أحلام ضربت بعرض الحائط وطموح فقد شبابه

وعد حسون نصر:

هكذا باتت أحلام شبابنا، أحلاماً مهزومة وهموماً خطّت معالمها على وجوههم، ضحكاتهم فقدت رنّتها وباتت شاحبة بشحوب المحيط المُعتم حولهم. وإن كان جيل الشباب في العالم أجمع يعاني التشتّت وضياع الأحلام، إلاّ أن الشباب السوري نال من هذا الضياع الحصّة الأكبر، فما إن تراجع شبح الحرب وبدأ يغرب ليختفي، حتى أتى الوباء ليحصد الأرواح وينهش الأجساد، أقفلت الدنيا أبوابها بوجوههم، ونامت طموحاتهم حزينة، كل الأمور اختلفت من حولهم، منهم من فقد العمل، ومنهم من أجّل الدراسة ريثما تسمح له الظروف ليعود من جديد ويُتمَّ رسالته بالعلم، منهم من صرف نظره عن الدراسة واستسلم للعمل وتحمّل قسوته وبشاعة رؤسائه، كل هذا أحاط بشبابنا فقيّد آمالهم وحدَّ من طموحاتهم.

وللأسف كأن كل جيل يُسلّم راية القهر للجيل الذي يليه، وتتتالى المأساة جيلاً بعد جيل ملوّحة بالخيبة، وكأن هذه الأجيال كما وصفها المتنبي الريح تحتهم وفي قلوبهم قبور من أحبوهم، وفي عقولهم الفكرة ونقيضها، على كتف يحملون صخرة سيزيف، وعلى الآخر أحلامهم الصغيرة وأعباءهم الشخصية، في الطريق الطويل الذي ما عادت تبدو نهايته، ولا إمكانية للعودة إلى بدايته، بلا زاد إلاّ تجاربهم الكثيفة على أعمارهم الصغيرة، قائلين لأهلهم: امكثوا!!

نعم، هكذا هو حال الشباب الواعد، حال مفعم بالهموم، فمن أحب لا يستطيع أن يُكلّل حبه بالزواج، ومن تعلّم لا يستطيع أن يتوّج شهادته الأكاديمية المحفور عليها سنوات شقائه لتصبح بين يديه وينال شرف العمل من خلالها، لا يجد عملاً يناسبه ويناسبها، وحتى إن نال شهادة خبرة وتدريب وقام بما يلزم من دورات تأهيلية ليُصبح من أصحاب الإدارة في عمل يحبه، يأتي من يمتلك النفوذ ويدوس على الأحلام بنفوذه ويأخذ من الطموح لذّة الخبرة وحب العمل.

لذلك معظم شبابنا يعيش حالات من الضياع والشتات أدّت إلى تدهور نفوس جيل كامل عاش حسرة الحرمان، فبتنا نرى الانحراف والفساد والانحلال الخلقي، والكثير بات يخرج من همومه للنسيان باللجوء للمخدرات والتعاطي، والكثير للأسف سلك طريق السرقة.. أسهل طريق لكسب المال ليلوّن حياته من جديد بألوان الفرح مع ثياب وردية. كذلك نلاحظ البعض وخاصةً الفتاة التي اختصرت الطريق على نفسها وفضّلت بدل خوض الصعوبات أن تتزوج من رجل يمتلك المال وإن كان يكبرها بالسنّ، المهم أن لا تُخبئ أحلامها وحبها للحياة بحقيبة الظهر وهي تتجوّل من منزل لآخر تبيع العطور والزينة، وكم من أبواب تُغلق بوجهها وكأنها تخبرها أن طريق الفرح مسدود مسدود..!! وهذا ما ينطبق على بعض الشباب من الذكور ممّن يختار فتاة أكبر منه في السن ليركن قهره خلف جدران منزل كبير وسيارة فخمة ويختصر على نفسه الصمت أمام ربِّ عمل مجحف سرق منه الضحكة مع كل نبرة عالية من صوته: (أنجز عملك). للأسف الشديد الهموم باتت كبيرة جداً لا تحملها روح شباب واعد أثقلت أجسادهم ودُمّرت آمالهم حتى باتوا يتخبطون في بحر لا نهاية له وضاعت البداية، ولا مجال للعودة، الحرب والوباء والغلاء والتضخّم والأبواب المُقفلة على الحدود خنقت طموح الشباب وأغرقت ألوان الحب في البحر، وبات اليأس عنوان المرحلة المقبلة.. الطرحة البيضاء صُبغت بلون الموت يوماً بعد يوم لغياب الفرح مع كثرة الأكفان في زمن الوباء، والمكتب الكبير بات غرفة مظلمة متناثرة الأوراق حيطانها تفوح بالعفن والترّهات، حتى العجلات توقفت لتدور فقط على صوت مكبر الصوت في الحي ينادي باسم ميت جديد طحنه الهم وكأنه يخبر أن لا جديد تحت سماء هذا البلد، ومع هذا يجب أن لا نستسلم لكل هذا اليأس، علينا أن نكسر الجدار الفاصل بين طموحنا والنور لعلّ الشمس تدخل من جديد غرفنا المظلمة، تُنشّط أفكارنا بدفء أشعتها، ننهض من جديد لأن الحياة تستحق وجودنا، لابدّ أن تزول هذه الغمامة ونرتدي ثوب الفرح، فالبركة بالشباب النابض بالوجود، بالحياة، بالدم النقي المُحمّل بأوكسجين الأمل لينثر في الجو شهقة ولادة تُبشّر بخير قادم بعد اليأس، فلا يأس مع الطموح لأنه من صنع شبابنا، ومهما كثرت الهموم علينا أن نزيلها بالأمل والإرادة.

العدد 938 - 02/12/2020