آهات تخترق حدود المدى

ريم داود نخلة:

لم تعلم تلك السيدة التي بلغت فترة مخاضها الأخير أن الآلام والآهات التي تعانيها آلامٌ طويلة الأمد، فقد ظنت كما جميع الأمهات أن تلك الآلام ستزول مع زوال المخاض وحدوث الولادة، غير مدركة أن آهاتها وأوجاعها بدأت مع أول صرخة أطلقها مولودها، وأنها تبدأ مسيرة جديدة غير التي عهدتها ودرباً جديداً عنوانه (الآخ)!

ثكالى يصحن وأرامل يبكين وأوجاع تضني القلوب وتعصر الفؤاد. كيف لا تصيح هذه الأمهات والألم يغزو قلوبهن والحزن يشطر أكبادهن؟ سنوات من التعب والسهر ذهبت سدى، أيام وليال وهي تنتظر ذلك الرضيع حتى يشبّ ويكبر، على أمل أن يبادلها الواجب ذاته في الحنان والرعاية والاهتمام لما تبقى لها من سني حياتها؟! كيف لا تصرخ الأمهات أمام الفقر والجوع والمرض، وأمام الهجرة والفقدان واللوعة، وأمام كل هذا العذاب، ليناطح صوت صراخها السحاب مخترقاً غيوم الذل والقهر والاتضاع؟!

 

آخ من الفقر

لم تعِ والدة الرضيع صعوبة الحياة وقسوتها بشكل واضح، فكل ما كان يشغل بالها في تلك المرحلة هو طفلها القادم، وماذا عليها أن تفعل لتؤمّن له حياة طبيعية كريمة، وعلى الرغم من سوء الأحوال المادية للأسرة، إلا أن تلك السيدة أصرت على إنجاب طفلها لتحقق من خلاله أمومتها، فيزيّن دنياها ويلوّن سواد أيامها، فـ(المال والبنون زينة الحياة الدنيا) ولم تدرك مرارة وحسرة الفقر إلا عندما بدأت تسعى بكل إمكاناتها وطاقتها الجسدية والمادية لتأمين عبوة حليب لطفلها دون جدوى.

وعلى الرغم من أنها كانت دائمة الشكر والحمد إلا أنها لم تشعر يوماً بالإهانة والمذلة واتضاع الحياة إلا في تلك اللحظة، وهل يعلم معنى الألم إلا من اختبره؟ وأي ألم أقسى وألعن وأقبح من أن يعجز الانسان عن إطعام ابنه؟ وأن يفشل في تأمين حاجاته الأساسية لأنه يواجه قدرا أرعن وضيعاً وغير عادل. أولا يحق لتلك الوالدة أن تصرخ ليخترق صوتها حدود المدى؟

 

آخ الفقدان

جلجلة، ضجيج، عويل، ونحيب هكذا كان المشهد في ممر أحد المستشفيات: ممرضات، أطباء، وكادر تخصصي.

لم تع والدة المريض أبعاد تلك الزحمة الحاصلة، مشهد غني عن التعريف كان جل ما آلمني فيه هو صورة تلك المسنة التي اتخذت من كرسي الزاوية مقراً لها تصلي بكلتا يديها وتتضرع سائلة الله اللطف والرحمة والعطف متمتمة بأنين خافت: (يا الله لا أسلك رد القضاء، إنما أسألك اللطف فيه!).

خرج أحدهم من الداخل بعد لحظات وأعلن حالة الوفاة. ذهول أصاب تلك الوالدة وهي تردد للطبيب (مستحيل! كيف يموت؟ لك دخل لعندكن بعملية مرارة، أكيد عم تمزح!).

اكتشفت العائلة أن خطأ طبياً ارتكبه الطبيب الجراح أودى بحياة ذلك الشاب بعد معاناة مريرة داخل العناية المركزة، تاركاً خلفه أماً ثكلى تنوح وزوجة مفجوعة تندب حسرة أطفالها. أولا يحق لتلك الوالدة أن تصرخ ليخترق صوتها حدود المدى؟

 

آخ الهجرة

سنوات من التضحية والعذاب تكبدتها والدة أولئك الشبان، ألم وحرمان عاشته في سبيل أبنائها، على أمل أن تراهم رجالاً شباباً مستقلين منتجين.

كان جل ما اهتمت به هذه الأم هو تأمين أبنائها ورعايتهم وتربيتهم تربية فاضلة ليسلكوا الطريق الصحيح، فيبادلوها من الواجب والرعاية ماقدمته لهم طوال سنوات حياتها، لكن ذلك لم يحدث فكل ما خططت له الوالدة المسكينة ذهب سدى، ووسط ألم وحرقة ودموع كان تودع أبناءها واحداً تلو الآخر وهي تعلم أنهم ذاهبون دون عودة.

ووسط تفاقم القلق والإحساس المقيت بأنهم مهما عملوا ومهما أنتجوا على مرّ السنوات فإنهم لن يحصلوا على أية نتيجة جاء قرارهم بالهجرة ومغادرة الوطن هرباً من واقع مرير وشبح بات يطارد شباننا مع بلوغهم عامهم الثامن عشر، وهل سيقضي الشاب سنوات إنتاجه وتأسيس مستقبله في الخدمة الإلزامية؟

أم أنهم سيحاولون متابعة تعليمهم لأطول فترة ممكنة بغية تأجيل هذا الواقع؟

أم يسلكون طرقاً أخرى قد تكون شرعية أو غير شرعية والهدف منها واحد؟ أولا يحق لتلك الوالدة أن تصرخ ليخترق صوتها حدود المدى؟!

 

آخ غصة الفرح

أسبوع يفصل العروسين عن موعد زفافهما المنتظر لكنه ليس زفافاً كالمعتاد، فتلك العروس تجهزت بطريقة مختلفة عن التي عهدناها.

حقيبة توضب، ثياب تناسب السفر، التحقق من جواز السفر، بعض النقود، وسيارة أجرة تنتظرها أسفل البناء.

غادرت العروس منزل أهلها منطلقة نحو المطار لتتم مراسم الزواج من خطيبها بعد انتظار دام خمس سنوات، انطلقت الفتاة إلى إحدى الدول التي سمحت لهم بدخول أراضيها، فحال ذاك الشاب كحال الآلاف من الشبان غير القادرين على القدوم للبلاد.

غادرت الفتاة وزغاريد أمها ممزوجة بدموع الألم وغصة الحزن

صراع عاشته والدة العروس بين حزن وسعادة، دموع وابتسامة، كيف لا وهي تنتظر هذه الفرحة منذ سنوات وتحلم بمرافقة فتاتها ليلة زفافها، لكن القدر شاء عكس ذلك. انطلقت الفتاة وسط بكاء وآهات والدتها. ألا يحق لتلك الوالدة أن تصرخ ليخترق صوتها حدود المدى؟!

تكتوي أمهات السوريين بلوعة فراق أبنائهن يوماً بعد يوم على أمل اللقاء بهم في هذه الحياة او في الديار الخالدة، فالأمهات هن الخاسر الأكبر تكتوي قلوبهن بألم الفراق والخوف على من تبقى متحملين الشوق واللوعة والحسرة والدموع وسط محاولات دائمة لأداء واجبهن على أكمل وجه، وتمر الأيام حزينة مقيتة لا تحمل سوى الغصة وحرقة القلب.

 

 

العدد 981 - 20/10/2021