استثمار سياسي رخيص!

د. صياح عزام:

في إطار المواجهة الروسية – الغربية التي تعددت اتجاهاتها وتفننت دول الغرب في الترويج واختلاق الأسباب لمحاصرة روسيا والتضييق عليها، تطورت قضية أو مسألة (تسميم) المعارض الروسي أليكس نافالني، بحيث باتت الشغل الشاغل للدول الغربية، لاسيما أنها تطرح سؤالاً مهماً وجوهرياً حول (المستفيد منها)، بعد أن تحولت إلى أداة للاستثمار السياسي الرخيص.

يُجمع العديد من المحللين السياسيين على أنه من السذاجة الاعتقاد بأن روسيا يمكن أن تلجأ إلى هذه الطريقة المكشوفة في سعيها لتصفية خصم سياسي على أرضها، قبل موافقتها على نقله إلى أحد المشافي العسكرية الألمانية، بل أن تقدم دليلاً مجانياً وهدية للغرب على إدانة نفسها بنفسها باستخدامها غاز الأعصاب (نوفينشوك) الذي طورته الصناعات العسكرية الروسية حسب الادعاءات الألمانية. لقد كانت موسكو قادرة على إنهاء حياة هذا المعارض بعدة طرق، خاصة أنه تعرض للاعتقال عدة مرات دون أن تقدم أي دليل لخصومها الغربيين، ولكن موسكو لم تكن تقيم وزناً ثقيلاً لهذا المعارض، ولم تعده يشكل تهديداً للنظام أو حتى منافساً للرئيس بوتين. وتشير مراكز أبحاث غربية، منها مركز نيفادا لاستطلاعات الرأي إلى أن شعبية نافالني التي يراهن عليها الغرب لا يمكن أن تهدد رئيساً بقوة وحجم بوتين، فقد أكد هذا المركز أن 9٪ فقط من المستطلعين الروس يدعمون نافالني، وأن 1٪ فقط ينظرون إليه كرئيس لروسيا في المستقبل. وبناء على ذلك فإن فرضية اتهام الكرملين غير صحيحة، بل يعمل الغرب على تسويقها في محاولة تصويره بأنه يخيف بوتين، هذا إضافة إلى أن موسكو تنفي بشدة هذا الاتهام، في حين تتمسك الدول الغربية بالاتهام، وتطالب بإيضاحات حول القضية، وتهدد بفرض عقوبات إضافية على روسيا، متذرعة بأن هناك سوابق للاستخبارات الروسية في هذا المجال، كما في قضية الادعاء بتسميم العميل الروسي المزدوج سيرجي سكريبال وابنته في بريطانيا قبل نحو عامين، وظل هذا الادعاء مجرد تهمة سياسية، من دون أي دليل أو دعم قضائي أو قانوني. وهنا يبرز سؤال مهم: أليس من الممكن أن استخبارات أجنبية هي الضالعة في هذه العملية، لتحقيق أغراض سياسية وبدء عملية استثمار فيها؟ علماً بأن هناك ضغوطاً هائلة من واشنطن ودول أوربية على ألمانيا وعلى الشركات الأوربية العملاقة لوقف تنفيذ مشروع خط أنابيب غاز (السيل الشمالي)، (نورد ستريم -2) الذي تقدر كلفته بنحو عشرة مليارات دولار، من أجل إتاحة المجال أمام تدفق الغاز الطبيعي الأمريكي إلى ألمانيا والقارة الأوربية بأسرها، علاوة على تحقيق هدف سياسي آخر، وهو ضرب وتعطيل التقارب الروسي – الألماني في مختلف القضايا والأحداث العالمية. هنا، نتذكر جميعاً مسألة تسميم العميل الروسي المزدوج سكريبال، وابنته، وكيف أن السلطات البريطانية تاجرت بها، وضخمتها، مدعية أنها انتهاك لسيادة الدولة البريطانية، وأنها عملية قرصنة مفضوحة، في الوقت الذي لم تقدم فيه أي دليل على ضلوع روسيا في ذلك.

على أي حال، هناك إجماع من قبل محللين وخبراء في السياسة على أن اتهام روسيا بهذه القضية، لا أساس له من الصحة، بل الغرض من إطلاق هذه التهمة هو (تسميم) العلاقات بين روسيا وأوربا، وصبّ الزيت على النار من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وعملائها لتأجيج الصراع الدائر والمقترح بين روسيا والغرب والذي تقوده واشنطن وعواصم أوربية أخرى.

العدد 929 - 30/09/2020