الفقر مسألة سياسية – اقتصادية

د. أحمد ديركي:

ترتفع معدلات الفقر في العالم لأسباب متعددة، وتعمل الحكومات على الحد من نسب ارتفاعه من خلال وضع سياسات اقتصادية_ اجتماعية. ومن النظريات المعمّمة حول أسباب الفقر هناك الحروب، سواء كانت حرب دولة مع دولة، أو حروباً داخلية، ومن المتعارف تسميتها (حرب أهلية)، والأوبئة، وتدني مستويات الإنتاجية في البلاد، وخلل في النظام الضريبي، وندرة الاستثمارات الخارجية، والتعداد السكاني، والكوارث الطبيعية و… وتطول اللائحة.

هذا ما يقوله كل مختص في مسألة الفقر و(مكافحته)، سواء كان في السلطة السياسية أو في منظمة دولية، مثل الأمم المتحدة وما يتفرع عنها ويتأثر بها، أو في مركز أبحاث مختص.

بينما في الواقع، وبنظرة نقيضة لما هو معمم وسائد، الفقر ليس هنا كما هو موضح في هذه النظريات، بل ناجم عن بنية نمط الإنتاج الرأسمالي، ويمثل أحد ركائزه الأساسية. فالتحالف ما بين الطبقة السياسية والبرجوازية، بمعنى مالكة وسائل الإنتاج، هو تحالف قائم على قمع الطبقة العاملة واستغلالها من أجل تحقيق أكبر مستويات ربحية ممكنة لأطراف التحالف. فالأولى، أي السياسية، تشرعن الاستغلال وتقمع أي تحرك عمالي ضد الاستغلال، وقد يكون ضرب النقابات العمالية وتفريغها من مضمونها الفكري مثالاً على هذا، والثانية، أي الطبقة البرجوازية، تحقق المزيد من الأرباح من خلال ما يشرعه لها النظام السياسي، وتعمل على مساعدته في الحفاظ على موقعه السلطوي بكل الوسائل المتاحة.

وبهذا يكون الفقر مسألة سياسية_ اقتصادية في نمط الإنتاج الرأسمالي لا مسألة اقتصادية فقط، وكل مقاربة له على أنه فقط إشكالية (اقتصادية) تكون مقاربة وهمية لتشويه الوعي وتكريس ما هو قائم.

والفقر ظاهرة عالمية وتعود (عالميتها) إلى أن العالم برمته، إلا في جزء يسير منه والمقصود هنا الصين، يخضع لهيمنة نمط الإنتاج الرأسمالي بتحالف السلطة السياسية مع الطبقة البرجوازية، وبعبارة أخرى الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدول العالم تعمل وفقاً لـ(قوانين حركة) نمط الإنتاج هذا، بغضّ النظر عن مدى تطوره في هذا البلد أو تخلّفه في ذاك.

كون الفقر مسألة عالمية تكثر مقارباته، المعمّمة، للحد منه، وجميع هذه المقاربات تعتمد في جوهرها على فكرة أساسية، وإن اختلفت في أشكالها. جوهر الفكرة (المعممة)، في نمط الإنتاج الرأسمالي: (الفقر من طبيعة المجتمعات البشرية) والقضاء عليه يعني القضاء على المجتمعات البشرية! وبهذا يستحيل القضاء عليه.

غريب إن كان هذا حقيقة، فلماذا عندما احتفلت الصين بالقضاء على الفقر لم يختفِ المجتمع الصيني؟!

كون نسب الفقر المرتفعة تؤثر سلباً على مستويات الربحية في نمط الإنتاج الرأسمالي، دائماً تطرح حلول لتخفيض هذه النسب. والحلول تطبق من خلال أطراف متعددة، السياسات الاقتصادية_ الاجتماعية التي تتبعها الدول، أو عبر المنظمات اللاحكومية الدولية وبرامج (تخفيض مستويات الفقر)، أو المنظمات الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد الدولي، أو البنك الدولي.

بوجود وباء يهدد الحياة البشرية، وباء كورونا، وجدت كل الأنظمة السياسية والمنظمات اللاحكومية الدولية والمحلية حجة لها لتبرير ارتفاع مستويات الفقر، وكأن السيد (كورونا) أتى ليزيد الفقراء فقراً، ويعفي الأغنياء من عبء فقر الفقراء.

فعلى سبيل المثال يقول البنك الدولي في تقرير له: (إنه من المقرر أن يرتفع معدل الفقر المدقع هذا العام لأول مرة منذ أكثر من عقدين، فمن المتوقع أن يدفع فيروس كورونا ما يصل إلى 115 مليون شخص إلى هذه الفئة… وأنه بحلول عام 2021 قد يرتفع هذا الرقم إلى حوالي 150 مليون فقير). وكان البنك الدولي يتوقع قبل بداية الوباء أن ينخفض معدل الفقر المدقع إلى 7.9 % في عام 2020، ولكن، وفقاً له، مع الوباء من المرجح الآن أن يتأثر ما بين 9.1% إلى 9.4% من سكان العالم هذا العام بالفقر نتيجة للوباء.

في المقابل، التقرير المناقض لنظرية تسبب الوباء بالمزيد من الفقر هو تقرير أصدره بنك (يو بي أس) السويسري، ويقول التقرير: (شهد أصحاب المليارات ارتفاعات قياسية في ثرواتهم خلال الوباء… وشهد أغنى أغنياء العالم ارتفاعاً في ثرواتهم بنسبة 27.5% وصولاً إلى 10.2 تريليونات دولار، في الفترة من نيسان إلى تموز من هذا العام).  

على الهامش، ولتأكيد تقرير بنك (يو بي أس): أنتجت شركة سيارات (ماي باخ) هذا العام سيارة فريدة من نوعها بسعر 8 ملايين دولار بطلب من أحد أصحاب المليارات! وما زالت شركة سيارات (بوغاتي) تنتج سياراتها بسعر 2.5 مليون دولار، وكلّها مبيعة!)

كل هذا على المستوى العالمي، وإذا صغرنا المقياس قليلاً لنصل إلى عالمنا العربي، فهو يعمم فكرة البنك الدولي، لكن أنظمته أرفقته بتعميم آخر! تعميم مفاده: لكي يخرج سكان العالم العربي من فقرهم ومآسيهم عليهم أن يقبلوا، بشكل تدريجي، إضافة إلى مقررات البنك الدولي ومشابهه من مؤسسات اقتصادية، التطبيع مع الكيان الصهيوني. وهذا ما بدأت معظم وسائل الإعلام العربية والأجنبية بالترويج له. فالسودان، ذاك البلد الفقير، رغم غناه، سوف يصبح (الجنّة الاقتصادية) بعد التطبيع مع الكيان الصهيوني ورفع العقوبات الأمريكية عنه، وهما مترابطان، أي لا رفع عقوبات من دون تطبيع. وبدء تعميم فكرة، بعد التطبيع يمكن لسكان السودان أن (يقطفوا الدولارات عن الأشجار)، ويعيشوا برخاء ورفاهية. وحينئذٍ يتبخر الفقر والفقراء!

وهنا يطرح السؤال: من التالي للتطبيع بعد السودان؟ ومن يلي التالي؟!

ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية: هل سياسات البنك الدولي، وما شابهه من مؤسسات ومنظمات، حلّت مسألة الفقر في مصر؟ هل تطبيع مصر مع الكيان الصهيوني أنقذ سكان مصر من الفقر المدقع؟ هل أنقذ من طبّع مع الكيان الصهيوني القضية الفلسطينية؟

العدد 937 - 25/11/2020