إمبريالية؟!

د. أحمد ديركي:

يوجد الكثير الكثير من المفردات والمصطلحات والمفاهيم التي يندر سماعها اليوم في الخطابات السياسية الرسمية وفي أوساط المثقفين والأكاديميين وحتى العامة، بعد أن كانت هذه المفردات شائعة في زمن صراع القطبين: الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية. ففي ذلك الوقت كان جوهر الصراع فكرياً ما بين مشروعين نقيضين، وتُرجم هذا الصراع في شتى مجالات النزاعات.

قد يكون أحد الأسباب الرئيسية لغياب الكثير من هذه المفاهيم تفكّك المنظومة السوفياتية وفشل التجربة الاشتراكية. تفكك المنظومة وفشل التجربة ولّدا أحادية قطبية، ما سمح لنمط الإنتاج الرأسمالي، بصيغته الراهنة (النيو-ليبرالية)، بالتسيّد على العالم وبتحويل الصراع فيه إلى صراع ضمن الفكر الواحد، لا بين فكرين نقيضين.

لا يعني هذا أن الفكر الذي وضع أسسه ومنهجيته كارل ماركس وفردريك أنجلس كان خاطئاً، ولا يعني أن ما أضافه عليه لينين وما أحدثته ثورة 17 أكتوبر من تغيير في مسار تاريخ البشرية كان خاطئاً أيضاً. بل العكس من هذا؛ فما يحدث اليوم، ومنذ بدايات تشكل (النيو-ليبرالية) يثبت صحة المنهجية الماركسية – اللينينية في قراءة طبيعة هذا النمط الإنتاجي وتطوره وسبل التخلص منه، وإمكانية بناء النقيض ليحل السلام العالمي، وهذا ما ينشده العالم برمته، وليس فقط منطقتنا العربية لما تشهده من صراعات دموية عليها من دول (عظمى) وجميعها تحمل الفكر عينه.

لا تقديساً لماركس ولا لأنجلس ولا للينين، لأن التقديس يتناقض جذرياً مع المنهج الماركسي – اللينيني بل عملاً بمنهجهم، وانطلاقاً منه، وتحديداً من مفهوم صراع التناقضات على اعتبار أن المنهج الدياليكتيكي في البحث (يتناول الظواهر جميعاً في ارتباطها وتبعيتها المتبادلة، في تطورها وتغيرها ويكشف عن الجوانب الداخلية المتضادة التي يشكل الصراع بينها مصدر هذا التطور)_ (موجز تاريخ الفلسفة، تأليف جماعة من الاساتذة السوفييت).

نستذكر مفهوماً يغيب اليوم عن الخطابات السياسية الرسمية للدول كما يغيب عن الأبحاث الأكاديمية وبين المفكرين ويشوش العامة. وإن ذكر في حديث غالباً ما يكون إما غير واضح الدلالة وضبابي المعنى وإما من يفهمه يتهمك بأنك ما زلت تعيش في كتاب التاريخ!! إنه: الإمبريالية (imperialism)!

تعني كلمة الإمبريالية، وبشكل مختصر، (امتداد سلطة دولة على أراضي آخرين سواء بالوسائل السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية)_ (Webester’s Encyclopedic Dictionary)، ويمكن أن نضيف إلى هذا التعريف والوسائل الاجتماعية. لمزيد من التفاصيل والتعمق بالإمبريالية يمكن العودة إلى مؤلفات لينين.

لكن مقولة لينين الشهيرة بأن (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) تضعنا أمام إشكالية تستلزم الجهد والكثير الكثير من الجهد من قبل كل المفكرين الشيوعيين بخاصة والباحثين بعامة.

قبل الدخول إلى صلب الإشكالية نود الإشارة إلى أن مفهوم الإمبريالية بكونه تعبيراً عن امتداد سلطة دولة إلى خارج حدودها الجغرافية – السياسية يضع الإمبريالية ضمن حقل الجيو-سياسة (geo-politics).

الإشكالية تكمن في مقاربة الإمبريالية بالتطورات التي لحقت بها، فالرأسمالية منذ بدايات نشوئها ولغاية فترة (الليبرالية) لحق بها العديد من التطورات، وكما هو معلوم نمط الإنتاج الرأسمالي ديناميكي دائم التطور وحالياً يوجد ضمن صيغة (النيو-ليبرالية)، أي على الإمبريالية أن تطور نفسها أيضاً لتواكب تطور نمط الإنتاج هذا وإلا سقطت منه وانتفى مبرر وجودها.

وهنا يمكن طرح السؤال الإشكالي التالي: كيف واكبت الإمبريالية هذه التطورات في نمط الإنتاج؟ وما شكلها اليوم في زمن (النيو-ليبرالية)، أو كما يود البعض تسميتها بــ(العولمة)؟

طبعاً السؤال الإشكالي المطروح متأسس على قاعدة وجود الإمبريالية وعدم انتفائها، والقاعدة التي اعتمد عليها السؤال انطلاقاً من التعريف الموجز هي حقائق الواقع الذي نعيشه، فكل أحداث الزمن الراهن، في عالمنا العربي وخارجه، تثبت أن الإمبريالية في أوج انتعاشها، على الرغم من عدم ذكرها في الخطابات السياسية الرسمية وغير الرسمية، إذ أصبحت مثل الهواء، بمعنى عدم رؤيته لا ينفي وجوده!

ومقاربتها بالمنهج الدياليكتيكي تستلزم منا الكثير من الحرص، لما أصاب هذا المنهج من إهمال ومحاولات تشويه ونكران وجوده! فهل نقع في فخ قدسية النص (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية)؟ أم علينا البناء على النص والانطلاق منه مستخدمين المنهج الدياليكتيكي للحظ ما لحق بها من حركة وتطور، لنبني في الوقت عينه أسس العمل على هدمها، وهنا المقصود هدم الإمبريالية تسهيلاً للأمور وتحضيراً لهدم نمط الإنتاج الرأسمالي برمته وبناء نقيضه.

إن وقعنا في فخ (قدسية) النص، وهذا ما يتناقض بالجوهر مع المنهج الماركسي – اللينيني، نكون قد قتلنا المنهج وأصبحنا قدسيين أكثر من القدسيين!

وإن تخلينا عن (النص) بكلّيته، بما يتضمن من منهج، وذهبنا باحثين عما هو (حديث وعصري)، كما يود تسمية الأمور بعضُ المهووسين بـ(العصري)، نكون قد تخلينا عن المنهج بكليته ووقعنا في فخ (القطيعة) مع تطور الحركة وننزلق إلى دعم أسس نمط الإنتاج الرأسمالي تحت مسمى محاربته!

فهل لنا أن نبدأ بالتفكير بما عُمل، وما زال يُعمل، على إهماله وتجهيله وتسطيحه من مفردات في الفكر الماركسي – اللينيني كي نمتن نضالنا وصراعنا مع هذا النمط الإنتاجي الديناميكي، من أجل بناء وطن حر وشعب سعيد؟

العدد 931 - 14/10/2020