واقع الأمن المائي في سورية بين العجز والإرشاد المائي

سليمان أمين:

تعتبر المياه من أهم الموارد الطبيعية التي تشكل العمود الفقري للحياة على الأرض، وإن تحقيق الأمن بتوفير المياه والمحافظة على جودتها وحمايتها من التلوث وتدارك الكوارث المتعلقة بها يعتبر السبيل الأساسي للعيش وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والحفاظ على النظم الحيوية والاستقرار لأي بلد، فالهدف الأساسي للأمن المائي يتمثل في تحقيق الكفاية والاستدامة والعدالة والإدارة المستقبلية للموارد المائية.

وتبرز أهمية الأمن المائي بوصفه من الموضوعات الاستراتيجية ذات العلاقة بالأمن الوطني والأمن القومي الشامل، وهو مكون أساسي من مكونات السيادة الوطنية لأي دولة.

إن تحقيق الأمن المائي يحقق الاستقلال والانتعاش الاقتصادي والاستقرار السياسي.

خلال الفترة الماضية ظهرت العديد من المؤشرات أن الأمن المائي في وطننا السوري يتعرض لمجموعة من التحديات التي تعد من أهم القضايا التي يواجهها المستقبل السوري، وخصوصاً أنها باتت واضحة وجلية بشكل كبير جداً ونحن على عتبة صيف 2021، ويعود السبب الرئيسي إلى التغير المُناخي الكبير الذي حدث، وتراجع الهطل المطري تراجعاً كبيراً، وتعتبر الأمطار هي المورد الرئيسي للمياه في سورية، مما يؤثر على توافر جميع الموارد المائية الأخرى. ويقدر متوسط موارد مياه الأمطار السنوية بحوالي 46 مليار متر مكعب، وتساهم الأمطار بحوالي 20% من موارد المياه المتجددة، وهناك مصادر أخرى للمياه في سورية مثل المياه السطحية كالأنهار والينابيع، المياه الجوفية، موارد المياه غير التقليدية (معالجة مياه الصرف الصحي وتحلية مياه البحر وهي ما زالت محدودة بسبب ارتفاع التكاليف وبعدها عن مناطق العجز المائي).

ويعزى العجز المائي في وطننا السوري إلى عدة أسباب وفق ما ذكرته بعض الدراسات نذكر منها:

سوء التخطيط وسوء إدارة الموارد المائية ضمن الأحواض المائية من قبل الجهات القائمة على الشأن المائي في سورية، وفق بعض الدراسات، وعدم التوازن بين التوزيع السكاني والموارد المائية في بعض الأحواض المائية، إذ تمثل المياه المتوفرة في حوض بردى أقل من 7% من موارد المياه في البلاد، في حين يقطنه 30.4% من مجموع السكان، أما في حوض الفرات وحلب فتمثل المياه المتوفرة 46% في حين أنه يضم فقط 31.8% من إجمالي عدد السكان.

إخفاق الحكومات المتعاقبة في إحداث تنمية إقليمية فاعلة ضمن البلاد، أدى إلى تركز الكثافة السكانية والصناعية في بعض المدن، وبالتالي استنزاف الموارد المائية لأحواضها المائية، نتيجة الضغط الكبير على استهلاك المياه.

الظروف والتغيرات المناخية المرتبطة بالجفاف انعكست بشكل سلبي على الوارد المائي وأدت إلى اختلال التوازن بين الأحواض المائية وعدد السكان.

الزيادة المستمرة في عدد السكان والطلب على الغذاء والتوسع الأفقي في المساحات المزروعة جعلها عبئاً على المخزون المائي، وسبباً من أسباب الهدر والاستنزاف الدائم والمستمر للموارد المائية.

يرتبط مفهوم الأمن المائي بالمؤشر الكمي الخاص به، والمرتبط بمفهوم الميزان المائي، إذ يقل الأمن المائي كلما زادت درجة المحدودية في الموارد المائية، والعكس بالعكس، وينصرف مفهوم المحدودية في الموارد المائية حسب المعيار الكمي إلى كل من:

1- حالة الفقر المائي، التي يقل فيها نصيب الفرد السنوي من المياه عن 1000 متر مكعب وفقاً للدراسات العالمية.

2- حالة العجز المائي، التي يفوق فيها حجم الاحتياجات المائية الموارد المائية المتجددة والمتاحة، وعندما يصل العجز إلى درجة تؤدي إلى أضرار اقتصادية واجتماعية تهدد بنية الدولة، فإنه يسمى بالأزمة المائية.

الإرشاد المائي خطوة مهمة لمعالجة واقع الأمن المائي

نشر مفاهيم الترشيد الحديثة المبنية على مبدأ التشاركية في إدارة الموارد المائية، وعلى الأسس العلمية وباستخدام التقنيات الحديثة في الري التي تؤدي الى توفير ما أمكن من الماء، مع الحفاظ على الإنتاج أو زيادته كماً ونوعاً، ما ينعكس في زيادة المردود الاقتصادي للمزارعين وغيرهم من مستخدمي المياه وتوزيع الماء بالشكل العادل على كل المناطق والتجمعات، وبالتالي تحقيق الأمن المائي على المستويين المحلي والوطني.

إن ترشيد استخدام المياه هو النقطة الأهم للحفاظ على الموارد المائية، ومفهوم الترشيد لا بد أن يكون ثقافة ومنهجاً وسياسة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو على المستوى الوطني لتحقيق الأمن المائي.

إطلاق حملات الإرشاد المائي على أسس جديدة تتلاءم مع كل منطقة وظروفها المناخية والطبيعية والمائية، وتتلاءم مع وسائل الإعلام الحالية والسوشال ميديا، والتوجه إلى مستخدمي المياه بشكل مباشر من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لخلق أسلوب تواصل يمكّن من إيصال الخبرات والمعلومات وكل ما يستجد في هذا المجال، بحيث تساعد الفلاح على تخطي العقبات في مجال المياه، وتمكّن الوزارة من نشر مفاهيم تساعد على الحد من استنزاف الماء.

ختاماً

إن تحقيق استقرار الأمن المائي هو الخطوة الأهم لتحقيق الأمن الوطني والاقتصادي لأي بلد، والمسؤولية تقع على الجميع وليس فقط على الحكومة، فيجب أن نتدارك واقعنا المائي، وأن نفعّل سياسة الإرشاد التي سوف توقف هدر المياه واستنزافها.

العدد 963 - 9/06/2021