.

 

لتصفح الملف كاملاً بصيغة PDF .. اضغط هنا

العدد 1096 - 21/2/2024