تجارب الاستثمار في الماضي.. ماذا عن الغد؟

بشار المنيّر:

وضعت الحكومة منذ أيام التعليمات التنفيذية لقانون الاستثمار الجديد، ورغم التفاؤل الذي أبدته الحكومة بحصاد وافر في زمن نسينا فيه الحصاد، نؤكد هنا ضرورة دراسة تجاربنا السابقة مع قوانين الاستثمار منذ عام 1991 وأخذها بالحسبان، وما القيمة المضافة التي قدمتها الاستثمارات خلال العقود الثلاثة لقطاعاتنا الاقتصادية؟ هل سيوجه القانون الجديد الرساميل المستثمِرة نحو القطاعات الأساسية المنتجة، أم سيترك الأمر كما في الماضي لمشيئة المستثمرين، في مرحلة تتطلب خطة حكومية واضحة لإعادة إعمار بلادنا بعد تداعيات الأزمة والغزو الإرهابي؟

لقد طالبنا على صفحات (النور)- وطالب غيرنا أيضاً– بوضع خطة حكومية بمشاركة القطاع الخاص المنتج، لإعادة الإعمار، وكنا نتوقع أن تعلن هذه الخطة قبل وضع القوانين المحفزة للرساميل الوطنية، كي توجهها إلى أوليات عملية إعادة الإعمار، لا أن تترك هذه الاستثمارات تبحث عن الربح في قطاعات ريعية وهامشية، وتبقى القطاعات الرئيسية المنتجة تعاني نقصاً في الاستثمارات.

الاستثمار.. نعم، إنه الاستثمار الخاص والعام، والأولوية اليوم في ظل تراجع الإيرادات الحكومية، للاستثمار الخاص ومشاركة الرساميل الوطنية المنتجة في المشاريع الحيوية للاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة) بالدرجة الأولى، وكذلك مشاريع البنية التحتية. دون الاستثمار لا يمكن تأمين التراكم الداخلي.. ولا توليد فرص العمل.. ولا إنتاج المواد الرئيسية التي تسد حاجات ومستلزمات المواطنين السوريين بدلا من استيرادها، ولا زيادة مداخيل العاملين، ولا تحفيز الطلب في الأسواق.

في العقد الماضي جرى سعي محموم لاجتذاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، لكن ما كان مفقوداً هو توجيه هذه الاستثمارات باتجاه الاقتصاد الحقيقي، أي الصناعة والزراعة ومشاريع البنية التحتية، وتوزيعها على المناطق الأقل نمواً في البلاد.

 

تجارب الماضي  

منذ إعادة هيكلة الاقتصاد السوري وفق اقتصاد السوق في عام 2000، عملت الحكومات المتعاقبة على تشجيع الاستثمارات بجميع مسمياتها على توظيف الأموال في قطاعات الاقتصاد السوري، استناداً لمبدأ التعددية الاقتصادية، فأزاحت عن طريقها آلاف العقبات والحواجز والعراقيل، بل ألغت، من أجل استكمال أسباب تغلغلها في شرايين الاقتصاد الوطني، مئات القوانين المعيقة، وسنّت بدلاً عنها قوانين جديدة.

ورغم ما جاء في التشريعات الناظمة لعملية الاستثمار من عوامل جذب للاستثمارات، وتشميل 2495 مشروعاً بين الأعوام الممتدة بين 2001 و2009، بلغت تكاليفها الاستثمارية نحو تريليون و550 مليار ليرة سورية، فقد احتلت سورية المرتبة 137 عالمياً في مؤشر سهولة الأعمال عام 2009، متقدمة من المرتبة 140 عام 2008، كما احتلت المرتبة الحادية عشرة من أصل 18 دولة عربية في استقطاب الرساميل الأجنبية البالغة نحو 80.7 مليار دولار عام 2009، إذ استقطبت نحو1.5 مليار دولار.

الحكومات السابقة في العقد الماضي، لم تكتفِ بعدم ضخ استثمارات جديدة في القطاع العام الصناعي بهدف تحديثه وتطويره، ليؤدي دوره في العملية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص، بل أحجمت أيضاً عن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة، فهي استثمارات لمجرد دخولها الأراضي السورية، وهي استثمارات حتى إذا كانت تنتج (زيت الخروع والشامبو)، وهي استثمارات حتى إذا راحت تضارب بأسعار الأراضي والعقارات! وتقيم الجزر العقارية والسياحية المخصصة للنخبة. لنتابع هنا انعكاس هذه السياسات الاستثمارية على القطاع الأبرز في الاقتصاد السوري، وهو قطاع الصناعة التحويلية الذي يعدّ بجميع المقاييس القاطرة لأي تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية.

قالت الحكومة آنذاك على لسان النائب الاقتصادي إن حجم الاستثمارات في الصناعات التحويلية خلال سنوات 2004- 2008، بلغ 400 مليار ليرة سورية، وإن معدل نمو الناتج الصناعي بلغ وسطياً 14%، وهي تسهم بنحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر فرص العمل لنحو مليون عامل، لكن وزارة الصناعة، في آخر تحليل للوضع الراهن للصناعة السورية، أجرته بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة، تقول شيئاً آخر:

نسبة مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 7.8 % في عام 2008 بعد أن كانت 6% في عام 2005، وساهم في تشغيل نحو 10% من إجمالي العاملين في عام 2008. (1).

 

حصادنا في الماضي

والآن، أين الحقيقة في حجم الاستثمارات؟ وأين الحقيقة في نسبة مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي؟ هل أدى توظيف هذه المليارات إلى هذا التطور (المخزي) لمساهمة الصناعة في الناتج من 6% إلى 7.8 %؟! وكيف توصل النائب السابق إلى نسبة 12% التي كان يرددها باستمرار؟

الحقيقة في مكان آخر، إنها السعي المحموم لاستجداء الاستثمارات دون توجيه.. دون تخطيط لما نريده من هذه الاستثمارات. وإذا استثنينا الاستثمارات الواردة بموجب اتفاقيات بين الحكومة والصناديق العربية والأجنبية لأهداف محددة، نتوصل إلى أمور أغرب من الخيال!

مليارات استثمرت في الزراعة، لكن مساهمتها في الناتج المحلي تراجعت من 24% إلى 17% بين عامي 2006 و2010!

مليارات استثمرت في النقل، لكنها لم تذهب إلى النقل السككي، بل لشراء بولمانات وسيارات وميكروباصات! وما يزال المواطن يعاني حتى يومنا هذا أزمة في النقل والتنقل!

مليارات ومليارات استثمرت في السياحة ومثلها في العقارات، لكنها لم تؤدِ إلى تحسين الوضع المعيشي للمواطن السوري، بل ازدادت الصعوبات التي يعانيها، وتراجع دخله الحقيقي، وارتفعت نسبة البطالة، وتعددت بؤر الفقر، فأين هي الحقيقة في مساهمة الاستثمارات في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟

 

الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)

ازداد تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) إلى سورية خلال الفترة الممتدة بين عام 2000، وعام 2008، وبلغ عدد المشاريع الاستثمارية التي تضم شركاء عرباً وأجانب، المشمولة بقوانين الاستثمار 234 مشروعاً، منذ عام 1991 ولغاية عام 2008، وبلغت تكاليفها الاستثمارية 692 ملياراً و 700 مليون ليرة سورية، أي ما نسبته 43% من إجمالي التكاليف الاستثمارية لجميع المشاريع المشمولة بقوانين الاستثمار.

ونبين في الجدول التالي مشروعات الاستثمار الأجنبي المنفذة، وقيد التنفيذ في الفترة الممتدة بين عام 2004 وعام 2008، بملايين الدولارات :

القطاع  2004 2005 2006 2007 2008

النفط    157   100   111   97     415

السياحة 60     300   225   385   490

التأمين  –        –        93     50     23

المصارف       45     45     64     130   28

زيادة رأسمال المصارف          –        –        30     30     22

قطاعات أخرى  45     83     59     265   54

الإجمالي         307   528   582   957   1032

يتضح من الجدول توجه الاستثمار الأجنبي المباشر نحو القطاعات الخدمية والعقارية والسياحية والمصرفية، فهو لم يخرج عن المسار التقليدي لمساهمته في جميع البلدان النامية.

 

خاتمة

إنها أمثلة من الماضي، أوردناها بهدف أخذ العبر والدروس، والعمل على تشجيع الاستثمارات التي تخدم المرحلة التي تمر بها بلادنا، وعدم الاكتفاء بوضع تشريع يلبي المتطلبات الاقتصادية المحضة فقط، بل يدقق في انعكاسها على الوضع الاجتماعي والمعيشي لجماهير الشعب السوري، الذي عانى كثيراً قبل الأزمة والغزو، وخلال سنوات الجمر المريرة.

ونحن إذ نؤكد دور الاستثمارات الخاصة في إنهاض الاقتصاد الوطني، نؤكد أيضاً على الاستثمار الحكومي لتطوير القطاع العام الصناعي، وجميع المرافق العامة، والحفاظ على ملكية الدولة وإدارتها لهذه القطاعات، وعدم خصخصتها تحت شعار (التشاركية)، فهناك العديد من الفرص المتاحة أمام المستثمرين بعيداً عن القطاعات العامة، التي نرى تحفيزها بضخ استثمارت جديدة فيها، لتلعب دوراً في العملية الاقتصادية عملاً بــ(التعددية الاقتصادية).

وأخيراً، نجزم بأن أي تشريع استثماري محفز للرساميل الوطنية والأجنبية، لن يكتب له تحقيق أهدافه دون حزمة من التشريعات الأخرى المساندة، والإجراءات التي تقنع المستثمرين بالبيئة الجاذبة لاستثماراتهم، وأهمها الأمن.. والاستقرار، القضاء العادل والنزيه، والمناخ الخالي من الفساد و(المتعيّشة) ومقتنصي فرص الاستثمار، والإدارة الواعية للعملية الاستثمارية.. البعيدة عن الروتين والبيروقراطية، لكن الأبرز هنا هو معدل الأجور في البلاد، فالأجور المنخفضة بعكس تصور البعض، لا تشجع على الاستثمار بسبب تراجع معدلات الاستهلاك، وبالتالي زيادة فترات استرداد الأموال المستثمرة.

أما الشرط الرئيسي لإنجاح الجهود الحكومية في عملية جذب الاستثمارات فهو نجاح الجهود السلمية لحل الأزمة السورية، وتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية، والخلاص النهائي من سيطرة الفساد على مفاصل رئيسية في الإدارة والاقتصاد، إذ يستحيل جذب الاستثمارات إلى بلد مازال يعاني من احتلال أجنبي لجزء هام من أراضيه، ويقاسي الأمرين بسبب الحصار الاقتصادي والعقوبات الجائرة، ويواجه سكانه معضلات معيشية واجتماعية أوصلتهم إلى قوائم الفقر والفقر المدقع، وسط تواضع حكومي في معالجة هذه المعضلات.

basharmou@gmail.com 

 

المراجع

1 – راجع التقرير الثالث لهيئة الاستثمار 2008

العدد 981 - 20/10/2021