بين الاقتصاد.. والمعرفة

بشار المنيّر:

العلاقة بين المعرفة والاقتصاد قديمة قدم استغلال الإنسان خبراته العملية التي جعلته يستعين ببعض الأدوات لزيادة محاصيله، وتنويع إنتاجه، وشيئاً فشيئاً تراكمت تلك الخبرات التي أدت إلى ارتفاع مضطرد في إنتاج الخيرات المادية، حتى اختراع المحرك البخاري الذي يعتبر بداية النظام الرأسمالي الذي قام على الإنتاج الكبير والحاجة إلى الأسواق لتصريفه مما أدى إلى هدم الإقطاعيات بفعل النظام الذي نما في أحشائها.                                                                                      

لقد رافقت المعرفة الإنسان منذ أن تفتّحَ وعيه، وارتقت معه من مستوياتها البدائية، لكن الجديد اليوم هو ازدياد  تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمط حياة الإنسان، وذلك بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية، فقد شهدت ثمانينيات القرن العشرين أعظم تغيير في حياة البشرية، بعد ظهور الزراعة والصناعة، وتمثّل بثورة العلوم والتقانة فائقة التطور في المجالات الإلكترونية والنووية والفيزيائية والبيولوجية والفضائية، وكان لثورة المعلومات والاتصالات دور الريادة في هذا التحول، فقد مكّنت الإنسان من فرض سيطرته على الطبيعة إلى حد أصبح فيه التطور القائم على المعلومات والاتصالات  أكثر تأثيراً في الحياة من بين العوامل الأخرى المادية والطبيعية، لقد باتت المعلومات مصدراً أساسياً لزيادة الموارد الاقتصادية، بل إنها العلامة الفارقة الجديدة في الحياة الاقتصادية،  منذ أن حولت الليبرالية الجديدة العالم إلى سوق واحد تخطى كل القيود والحواجز السياسية والاقتصادية، كما تشكل تكنولوجيا المعلومات في عصرنا الراهن العنصر الأساس في النمو الاقتصادي، فمع التطور الهائل لأنظمة المعلوماتية، تحولت تكنولوجيا المعلومات إلى أحد أهم جوانب تطور الاقتصاد العالمي.                                                                                                                

إن الثورة العلمية والمعلوماتية، وبالأخص ثورة الاتصالات والإنترنت، سمحت لأسياد الاقتصاد العالمي في الولايات المتحدة وأوربا الغربية واليابان، ليس زيادة الإنتاج العالمي من السلع فقط، بل اختراع سلع جديدة تتناسب مع الوعي العلمي، وحاجات الإنسان  لتطوير إدراكه ومعارفه، مما جعل الهوة تزداد اتساعاً بين جيلين من الناس الذين يعيشون على كوكبنا، الجيل القديم الذي تابع تطور التكنيك، لكنه لم يتلقَّ تربية علمية مستندة للمعارف الجديدة ، فاكتفى بالانتفاع  من خيراتها، وجيل جديد نشأ ونما على تلك المعارف وتعلم كيفية تأثيرها في مجمل حياته العلمية والاقتصادية والاجتماعية، وهكذا أصبح الإنسان، الذي لا يسعى إلى مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي سرعان ما يجد نفسه عاجزاً عن ولوج الاقتصاد الجديد والمساهمة فيه. والدولة التي لا تدرك أن المعرفة هي اليوم العامل الأكثر أهمية للانتقال من التخلف إلى التطور ومن الفقر إلى الغنى ستجد نفسها حتماً على هامش مسيرة التقدم، ولن يجسر الهوة بينها وبين مواكبة العالم المتقدم علمياً ومعرفياً استيرادها للتكنولوجيا دون بناء القاعدة العلمية لها في الداخل في صلب النظام التعليمي، وعلى أسس جديدة تراعي هذا التطور الهائل في المعلوماتية والبرمجيات، بدءاً من المدرسة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي، مع توجيه اهتمام مركّز للبحث العلمي، وتجدر الإشارة هنا إلى أن إنفاق الولايات المتحدة في ميدان البحث العلمي والابتكارات يزيد على إنفاق الدول المتقدمة الأخرى مجتمعة، ما ساهم في جعل الاقتصاد الأمريكي هو الأكثرَ تطوراً ودينامية في العالم، إذ بلغ إنفاق الدول الغربية في هذا المجال 360 مليار دولار عام 2000، كانت حصة الولايات المتحدة منها 180 ملياراً تزداد سنوياً بمعدل وسطي يبلغ 6% سنوياً(1).                                              

   تعكس المعرفة مدى السيطرة على الأشكال المختلفة للمعلومات ويمكن تقسيم المعرفة إلى أربعة أشكال هي:                                                                                                                                             

1- معرفة المعلومة ،  وتشتمل على معرفة الحقائق، وهي أقرب ما تكون إلى معرفة المعلومات التقليدية، كمعرفة الحقائق الطبية من قبل الطبيب.

2- معرفة العلّة، وهي معرفة الأسباب وراء ظواهر الطبيعة واستثمارها لخدمة الإنسان، وتتركز مصادر هذه المعرفة في وحدات التعليم والبحث والتطوير العام والخاص.

3- معرفة الكيفية، وتشير هذه المعرفة  إلى الخبرة في تنفيذ الأشياء سواء كانت هذه الأشياء هي إدارة الأفراد أو تشغيل العمليات أو تشغيل الأجهزة والآلات أو استخدامات التكنولوجيا المختلفة، وعادة ما تكون هذه المعرفة ملكاً للشركات والمؤسسات ويحتاج الحصول على بعضها إلى آليات مختلفة ومعقدة ومكلفة.

4 – معرفة أهل الاختصاص، وتزداد حالياً أهمية هذه المعرفة،  معرفة من يستطيع فعل  ما هو ضروري لتنفيذ عمل ما  بشكل سليم واقتصادي (2).

إن تعليم السيطرة على هذه الأنواع الأربعة من المعرفة يتحقق عبر وسائط مختلفة، فمعرفة المعلومة ومعرفة العلّة تؤخذان من الكتب والمؤسسات التعليمية والتدريبية ومن قواعد المعلومات، أما النوعان الآخران فلا يؤخذان كاملاً إلا بالممارسة.                                                                                

لقد أدرك المستثمرون والشركات العالمية العابرة للقوميات أهمية اقتصاد المعرفة، فقامت بتمويل برامج خاصة لرفع كفاءة العاملين لديها وتحسين مستوى تعاملهم مع البرمجيات والاتصالات واستخداماتهما، لقد ارتفع حجم التجارة عبر الإنترنيت في الولايات المتحدة من 43 مليار دولار عام 1998 إلى 1300 مليار دولار عام  2003  وإلى 2000  مليار عام  2005 ، أما في بقية الدول المتقدمة فارتفع حجم تجارتها عبر الإنترنيت من 45 مليار دولار عام  1998 إلى 5600  مليار دولار عام 2005، لقد تزايدت الصناعات المبنية على المعلومات في معظم الدول المتقدمة بالنسبة إلى مجمل  الصناعة بشكل ملحوظ بين عام 1970 وعام 1994، ويتبين ذلك من زيادة  صادرات هذه الدول. وقد تراوحت هذه الزيادات لتصل إلى 36% في حال اليابان و 37% للولايات المتحدة و 43% في ايرلندا و 32% في المملكة المتحدة، وقد بلغ حجم تجارة السلع والمواد الإلكترونيـة 5.4 تريليون دولار عام 2005 (3).                                    

وتدل الدراسات في عدد من الدول الأوربية على ارتفاع الطلب على اليد العاملة المختصة في التعامل مع المعلومات وتكنولوجيا المعلومات ومع المعرفة بشكل عام، وانخفاض الطلب على العمالة غير المتعلمة في ضوء استخدام التكنولوجيا العالية،  وقد حُذفت عشرات ألوف الوظائف من الهياكل الإدارية للمصارف والشركات الكبيرة، وتم الاستغناء عن شاغليها وإعادة هيكلتها بعد دخول المعلوماتية ونظمها  إلى هذه الشركات والمصارف والمصانع، فارتفعت إنتاجية العاملين إلى درجات قياسية، لاسيما في الولايات المتحدة، ويخيم شبح البطالة على ملايين العمال الصناعيين والإداريين في الولايات المتحدة وأوربا بسبب استخدام التكنولوجيا المعلوماتية، ولو نجحت المصارف الألمانية في تحقيق الإنتاجية  السائدة  لدى عملاق المصارف الأمريكية (سيتي كورب) فإن عدد  العاملين الذين سيفيضون عن حاجتها سيبلغ  نسبة 30 %  من عدد العاملين الحالي، أما العاملون الذين  سيفيضون عن  الحاجة لدى  شركات الاتصالات الأوربية فيما لو سادت  فيها نفس الإنتاجية السائدة في  شركة الاتصالات  الأمريكية (باسيفيك) فستبلغ نسبتهم  35%  من العدد الإجمالي (4). 

 بعد هذا التقدم المذهل في استخدام المعرفة العلمية، والتقنيات فائقة التطور التي أنتجتها، والزيادة الهائلة في إنتاج السلع الغذائية والصناعية، وبعد تحرير الأسواق العالمية، وإزالة كل القيود التي تعيق انسياب الصادرات من بلد إلى آخر، أعلن المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للزراعة والأغذية في يوم الغذاء العالمي: إن 854 مليون شخص سينامون مساء هذا اليوم جياعاً!           

وهذا ما يقودنا إلى التساؤل: كيف يمكن للدول النامية، تلك التي تحاول حل المسائل الأساسية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، الاستفادة من ثورة الاتصالات والمعلوماتية في تفعيل أنشطتها الاقتصادية، وحلّ مشاكلها الغذائية، وتحديث صناعتها الوطنية، وزيادة إنتاجية العاملين، ورفع نسبة نموها الاقتصادي؟  والجواب لن يكون: استيراد التكنولوجيا من الخارج، فهذا الحل على أهميته لن يحل المشكلة، فالقضية أعقد بكثير من فتح اعتماد مصرفي، واستيراد مصنع حديث، إنها توطينٌٌ للمعرفة العلمية الحديثة، تهيئةٌ لمجتمع يتعامل مع المعرفة والمعلوماتية وتطبيقاتهما بالاستناد إلى منظومة شاملة من الإجراءات تبدأ من المدرسة، ولا تنتهي في مراكز البحث العلمي.

++++++

المراجع

1- تقرير اليونسكو- الاتصالات والمعلومات في العالم (1999 – 2000م).                                                       

2- محمد مراياتي _ الأسكوا- بيروت.

3- حسانة محيي الدين، اقتصاد المعرفة في مجتمع المعلومات، مجلة مكتبة الملك فهد (2004). 4- هيرست وطومسون – ما العولمة؟

العدد 944 - 20/1/2021