وفاء لمنابرنا الثقافية.. للمتلقي

عباس حيروقة:

كان وما زالَ (غوغل) يبيحُ المعرفةَ للجميع، فوضع بين أيدينا كلَّ ما ذخرت به المكتبةُ العربيةُ والعالميةُ من فكر وثقافة وعلوم. وها هي ذي الشبكة العنكبوتية بكل جبروتها تواصل بسطَ هذا الكمّ الهائل من وسائل التواصل الاجتماعي بين أيدي الجميع أيضاً.

 (الفيس بوك) أنموذجاً.. هذا الذي أباح أيضاً وللجميع دون استثناء لا فعلَ الكتابة وحسب بل الإرسال والنشر أيضاً. 

(الفيس بوك) الذي جعل وسمح للذين يكادونَ لا يفكّونَ الحرفَ أن يكتبوا وينشروا، فيدخلون في الحالة ويتراقصون طرباً وإعجاباً بذواتهم التي نفخ بها من يشابههم، يتابعونَ نشوتَهم ويصدرونَ المؤلفاتِ و… و… ويصبحونَ بحسب زعمِهِم (كتّاباً وشعراء)! ويعتبرونَ أن من حقِّهِم أن يعتلوا المنابرَ، فتتضخمَ الأنا لديهِم نتيجةَ خواءٍ معرفي ما، ونقص في تكوينهم النفسي.. يقفون على المنبر وكأنهم من حملة جائزة (نوبل للآداب) وهم لا يحملونَ غير شهادات (تقدير مرحى وتفوق) من ملتقيات افتراضية، وفي كثير من الأحيان يجدون ضالتهم في إدارة مركز ثقافي هنا ومسؤولِ صفحةٍ ثقافيةٍ هناكَ، ولا يتعب – تتعب في البحث لأن الأبوابَ دائماً مفتوحةٌ على مصراعيها، فيعملون على استضافتِهم والتصفيقِ لهَم.

ومن المحزنِ واللافتِ أننا لو قُمنا بتصفّحِ بعضِ صفحاتِ هؤلاء، لا سيما النساء، لانتابتنا حالاتُ دهشةٍ وذهولٍ حِيال ما حصدنه من تعليقات و(لايكات) لا يحلُم بها (أدونيس). ومن المفاجِئ أيضاً أن المدحَ قد أتى على لسان كتّابٍ وأدباءَ مشهودٍ لهم بعمق تجربتهم، ولكن ما الذي يُصيبُهم حين يمثلون أمام أنثى؟!

لا شك أن أقلَّ ما يمكنُ قولُه هنا إن مدحهَم المجاني وتصفيقَهم وتهليلَهم وتقديسَهم، حكماً، لم يكن للنص المقدم أو المنشور بل لها كأنثى وحسب.

وأيضاً من نافل القول هنا: إننا لو تطرقنا أمامهم – أمامهن – للأسماء الكبرى في عالم الفكر والأدب تجدهم يطلقون عباراتٍ تعكسُ جهلهم بتلك القامات، أو أنهم غيرُ آبهين بمنتجهم لأنهم، وبزعمهم، قد تجاوزوهم إبداعياً ، وربما ينعتونهم بالكلاسيكية والهرمة و…الخ

  نعود إلى الحديث عن الكثير من تلك الملتقيات التي خرجت من عباءات ذاك العالم الأزرق، والتي ضمت وتضمُّ العديد ممن يرغبون بدفع أناهُمْ التعبة والمغيبة والمتوارية، كل هذا يتم عبر منشورٍ هنا وصورةٍ هناك.

فهذه ملتقياتٌ جمّعت ما جمّعته من الباحثينَ عن المشتهى عبر مفرداتٍ بعيدةٍ عن الشعر والأدب والفن الحقيقي ..فنرى أنهم بعد أن توهموا بتشكيل ما يمكن أن تكونَ ظاهرةً إبداعيةً يحاولون أن يخرجوا من ذاك العالم الأزرق إلى عالمٍ أكثرَ أثراً وتأثراً، وهو عالمُنا الحقيقي الواقعي الملموس، فيطرحون في مراكزنا الثقافية ما تدربوا عليه هناك مجتمعين نساء ورجالاً وفق برنامج دقيق بدءاً من التعارف وتبادل التحيات وليس انتهاء بسهرات لا تليق إلا بهِم.

ملتقياتٌ أخذت شكلاً يتوافقُ وحالَها في الواقع الافتراضي الذي كانت عليه من حيثُ السويةُ الإبداعيةُ الهشةُ الواهنةُ والتعاملُ القائمُ على المدحِ المجاني ومنحِ الأوسمة والألقابِ التي عكست وتعكسُ خواءً على أكثر من صعيد.

هذه الملتقياتُ ولعدم توفر المكان المناسب لنشاطها اتجهت للتعاونِ مع المراكزِ الثقافيةِ المنتشرةِ، كما قلنا، على امتداد الجغرافية السورية. ولستُ في صدد تسميتِها وهي لاشكَ معروفةٌ لدى المتابعين.

نعم، كل هذا وذاك عكس واقعاً ثقافياً متردياً مخجلاً ومشوهاً ومحزناً، ساهمت هذه الملتقيات في رسمِ ملامحهِ على أيدي أولئك الذين ينصّبون أنفسَهم مديرين ورؤساءَ ومؤسسينَ ورواداً ومخترعينَ.. مديرو ملتقياتٍ بقاماتٍ نمتْ وشبّتْ في الظل، مديرون يطلقون على أنفسهم أكبرَ الألقابِ التي ينوءُ بحملها ويخجلُ منها أبو الطيب المتنبي، علماً أنَّ أكثرَ هؤلاء المديرين بالمطلق لا يميزون بين البحر البسيط والبحر الأبيض المتوسط، ولا بين الخاطرة والمقالة والقصة، ولا بين ما يسمى (قصيدةَ النثر) وقصيدةِ التفعيلة!

ولا بين الشعرِ العمودي وشعر التفعيلة.

وثمةَ ظاهرةٌ جِدُّ خطيرةٍ استشرت في أوساطِنا الثقافيةِ، ألا وهي منحُ شهاداتِ الدكتوراه من قبل تلك الشخصيات الهلامية من أصحاب الملتقيات والمواقع في ذاك العالم الافتراضي لشخصيات تشابههم إن لم تتطابق معهم في المستوى الثقافي – الأخلاقي، وكذلك الأمر يصابون بلوثة الـ د. ويستمرئونها. ومن المضحك أن يطلبوا من الجهات الرسمية تقديمَهُم بهذه الـ د.

ومن البداهة هنا القولُ إن شهادةَ الدكتوراه تُمنح كحالةٍ استثنائيةٍ لشخص استثنائي أثرى المكتبةَ العربيةَ بالعديد من المؤلفات، وما هو بدهي أيضاً أن منحَ تلكَ الشهادةِ محصورٌ بجامعةٍ أو مؤسسةٍ علميةٍ رسميةٍ لها مالها وعليها ما عليها.

مسؤولياتٌ جمةٌ تقعُ على عاتقنا جميعاً كمؤسساتٍ ثقافيةٍ رسميةٍ وكأدباءَ ومثقفينَ، علينا العملُ جميعاً على وقف تلك الفيضانات من المياه الآسنة التي تشوِّه وتلوِّثُ بيئتَنا وواقعَنا، وأن نحكّم ذائقتَنا الفنية وضميرَنا الوطني.

العدد 917 - 1/07/2020