مستوى المعيشة

 د. عامر خربوطلي:

هناك آية حكيمة وردت في الإنجيل وذهبت مثلاً من كثرة شهرتها وتداولها بين الناس، وهي تقول: (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)! إنها فلسفة الحياة وعمقها، رغم أن الخبز في هذا الزمن غير الجميل أصبح السلعة الأهم لمعيشة الإنسان، إنه تعبير عن العيش وليس الحياة.

الأمور نسبية وقابلة للنقاش إلا أن (مستوى المعيشة) أمر اقتصادي معقد ولا يمكن أن تحدده السلع الأساسية، بل هو يطول موادّ وسلعاً وخدمات عديدة. ولعل السؤال القديم/ الحديث والذي يشغل بال الناس في هذا الوطن المتعب، ما هو الحد الأدنى للمعيشة؟ وهل يتناسب مع الحد الأدنى المعفى من ضريبة الدخل؟ وهل نستطيع تحقيق نهوض اقتصادي وتنمية حقيقية وموارد بشرية مؤهلة ومتفائلة بمستقبل أفضل ضمن حدٍّ متطرف جداً من المعيشة.

يشير مستوى المعيشة إلى مستوى الثروة، الراحة، السلع المادية والضروريات الموجودة لفئة اجتماعية اقتصادية في منطقة جغرافية معينة، ويحتوي مستوى المعيشة على عناصر مثل الدخل، توفر الوظائف وجودتها، تباين الفئات، مستوى الفقر، جودة المساكن ومستوى القدرة على تحمل تكاليفها، عدد الساعات اللازمة للعمل ولشراء الضروريات، الناتج المحلي الإجمالي، نسبة التضخم، عدد أيام الإجازات في السنة، توفر أو مجانية الوصول لرعاية صحية جيدة، جودة وتوفر التعليم، متوسط العمر، حوادث الأمراض، تكلفة السلع والخدمات، البنية التحتية، النمو الاقتصادي القومي، الثبات الاقتصادي، جودة البيئة، الطقس والأمان، أي أن المستوى المعيشي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة الحياة.

يُقاس مستوى المعيشة عموماً بمعايير مثل التضخم الحقيقي (التضخم المعدل)، دخل الفرد، ومستوى الفقر، ومقاييس أخرى مثل توفر الرعاية الصحية وجودتها، عدم تكافؤ نمو الدخل، الطاقة المتاحة (قدرة الدخل القابل للصرف على شراء الطاقة) وأيضاً مستويات التعليم، الأمثلة هي توفر سلع معينة (كعدد البرادات لكل 1000 شخص) أو مقياس الصحة كمتوسط للعمر، هو سهولة حصول الناس الذين يعيشون في زمان واحد أو مكان واحد على ضرورياتهم وحاجياتهم، فكرة المستوى يمكن أن تناقض جودة الحياة، التي تأخذ في الحسبان ليس فقط المقاييس المادية للعيش، لكن بعض الجوانب غير الملموسة التي تشكل الحياة البشرية، مثل الراحة، الأمان، الموارد الثقافية، الحياة الاجتماعية، الصحة البدنية، الجودة البيئية،… الخ المعاني الأكثر تعقيداً لقياس الرفاهية يجب أن تطلب لاتّخاذ هذا الحكم.

على الرغم من ذلك، قد تكون هناك مشكلة حتى مع استعمال متوسطات رقمية لمقارنة مستويات المعيشة المادية، على سبيل المثال مؤشر باريتو (مقياس لاتساع الدخل أو توزيع الثروة) مستوى المعيشة ممكن أن يكون غير منطقي بطبيعة الحال، كمثال، دول لديها مجموعة قليلة، غنية جداً من الطبقة العليا وعدد كبير جداً فقير جداً من الطبقة المتدنية ممكن أن يكون لديهم مستوى عالٍ من الدخل حتى مع وجود غالبية من الأفراد لديهم مستويات منخفضة من المعيشة، تنعكس هذه المشكلة في مقاييس الفقر، التي أيضاً تميل إلى النسبية، هذا يوضح كيف يموه توزيع الدخل المستوى المعيشي الحقيقي.

ما يهمنا في هذا الاستعراض الموجز عن معاني مستوى المعيشة أن الحد الأدنى لهذا المستوى لا يتعلق فقط بالمأكل والمشرب واللباس، إنه سلة متكاملة من المواد والخدمات المادية والمعنوية التي يجب أن يستطيع كل فرد الوصول إليها ضمن دخله المتاح، وإلا فإن منعكسات (رداءة الحياة) وعدم جودتها ونوعيتها هي التي ستحدد الإنتاج والإنتاجية والانجازات العلمية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية.

وهنا تصبح العبارة شديدة الحكمة والعمق (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) صحيحة ومطلقة مهما واجهت الانسان صعوبات تدبير المعيشة، لأنها تفسر معنى الحياة الحقيقي على هذه الأرض.

العدد 944 - 20/1/2021