الاحتلالات المستدامة

الدكتور سنان علي ديب:

لم يخطئ من وصف الإرهاب الاقتصادي بأنه أخطر من العسكري لبلدان بنت جيوشاً ولشعوب لديها عقائد انتماء، وهو ما فهمه العقل الإمبريالي القائم على البدائل واستراتيجيات غالباً ما يكون فيها الانحراف قليلاً، وكيف لا وهي قوى ومجموعات ودول لا تمتلك منظومة قيمية وأخلاقية وإنسانية اتجاه الغير، وفهمت انعكاسات أسلوب الصدمة لدول أنفقت وتعبت وجهدت للولوج في التنمية المستقلة المتوازنة المستدامة، والتي نجم عنها بنى قوية مقاومة صلبة وصعبت الاختراق في الوقت الآني، فجرى اللجوء لبدائل تخلق الفوضى وتخرب التوازن وتسيل العقائد والأفكار، وتكون جسراً لنقل ما رسموه، وبالتالي استعمار واستلاب وهيمنة مستدامة عوضاً عن التنميات، وتقوم على تخريب التنمية وتشويهها واللعب بمدخلات الإنتاج وعرقلته، وتصعيب الاعتماد على الذات وخلق القيم المضافة بكل القطاعات (زراعة وصناعة وحتى سياحة) وهو ما وجدوه بفرض وصفات جاهزة عبر أدوات نتائجها أخطر من السلاح النووي، وهو ما وجدناه بمخرجات وتوصيات مؤتمر واشنطن وبفرضيات منظمة التجارة والبنك الدولي وصندوق النقد والساعي لفرض نموذج ليبرالي كما يدعو، والذي يعني حرية السوق عبر السوق ينظم نفسه ودعه يعمل دعه يمر، وهو أكبر كذبة بالتاريخ، فأي سوق تنظم نفسها في ظل فوضى عارمة مهدتها أدواتها؟ وأي دعه يعمل ودعه يمر وهم أكثر من يتدخل لحماية منتجاتهم؟ وأي ليبرالية في ظل بنى وأمراض مختلفة خلقت برعايتهم؟ ومن ثم بعد فرض أجندتهم القائمة على سحب تدخلات الحكومات عبر قتل القطاع العام وتجميد دور المنظمات والأحزاب وسرقة الكفاءات سحب ما سمي بالدعم وفرض القروض التي طالما أفلست وأفقرت دولاً من خلالها، ولا ننسى الأرجنتين والبرازيل، وبذلك يقع المحظور وتدخل البلدان في تواتر الاحتلال والاستلاب المستمر وتكبر كرة العرقلات وتعود البلدان لعصور الجاهلية، وقد ارتأت هذه الإمبريالية عبر تجارب وتجارب الدور المهم للمصارف المركزية في المضي قدماً في قلب الطاولة الاقتصادية متزامنة مع مضاربات عبر تقنيات العولمة وترك العملية تمر كما يريدها القائد المعولم وأدواته بما يصعب الحلول وكما يطلبون تعويم العملة ضمن الحريات الليبرالية التي طالما نعقوا ونهقوا بها، وهم كانوا عرابي منعها وعرقلة أي وصول لها عبر نخب غير منتمية عابدة لما ظنوه إلهاً صنعوه هو المال القذر الشبيه بأفكارهم ومبادئهم، وليكونوا جسراً مأجوراً لتدمير أي أمل بذاتية وموضوعية مقاومة استعمار واحتلال قادم مثبط لأي تفاؤل.. لتتعاون قوى الظلام ولتسود الظلامية.

ويستمر مسلسل صفعات نظنها غادرة وعلى غفلة والكل يعرفها ويعرف توقيت ضربها ويتجاهل.. للأسف الكل ترهبه السلفيات الدينية علماً أن روحانيات الأديان توصي بالإنسان وتوصلنا للإنسانية ولكن متعمقين بسلفيات لم تعد تنفع بتخندقات حتى من أنارها تخلى عنها.

طالما قلنا أهم متطلبات الحاضر مقاومة وممانعة المشروع الإمبريالي المستتر لتدمير جهود ومنجزات نقلت الشعوب النامية لمراتب ولمستويات جيدة وقطعت أشواطاً ولإعادة هؤلاء لما قبل الجاهلية في نظرة استعلائية وفي رؤية تعيد العالم لفئة القادة وهي قلة من مليارديرات سلبت ونهبت العالم، وبقية عبيد ضمن طبقات وسويات.

للأسف منظومة لا تنتمي للإنسانية تقود العالم لمجهول وتسر لأن الأغلبية تسير بما تفرضه ولا تجد من يواجهها.

نحو احتلالات واستلابات مستدامة.. على أنقاض تنميات مستدامة بذلت من أجلها كل الجهود والثروات والأرواح.

 

العدد 1112 - 26/6/2024