يولد عاملاً

د. أحمد ديركي:

ما زال البحث قائماً حول تخفيض كلفة الإنتاج، لما لهذا العامل من تأثير كبير في عمل آلية النظام الاقتصادي القائم.

من هذا المنطلق تتم عملية تحديث كل ما يمكن تحديثه، من بنى تحتية إلى مختبرات تحسين الإنتاج وصولاً إلى ضخ الأموال في تطوير الذكاء الاصطناعي (artificial intelligence).

تخفيض كلفة الانتاج تساهم بشكل فعال في تحقيق كمّ أكبر من الأرباح عند بيع السلعة. فكان تحسن الطرقات والكهرباء وتخفيض كلف النقل وتطوير الآلات المصنعة للسلعة لتنتج بكلفة أقل ومحاولات إلغاء الضرائب على كبار المستثمرين وتحفيز استخدام (الطاقة البديلة)، لما تشكله خفض في كلفة الإنتاج و…

خلال كل هذه العملية (التطورية) تبين للنظام الاقتصادي أنه كلما انخفضت كلفة الإنتاج ارتفعت مستويات تحقيق الأرباح، ومن العوامل الأساسية في تخفيض كلفة الإنتاج تخفيض كلفة (قوة العمل)!

كيف تخفض قوة العمل؟

من خلال تطوير الآلة تزداد قوة عملها وصولاً إلى أن تصبح فيه الآلة هي قوة العمل المنتجة! ارتفعت نسبة الاستثمارات في هذا المجال بُدئ العمل على تطوير نوع من (ذكاء) تتمع به لتحل المشاكل التي يمكن أن تواجهها الآلة خلال عملها وصولاً إلى حد ما يعرف اليوم بـ(الذكاء الاصطناعي) أو ما هو متعارف على تسميته بـ(الروبوت).

تدريجياً بدأت الروبوتات تدخل إلى سوق العمل، وبخاصة في المصانع الكبرى، مثل مصانع الطائرات والسيارات والبواخر و… إلى حد أصبحت فيه هذه الروبوتات تمثل جزءاً من قوة عمل العمال الموجودين في المصنع وتنافسهم على العمل!

مقابل الروبوت، صاحب قوة العمل، هناك العامل صاحب قوة العمل. لكن الفارق ما بين العاملين، الروبوت والعامل، هو أن الإنسان العامل، الذي لا يملك سوى قوة عمله لبيعها في السوق، يستهلك كمّاً كبيراً من الاموال والوقت ليصبح عاملاً، بينما الروبوت لا يستهلك هذا الكم لا من الزمن ولا من الأموال!

كي يصبح الانسان عاملاً عليه المرور بعدة مراحل زمنية تتراوح ما بين 18 سنة و30 سنة! (مراحل الدراسة وهي مراحل استهلاكية لا إنتاجية بالمفهوم الاقتصادي) وكي ينجب الإنسان عليه أولاً أن يقترن بالجنس الآخر، وعلى الأنثى انتظار 9 أشهر لإنجاب (عامل) المستقبل! بالمجموع هناك ما بين 19 سنة و 31 سنة ليتحول الفرد من الجنس البشري من مستهلك إلى منتج! والعمر الافتراضي لإنتاج الإنسان لا يتجاوز 40 سنة! فهو يصل إلى عمر يعجز فيه عن الإنتاج (عمر 70 سنة وما فوق). أضف إلى هذا كلّه الأمراض التي يمكن أن تصيبه خلال فترته الإنتاجية، وما قبل الإنتاجية وما بعد الإنتاجية. وإن حسبت كل هذه التكلفة مقارنة بالروبوت يتبين أن تكلفة الروبوت لا تذكر بتكلفة العامل الإنسان.

الروبوت يخرج من آلية تصنيعه، التي قد لا تستغرق أكثر من شهر إن كان لصناعة روبوت (ذكي؟) جداً، عاملاً وينخرط بسوق العمل منذ لحظة خروجه من مصنع تصنيعه. وليس بحاجة إلى طعام أو لباس أو سكن أو نقل أو حمل ولا يصاب بأمراض، لأنه صمّم ليعالج مشاكله، ولا يتقاعد ولا… بل يعمل منذ لحظة ولادته عاملاً إلى لحظة إنتهاء عمره الافتراضي، وكل تكلفته تكون تكلفة تصنيعه + تكلفة لاستهلاك الطاقة!

وهنا الروبوت أهم من الانسان في تخفيض كلفة إنتاج السلعة! وبهذا يحقق النظام الاقتصادي القائم هدفه، الإنسان العامل ما زال العائق الأساسي أهم تخفيض كلفة إنتاج السلعة إلى حدها الادنى.

كما يوجد وجه آخر مهم لحسنات الروبوت! الوجه السياسي! الروبوت لا يطالب برفع أجور ولا يطالب بتحسين وضعه المعيشي ولا يملك حقوقاً سياسية ما يجعل من النظام السياسي القائم نظاماً (مثالياً) بالنسبة للروبوت و(لا مثالي) للإنسان العامل!

لكن تبقى المشكلة التي تواجه كلّاً من النظام الاقتصادي والسياسي هي: من سوف يكون المستهلك للسلعة المنتجة إن كان كل عمال العالم روبوتات؟ يا عمال العالم اتحدوا! ليس للقضاء على الروبوتات، فهي لخدمتكم، بل للقضاء على النظام الاقتصادي المستغل (بكسر الغين) لقوة عملكم والمحتكر لقوة عمل الروبوتات.

العدد 944 - 20/1/2021