هل سيغيّر النمو الديمغرافي وجه العالم؟

يونس صالح:

هل تستطيع الدول النامية ومن بينها سورية، أن تسيطر على النمو السكاني المتزايد فيها؟ ترى كيف سيكون وجه العالم في منتصف هذا القرن؟ كيف ينظر الشمال الغني المستعمر إلى الجنوب الفقير؟ ما سر حالة الرعب التي تعيشها الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة؟ ولماذا يسيطر هذا الهاجس على أذهان الدول النامية؟ ولماذا هذا الشعور بالرعب في العالم الصناعي؟

لقد عرفت البشرية أثناء تطورها طفرتين ديمغرافيتين هامتين، الأولى حين اكتشف الإنسان الزراعة، وتوصل إلى إيجاد كميات كبيرة من الغذاء أدت إلى ارتفاع عدد سكان العالم، أما الطفرة الثانية فقد حدثت نتيجة لظهور الثورة الصناعية أواخر القرن الثامن عشر، وهي تختلف من حيث طبيعتها وشدتها عن الطفرة الأولى، ذلك أن الزيادة الديمغرافية سابقاً نمت وفق القانون: (نسبة ولادات عالية، ونسبة وفيات عالية أيضاً)، بينما جاءت الزيادة الثانية وفق قانون (نسبة ولادات عالية ونسبة وفيات منخفضة). وإذا كانت هذه الطفرة قد بدأت منذ نهايات القرن الثامن عشر، فإنها مازالت مستمرة، ويمكننا هنا أن نميز بين مرحلتين هامتين في تاريخ هذه الطفرة: المرحلة الأولى بدأت مع الثورة الصناعية وانتهت في منتصف القرن العشرين، فقد شهد العالم الغربي فيها زيادة سكانية مكّنته من بسط نفوذه على بقية العالم كله تقريباً.

أما المرحلة الثانية، فهي التي أثارت رياح الرعب بدءاً من الستينيات في القرن الماضي وإلى يومنا الحاضر، بسبب الزيادة الديمغرافية المتسارعة للبلدان النامية ولم تنته بعد.

والآن يحق لنا أن نتساءل: إذا كانت المرحلة الأولى من الطفرة الثانية قد انتهت لصالح العالم الغربي بانتشاره وسيطرته على العالم، فكيف ستنتهي المرحلة الثانية، لاسيما أن النمو الديمغرافي يسير لصالح الدول النامية هذه المرة؟

تقول إحصائيات الأمم المتحدة إن عدد سكان العالم في مطلع القرن العشرين كان يبلغ 1٫2 مليار نسمة، وفي عام 1950 وصل هذا العدد إلى 2٫1 مليار نسمة يتوزعون على النحو التالي: 800 مليون نسمة في البلدان الرأسمالية المتطورة، وما تبقى في سائر أنحاء العالم الأخرى، أي (كل شخص واحد في البلدان المتطورة يقابله شخصان في البلدان النامية). أما في عام 1985 فقد توزع سكان العالم على النحو التالي: (1٫2 مليار نسمة في العالم الصناعي، و3٫7 مليارات في البدان النامية، أي بنسبة واحد إلى ثلاثة، وفي نهاية القرن العشرين توزع سكان العالم على الشكل التالي: 1٫3 مليار نسمة في البلدان الصناعية، و4٫8 مليارات نسمة في البلدان النامية، أي بنسبة واحد إلى أربعة. أما الآن فقد بلغت هذه النسبة نحو واحد إلى خمسة، وإذا استمر النمو على هذه الوتيرة حتى أواخر القرن الحادي والعشرين، فسيكون عندها نصيب الدول الغنية منه 1.4 مليار نسمة، والبلدان النامية 8.6 مليارات نسمة أي بنسبة واحد إلى ستة.

ومن البديهي أن تتأثر المدن بهذا الانفجار الديمغرافي لاسيما أنها تواجه استقبال أعداد كبيرة من النازحين من الأرياف، إضافة إلى زيادتها الطبيعية. وهنا نجد التناقض كبيراً بين الدول الصناعية والبلدان النامية. إن دول المجموعة الأولى قد أنجزت عملية التحضر، إذ يشكل سكان المدن فيها ما نسبته في الوقت الحاضر بصورة عامة 80٪ من السكان، بينما يشكل الريفيون في البلدان النامية 57٪ وتصل هذه النسبة في بعض البلدان النامية أحياناً إلى 75٪.

من خلال هذه الأرقام التي استعرضناها نجد أن النمو الديمغرافي في العالم الصناعي يسير بوتائر ضعيفة جداً، في الوقت الذي نجد فيه سكان البلدان النامية يتزايدون وفق معدلات لم يسبق لها مثيل.. أمام هذا الخلل الواضح في ميزان النمو الديمغرافي العالمي، يشعر العالم الغربي بالقلق الشديد، ويتحول هذا القلق إلى رعب حقيقي، كلما نظر ديمغرافيو العالم الرأسمالي إلى هرم الأعمار، وخاصة أوربا، ووجدوا فيه اتساعاً متزايداً للقمة وضيقاً متواصلاً للقاعدة. أي بعبارة أخرى زيادة شرائح الذين تجاوزوا سن الستين، وقلة الذين هم دون العاشرة، أما بالنسبة للدول النامية فإن هذا النمو على الرغم من أنه أحد العوامل التي تعيق عملية التنمية، إلا أنه لا يمكن أن يكون المشجب الذي يجب أن نعلق عليه كل مشاكلها كما ترى دول الشمال.

إن الصحافة الغربية تحذر من أن جموع الهياكل البشرية الجائعة والقادمة من الجنوب على وشك الإطباق على موائد أوربا العجوز.. والآن، على الرغم من تشاؤم العالم الرأسمالي، هل يجب على سكان البلدان النامية أن ينظروا إلى المستقبل على أنه مرعب إلى هذه الدرجة؟

هناك مؤشرات تقول بأن معدلات الزيادة الديمغرافية قد أخذت بالتباطؤ في عدد من البلدان النامية مثل الصين والهند والجزائر.. إلخ، أما على صعيد إنتاج الغذاء فقد أصبحت نحو 70 دولة من الدول النامية على أعتاب التوازن الغذائي في أوائل القرن الحادي والعشرين كما تشير إلى ذلك نشرات الفاو.

باختصار.. لقد شهد العالم فترة هامة من الانفجار الديمغرافي، إلا أن هذا النمو بدأ يدخل في مرحلة الاعتدال، ولقد شهد أيضاً عدم توازن ديمغرافي قائم بين الدول الصناعية الغنية والفقيرة، يؤدي إلى إعطاء أهمية متزايدة لمشكلات الهجرة العالمية.. ولكن إذا كانت هذه الهجرات تقلق المجتمعات الغربية، فهل يكون تخفيض نسبة الخصوبة في البلدان النامية علاجاً كافياً لهذا القلق؟

إن مسألة السيطرة على الخصوبة على الرغم من كونها سياسة حكومية، إلا أنها في حقيقة الأمر نتيجة منطقية لتطور الظروف الاقتصادية والاجتماعية لأي شعب من الشعوب، ذلك أن هذا التطور وحده هو الكفيل بتحديد عدد أفراد الأسرة الواحدة بما يحمله من أفكار وعادات جديدة. إن هذه المسألة هي في نهاية المطاف ضرورة ملحة بشكل أو بآخر لعملية التنمية والخروج من براثن التخلف، ولكن هل يجب أن نموت هلعاً منذ الآن خوفاً من الموت جوعاً في السنوات القادمة؟ وهل يبدو المستقبل الذي ينتظرنا قاتماً إلى هذه الدرجة التي يريد الغرب أن يصوره لنا؟

الجواب على ذلك.. بالنفي. فشبح أفكار مالتوس لا يخيف إلا إذا أريد له ذلك.. وأمر إنتاج كميات غذاء تتناسب مع عدد سكان كوكبنا الجميل أمر ممكن جداً، غير أنه في الوقت نفسه يجب ألا تؤخذ الأمور ببساطة، فالانفجار الديمغرافي حقيقة واضحة يجب ألا نقلل من شأنها، فهي تتطلب تصورات وسياسات واضحة ومحددة بالنسبة للعالم النامي.

أما بالنسبة للدول الصناعية الرأسمالية الغنية فهناك أشياء أخرى يمكن أن تقدمها غير التهويل من أمر الزيادات السكانية، في مقدمتها القبول بإعادة النظر في نظام المبادلات القائم حالياً بين الشمال والجنوب، وإقامة نظام اقتصادي دولي جديد كفيل بإيجاد مجتمع دولي أكثر عدلاً واستقراراً.

العدد 943 - 13/1/2021