لماذا الرضوخ للاستغلال؟

د. أحمد ديركي:

ما كان لنمط الإنتاج الرأسمالي أن يوجد إلا بعد نضوج الظروف التاريخية المواتية لتشكّله، ومثّل بوجوده مرحلة تاريخية جديدة من مراحل التاريخ البشري، وهي بالتأكيد ليست بالمرحلة الأخيرة وإن ظن البعض بأنها (نهاية التاريخ)، وانهوس بالفكرة وأخذ يروّج لها.

ومن شروط نمط الإنتاج الرأسمالي، منذ مراحله التطورية الأولى (الرأسمالية البدائية)، والبعض يطلق عليها (الرأسمالية المتوحشة)، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي يطلق عليها (العولمة)، أو (النيو-ليبرالية)، الصراع الطبقي ما بين الطبقة العاملة والطبقة البرجوازية. صراع ليس بالضرورة بشكل عنفيّ دائم، بل له عدة أوجه وتشكّلات وصيغ وأدوات، وبهذا فالصراع بين الطرفين النقيضين في نمط الإنتاج الرأسمالي صراع دائم إلى أن تحقق الطبقة العاملة هدفها الأولي، دكتاتورية الطبقة العاملة، حينذاك لا مزيد من الاستغلال للطبقة العاملة.

من خلال عمل نمط الإنتاج الرأسمالي هناك الإيديولوجية الكاذبة التي يعممها حول مسألة الاستغلال للطبقة العاملة، ويعلم جزء منها أن ما تنشره الطبقة البرجوازية من أفكار تشوه الوعي الطبقي إنما هي أفكار (تسويقية) كاذبة تهدف إلى تكريس الاستغلال للطبقة العاملة.

كثرت الدراسات حول مسألة الاستغلال للطبقة العاملة انطلاقاً من منهجية الفكر الماركسي، وما أضافه لينين، في سبل تحررها من نير هذا الاستغلال. ومن ضمن هذه الدراسات المعتمدة على هذه الأسس الفكرية هناك ما قدمه أريك فورم، في جزء من دراساته حول هذه المسألة.

فورم: عالم نفس تحليلي، معارض في جزء كبير من أفكاره لأفكار سيغموند فرويد، وإن توافق مع جزء منها. وقد لفت نظري فقرة كتبها في رسالة موجهة إلى الفيلسوف الروسي فلاديمير دوبرينكوف، تضمنت الخطوط العريضة لعدم انتفاض العمال ضد الطبقة البرجوازية، رغم معرفتهم بأنهم مستغلون من قبلها. وهذا نص الفقرة:   

خذ العامل الأمريكي: إنه واحد من أكثر العناصر محافظة أو حتى رجعية في المجتمع الأمريكي، بالمعنى المحدود للكلمة فقط، فهو يميل إلى تحسين الظروف الاجتماعية، ويميل في نواح كثيرة لوقف التقدم، ودوافعه لهذا لها عدة العوامل. قد تكون أهمها شعوره المتزايد بالتهديد بشكل أساسي في كلية وجوده – على الأقل على المدى الطويل – بسبب الأتمتة (automatization وفي الواقع كلما ذهب المجتمع التكنولوجي إلى الأبعد زاد إهمال جزء كبير من عمل الطبقة العاملة. العامل الأمريكي مهدد بمطالب الزنوج (والآن يريدون أن يطلق عليهم اسم (السود) للتقدم في وضعهم الاجتماعي. وبصرف النظر عن ذلك في حين أنه العامل الأفضل أجراً في العالم يتم تحفيز شهيته للاستهلاك إلى الأقصى عن طريق الإعلان – ومن المفارقة – بينما يكسب العامل الأمريكي عدة مرات أكثر مما يكسبه العامل الأوربي فهو، في الواقع، غير راضٍ للغاية ومحبط لأنه لا يستطيع شراء كل هذه الصناعة التي تخبره أنه يجب أن يحصل عليها. مرة أخرى هذه عوامل نفسية لدى العامل تنتج عن وضعه الطبقي، والتي بدورها تجعله رجعياً ولا يميل إلى مزيد من التقدم.

كورنا (المكسيك)، 10 آذار 1969

أي أن فورم يعيد مسألة (الخنوع) لدى الطبقة العاملة، وتحديداً الأمريكية وبخاصة صاحبة البشرة البيضاء، إلى إيديولوجية الاستهلاك والخوف على الوجود بسبب تهديد تطور (الآلة) المنافسة له. طبعاً هذا بشكل مكثف ولن نخوض هنا في تفاصيل كل هذا التكثيف. فعلى الرغم من دخله (المرتفع)، مقارنة مع بقية الطبقة العاملة حتى في أمريكا، إلا أن الدخل لا يكفيه ليواكب إيديولوجية الاستهلاك، فينعكس هذا الأمر على واقعه النفسي مسبباً له (الإحباط)، والإحباط يصنف على أنه مرض نفسي. فينسحب من عملية التغيير ويصبح أكثر (خنوعاً) للاستغلال الواقع عليه. ومن جهة أخرى شعوره بتهديد وجوده من قبل تطور (الآلة) يضيف إلى (إحباطه) إحباطاً إضافياً، فيعمل على الصراع من أجل عدم إلغاء وجوده. والصراع هنا ليس من أجل التغيير بل للحفاظ على ما هو قائم!

هذا هو واقع العامل الأمريكي، صاحب البشرة البيضاء والدخل الأعلى، فما حال واقع عامل بلادنا صاحب الدخل الأدنى في العالم ويواجه التهديدات نفسها، من ضغوط الاستهلاك وتهديد وجوده من قبل الآلة الحديثة المستوردة؟ 

العدد 921 - 29/07/2020