سرُّ النجاح الأُسري.. إحساس بالمسؤولية

إيمان أحمد ونوس:

تقوم الذهنية المجتمعية السائدة على مفاهيم عامّة لا تقبل في كثير من الأحيان تغييرها رغم كل ما يطرأ على الحياة من مُتغيّرات قد تكون إيجابية في بعضها. ولعلّ شكل الأسرة بشكلها التقليدي المُعتاد والقائم على ثلاثة أركان أساسية: (أب، أم، وأولاد) هو السائد حتى يومنا هذا، وما عداه فهو نشاز لا يمكن، من منظور اجتماعي تقليدي، أن يحوز مكانة اجتماعية كاملة، أو أن يُعطينا أنغاماً عذبة وألواناً بديعة مهما ارتقى.

ولكن، إذا ما عُدنا للبحث أو التمحيص في تجارب مُغايرة كانت الأسرة فيها قائمة على أحد الأبوين فقط وبرفقة الأولاد، نجد أنها تتمتّع بكل ما توصف به الأسرة المُستقرّة أو المُتكاملة رغم ابتعاد الطرف الآخر (الأم أو الأب) لأسباب مُتعدّدة كالوفاة أو الطلاق أو السفر، وذلك بسبب الإحساس العالي بالمسؤولية الأسرية والتربوية من قبل الطرف الموجود من الأبوين، واقتناعه بأن لا ذنب للأبناء فيما حصل من شقاق بين الأبوين في حالة الطلاق، أو غياب أحدهما في حالات الوفاة أو الهجرة أو الاعتقال أو… الخ، فكان أن احتل الموقعين معاً (أب وأم) خلال تعامله مع الأبناء رغم مشاقّ الحالة وصعوبتها، ونجح في مختلف المهام الأسرية والتربوية وحتى المجتمعية التي تتطلبها الأُسر التقليدية حتى وصل إلى النهاية الطبيعية، سواء بتعليم الأبناء أو عملهم أو زواجهم. وهنا قد نجد في حالة هذه الأسرة وأمثالها نجاحاً واستقراراً تفتقده بعض الأُسر متكاملة الأركان، بسبب عدم امتلاك الأخيرة دوافع التربية السليمة والعلاقة الإيجابية التي قام عليها النموذج المُغاير، ربما بسبب عدم الانسجام بين الأبوين، أو عدم قدرتهما المعرفية والثقافية على تربية الأبناء والاهتمام بهم بشكل عقلاني ومنطقي بعيد عن الخلافات الشخصية أو الزوجية، فيكون لدينا أبناء يفتقدون الاستقرار النفسي والعاطفي من جهة، مثلما يفتقدون امتلاك أسس التميّز أو النجاح في الحياة الدراسية أو الاجتماعية.

أمّا إذا أمعنّا النظر بواقع الأسرة السورية اليوم وبعد حرب سنوات الجمر التي أحدثت تغييرات جذرية في العديد من المفاهيم الاجتماعية والقيمية، فنجد أن الأسرة السورية قد تعرّضت لهزّات وانتكاسات خطيرة وعلى مختلف الصُّعُد، بسبب التهجير والنزوح وغياب كلا الأبوين أو أحدهما وغالباً ما يكون الأب بسبب التجنيد أو الاعتقال أو الخطف أو الموت والهجرة القسرية أو الاختيارية، وبالتالي فإن كثيراً من الأُسر قد فقدت أحد أركانها، ممّا ترك الطرف الآخر وحيداً مع كل الأعباء المادية والمعنوية التي تحتاجها الأسرة وتربية الأبناء في ظروف مادية واقتصادية وحتى اجتماعية قاسية لا ترحم، وفي ظلّ تخلخل القيم الاجتماعية والأخلاقية التي فرضتها ظروف الحرب وويلاتها، وقد تجاوزت العديد من هذه الأُسر مختلف العقبات والعراقيل التي اعترضتها أو تعترضها باستمرار بسبب الوضع الاقتصادي المُتردي في البلاد، وذلك بحكمة الطرف الموجود من الأبوين وصبره وإحساسه العالي بالمسؤولية تجاه أبناء لا ذنب لهم إلاّ أنهم جاؤوا إلى دنيا مليئة بالحروب والمآسي كما يقولون. وكذلك فإن الأبناء قد نشؤوا على المحبة والأخلاق الإيجابية التي تمّ تعزّيزها من قبل الطرف الموجود (وغالباً ما تكون الأم)، فكانت هذه الأسرة نموذجاً للاستقرار والنجاح إلى حدٍّ ما. لكن، لا يُمكننا إغفال أن العديد من الأبناء قد خسروا الأبوين معاً بسبب الموت أو لأسباب ذكرناها أعلاه، واختار الطرف المتبقي الرحيل أيضاً ليبدأ حياة جديدة تاركاً الأبناء في رعاية الأجداد أو الأقارب ممّا قد يعرّضهم لافتقاد الحنان والاهتمام الكافيين، فينشأ الأطفال ولديهم بعض العدوانية والقسوة تجاه الآخرين بسبب تخلي الأبوين أو أحدهما عنهم، وخاصة حين تكون الأم هي من تخلى عنهم بسبب زواج آخر، أو رفض أهلها قبول الأولاد معها. وهنا لا يمكننا أن نُطلق حكماً إيجابياً على أولئك الأبناء الذين ولا شكّ سيعيشون حالة مرعبة من التشتّت والتمزّق العاطفي والأخلاقي والنفسي الذي خلّفه غياب الأبوين معاً.

إن هذا الواقع يفرض علينا جميعاً أفراداً وهيئات ومؤسسات مدنية أو تربوية التعامل معه بمنظور مُختلف عمّا كان عليه سابقاً، كما يفرض أولاً على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ممثّلة بالهيئة السورية لشؤون الأسرة النظر إلى هذا الواقع والتعامل معه من منطلق مهامها الأساسية في صون الأسرة السورية والارتقاء بها في حالة السلم، فكيف والحال كما وصفنا في ظلّ الحرب بكل ما خلّفته من آثار سلبية خطيرة على غالبية الأُسر، وقبل كل هذا يفرض على الإعلام بكل وسائله أن يُلقي الضوء على الواقع الأُسري الذي يتطلّب اليوم توصيفاً وتقييماً جديداً مُغايراً لما كان سائداً عن الأسرة المتكاملة أو الناجحة والسعيدة، وأن يستعرض النماذج الإيجابية لأُسر فقدت أحد أركانها لتكون نموذجاً يُحتذى في المجتمع، لاسيما للنماذج السلبية من الأُسَر التي تُرك فيها الأولاد لمهب رياح الحياة يواجهونها وحيدين وعُزّلاً إلاّ من قلقهم وخوفهم من كل ما يحيط بهم بسبب فقدانهم الأمان العاطفي والاجتماعي، ما يتركهم عرضة إمّا للعنف أو التعنيف والتنمّر الذي بات اليوم سمة أساسية لدى غالبية أولئك الأبناء.

العدد 977 - 22/09/2021