الهندرة في مواجهة الفوضى المتبخترة

الدكتور سنان علي ديب:

قبيل يومين من مجيء الحكومة المتجددة المرتقبة لتنفيس الهموم المتزايدة والمعاناة المعيشية الصعبة، صدر قرار مفاجئ متبختر برفع سعر الأسمنت وتعديل جمركة الخليوي، فأتى التجديد وسط انطباعات متباينة مختلفة، ولكن يستمر مسلسل رفع الأسعار وبقوة الحكومة، كرفع أسعار النقل العامة وغيرها من سلع وفوضى لا تعرف سداً أو حاجزاً للحد منها، وسط استمرار ديكورات تصوير مسؤولين توحي بعملهم ودأبهم ونشاطهم ووقوفهم مع الشعب بينما قطاعاتهم تتبختر بتعذيب المواطنين وزيادة معاناتهم: طوابير متزايدة للحصول على الخبز، وانتظار أطول للغاز، وتعود قصة طوابير البنزين كرسالة بأن الوزير تغير ويغير الوقت وكمية البنزين للمواطن، وتكون الرسالة رهبة وخوف للمواطن لينتظر ساعات في الطوابير، وتقول له السوق السوداء: تعيش.. تعيش!

وترافق كل ذلك بزيادة تقنين الكهرباء ومرتفع جوي شوى العباد، وتأتي حرائق ملغومة المنشأ تأكل الغابات وتستمر أياماً وسط ضعف الإجراءات وخجل بالتعامل فتتعرى الجهات المسؤولة أمام الله والشعب، ويأتي الحسم بتدخل الجيش الذي سيظل رمز الوحدة والتحرير والبناء، ولن نشك ولكن أي جهات تنفيذية وأي لهفة وخوف من حرق محميات وغابات طبيعية عذراء كانت تشكل ناحية جمالية لجبالنا وتوازناً طبيعياً واستثماراً سياحياً سيعوض أغلب خسائرنا؟ ولمَ التهاون والإهمال؟ وماذا سنفعل فيما نجم عنها من حرق ودمار وما سيأتي ممن امتهنوا سرقة الأراضي و الاستيلاء عليها أو حرقها لجمع ثروات من بيع الفحم، ويستمر مسلسل لا ييأس من رفع الحرارة للمواطنين عبر أسوأ وأقذر السلوكيات متناغمة بين إرهابيي الاقتصاد بالداخل أدوات الخارج لفرض أجندة لا وطنية وحل سياسي رفضه أغلب السوريين، والنيل من ثوابتنا بوحدة سورية وسيادتها وهو ما أعلن عنه بوضوح الوفد الروسي الرفيع بأن هناك ضغوطاً اقتصادية من دول تريد فرض أجندات، وكم راهنّا على سلوك الأصدقاء الحلفاء في المساعدة للوصول إلى مصالح مشتركة متبادلة داعمة لغد مشرق للكل بلا أي تدخلات لا يوافق عليها الشعب والمؤسسات.

وبالتالي فإن تبختر الفوضى وفوضى السلوك ليس عبثياً وليس بنوايا وطنية ومن قبل الأزمة هدفه النيل من دور المؤسسات وتفشيل دولة القانون ومنع الإدارة الحكومية لكل شؤون البلاد وخاصة الملف الاقتصادي وما زالوا وهندسة الإدارة أصبحت ضرورة حتمية وملحة عبر برامج واضحة تراعي الإمكانات والأولويات والمعاناة وتواجه الإرهاب الاقتصادي المختفي وراء الفوضى الهادفة إلى إسقاط شامل للبلد وفرض حلول لا تناسب ما قدمه من تضحيات ودماء مقدسة.

ولكن ما يستشف إلى اليوم فشل بأرجاء كثيرة من مواقع الخلل واختفاء وراء أسباب وتصريحات وتبريرات فضائية.

هندسة الإدارة بحاجة إلى كوادر تمتلك الرؤية والقدرة وتمتلك الإرادة وتتحمل المسؤولية وتمتلك الشفافية لتوضحها للمواطن الذي هو أساس وجود أي وطن.

الهندرة تضع حداً للتبختر الذي أزاح المعايير ليكون معيار حجم الفساد هو الأهم من الشهادة والكفاءة والنزاهة والأخلاق والأداء والتضحيات، هذا الفساد الذي ينظر بازدراء حتى إلى دم الشهداء.

علم الإدارة من أهم العلوم ونمتلك الكثير من الكفاءات التي يجب استثمارها.

ولكن للأسف ما زال مزمار الحي لا يطرب من قبل الأزمة وحكومة العطري وخلال الأزمة ومن ساروا أسوأ منها مع أنهم كانوا فرسان نقدها ويستمر الركب حسب أهواء منظر اقتصادي تعبت شاشات للتلميع لإيصاله وإيصال أفكاره المفاجئة بالإدارة بالتضخم ومن يتلقفه بقصد البناء أو الإرضاء علماً أن الطفل ممن تعلموا الاقتصاد يمكن أن يكون معلماً له وما باح به استمرار لنهج دولي لضرب دواخل البلدان وعلاج مسرطن لأمراض دواؤها محلي بسيط.

الإدارة بالتضخم ضخمت الألم والمعاناة وتتبختر الفوضى ويسر الفساد.

الهندرة يا أبو التضخم علاج يراعي الخصوصية وليست جلباً من البنك الدولي والمؤسسات المالية.

ما زلنا نملك الأدوات الكافية لإطفاء الحرائق ولإطفاء الشعب مرتفع الحرارة التمسك بالثوابت والسعي لحل سوري سوري يحل كل الملفات المعرقلة من معلمي المنظرين وأدواتهم.

الهندرة ببرنامج واضح والسير نحوه دون الالتفات لأي سلوكيات تنظيرية وتدميرية، هندسة إدارة البلد من بشر وحجر بوصلة لتجاوز الخيارات إما العصا أو الجزرة.

الهندرة تعطينا شعباً ووطناً.

العدد 929 - 30/09/2020