الأمية ليست فقط عدم القدرة على القراءة

وعد حسون نصر:
من الطبيعي أن مفهوم الأميّة هو عدم القدرة على القراءة والكتابة، وبالتالي يكون الشخص الأميّ جاهلاً، والكثير من دول العالم حاربت الأميّة وخاصّة لدى كبار السن من خلال دورات لتعليم القراءة والكتابة على اعتبار أنهم يرون السبب الأول للأميّة هو عدم القدرة على القراءة فقط متجاهلين الأميّة في المجالات الأخرى، وبالتالي معظم الدول احتفلت بالقضاء على الأميّة بين المُسنين.
لكن إن تعمقنا أكثر في مفهوم الأميّة نراها مختلفة بين مجتمع وآخر حسب تطور هذه المجتمعات، كما ذكرت سابقاً البعض من المجتمعات يراها عدم القدرة على الكتابة والقراءة، والبعض الآخر الأكثر تطوراً يعتبر أي شخص لا يسمح له القدر الذي يعرفه من القراءة والكتابة بالتعامل مع الإعلام الآلي أمّي، ومع مرور الوقت والتطور في مجال التكنولوجيا إلى ظهور مفاهيم جديدة لكلمة أمّي غير المفهوم التقليدي، فبعض البلدان والدول تُطلق على الشخص الذي لا يُجيد التعامل مع الكمبيوتر مثلًا أمّي، وبالتالي أصبح هناك أيضًا أمية المتعلمين، وهم الحاصلون على شهادات جامعية لكنهم لا يجيدون قواعد القراءة والكتابة بشكلٍ صحيح، لتكون للأميّة أنواع كثيرة منها الأمية الأبجدية بعدم معرفة القراءة والكتابة، وحتى عدم معرفة مبادئ الحساب الأساسية، وبشكل مفصّل يُعرّف الإنسان الأمي بأنه كل فرد بلغ الثانية عشرة من عمره ولا يعرف معرفة صحيحة وكاملة مبادئ القراءة والكتابة والحساب بأي لغة، ولم يكن منتسباً إلى أيّ مدرسة أو مؤسسة تعليمية، كذلك الأميّة الحضارية وهي التي تعني عدم مقدرة شخص معين على مواكبة معطيات العصر والتطور العلمي والتكنولوجي والفكري والثقافي والفلسفي، وبالرغم من أن هذا الشخص متعلّم، إلاّ أنه لا يمكنه التفاعل مع هذه التغييرات الجديدة وتوظيفها بشكلٍ جيد وفعّال في حياته العلمية والعملية، وتنقسم الأميّة الحضارية إلى عدة أقسام مثل الأمية الفنية والأمية الثقافية والأمية الجمالية وغيرها الكثير، وبالتالي أسباب كثيرة وضعتنا في حلقة الأمية، وهذه الأسباب عادة ما تكون مرتبطة بالمجتمع والبيئة المحيطة بها، وطبيعة عائلاتهم، ومن الممكن أن تخلق هذه الأسباب حواجز كثيرة يصعب التغلّب عليها في كثير من الأحيان، وعادةً يكون السبب الأساسي في الأميّة هي بيئة الشخص نفسها وخاصة إذا كان الشخص محروماً من الأب والأم، ويفتقد إلى التعليم المدرسي فإن احتمال أن يكون أمّياً عالٍ جداً وسيواجه صعوبات كثيرة في التعلّم، لكن هناك أيضًا بعض أسباب الأمية التي تُعدُّ الأكثر شيوعاً، ومن أهم هذه الأسباب عدم امتلاك بعض الآباء والأمهات القدر الكافي من التعليم، قلّة وجود الكتب في المنزل وعدم وجود تحفيز وتشجيع، الأداء السيئ في المدرسة أو التسرّب منها، وهناك الكثير من الأشخاص الذين لم يكملوا الدراسة بسبب الظروف المعيشية الصعبة، بما في ذلك الفقر، وبالتالي عند معرفة الأسباب طبيعي أن نلجأ للمعالجة لنحدّ من انتشار الأميّة ولتكن أولها أميّة الجهل وعدم القراءة والكتابة، لذلك علينا أولاً معالجة الإهمال والتسرّب الدراسي، وذلك بإلزام أي شخص بلغ السن الدراسي بالانتساب إلى المدرسة والالتزام بها، تخفيف الأعباء المادية والتكاليف الدراسية عن كاهل بعض الأسر وخاصة التي لا تستطيع تحمل التكاليف، من الممكن إلزام كل طالب جامعي أن يتكفل بتعليم عدد من الأشخاص، وهذا يكون شرطاً لتخرّجه، بتعليمهم القراءة والكتابة، على أن يبدأ هذا الإلزام من بداية حياته الجامعية كمشروع لتخرّجه يؤديه في أي وقت قبل التخرّج، طبعاً لا تتوقف الأميّة فقط عند عدم القراءة والكتابة مع أهمية هذين الشقين، إنما تكمن في العالم أجمع وعند العرب بشكل خاص في الجهل بالتعامل مع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والإنترنت، كذلك عدم القدرة على التعامل مع ثقافة الأزمة بشكل صح وإدارتها كما يجب، مع استحالة القدرة على التعامل مع النكبات والكوارث ضمن المفهوم السليم، هنا لابدّ من توسيع مفهوم الأميّة لنقول إنها أحاطت بنا نحن العرب على الأصعدة كافة، فبدأت بعدم القدرة على القراءة ولا تنتهي بعدم القدرة على إدارة أزماتنا بشكل سليم وهنا تفاقم الأمر وازداد سوءاً وصعب عينا تدارك الجهل!

العدد 929 - 30/09/2020