التعليم العالي بحاجة لإنعاش.. المستنفذون طي النسيان وكورونا يكشف النقص

أنس أبو فخر:

  • أَسْهُمْ التعليم العالي في سورية إلى انخفاض، هل من محمد علي جديد؟

منذ سنة تقريباً، أجرت جامعة كامبريدج البريطانية دراسة عن نظام التعليم العالي في سورية، وصف الباحثون الذين أجروا هذه الدراسة الجامعات السورية (بالمنتهية)، متحدثين عن الكثير من العيوب والعقبات التي تُهدّد التعليم العالي، وأشارت الدراسة إلى أن الجامعات السورية قد خسرت أكثر من 2000 أستاذاً جامعياً غادروا البلاد لظروف الحرب، ممّا أجبر وزارة التعليم إلى الاعتماد على كوادر غير مؤهلة لتدريس الطلبة، وبحسب ما أوردته الدراسة فإن التعليم الجامعي يعاني من (تجميد المنهاج) بالإضافة إلى تراجع البحث العلمي، كما أوضح الباحثون في كامبريدج الخطر الأكبر الذي يُهدّد نظام التعليم العالي في سورية وهو انتشار الرشوة والغش إضافة إلى تزوير الشهادات.

في الحقيقة إن هذه الدراسة وبغضّ النظر عن البُعد السياسي لها، تختصر وبشكل بسيط حالة التعليم العالي في سورية ومشاكل الطلبة في الجامعات، فمشكلة التعليم العالي وأيّة وزارة في سورية هي افتقادها للخطط الاستراتيجية التي من شأنها تحديد بوصلة تقدم هذه الوزارة وحصد النتائج التي تخدم فئات الشعب والطلبة تحديداً بكوننا نتكلّم بشكل رئيسي عن التعليم العالي، فمنذ عقود خلت لم يطرأ أيّ تغيير على جوهر العنصر التعليمي، أي أن التطور طال شكل الجامعات وقدرتها الاستيعابية، بينما المناهج لم يطلها أيّ تغيير يُذكر، وكذلك البحث العلمي الذي لم يطرأ عليه تغيير إلّا في الاسم فقط عندما أجمع مجلس البرلمان السوري على قرار أنصف به كل طالب جامعي بعد أن أقرّ تغيير اسم وزارة التعليم العالي الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي!

إن حالة الجمود في مناهج التعليم أصبحت علامة تجارية لها، كذلك واقع الفساد التعليمي الذي طاله الجمود ولم يطرأ عليه أيّ تغيير، ومنذ ثلاثة سنوات على الأقل أصدرت وزارة التعليم العالي عدّة قرارات، وكانت بداية هذه القرارات رفع الرسوم الدراسية على كافة أنواع التعليم (عام،موازي،مفتوح وافتراضي ..الخ)، لكن القرار الأكثر إجحافاً، هو تحويل الطالب المُستنفِذ من التعليم العام إلى الموازي، إضافة إلى حالة التخبّط بين قرار اعتماد النظام الفصلي، ثم الفصلي المعدّل، وقرار منح دورة تكميلية ونفيه بعد أقل من نصف ساعة، الأمر الدّال على حالة التخبّط في القرارات، والسبب غياب خطة واضحة لتطوير التعليم والمحافظة على المستوى العالمي سواء للتعليم أو للجامعات، وهذا ما نحتاجه اليوم، فالدول لا تنهض إلّا بنهضة العلم والتعليم كما نهض محمد علي بدولة كبيرة بين عامي 1805-1848، قام أساس نهضتها على تطويره للتعليم.

  • فايروس كورونا يختبر الإمكانيات ويكشف العيوب، فهل تُصحّح الأخطاء؟

قد يكون فايروس كورونا ضئيل الانتشار في البلاد وهذا شيء جيد، لكنه بالتأكيد قد أصاب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حيث قام هذا الفايروس بتعرية إمكانيات الوزارة والإشارة إلى حالة الوعي والثقافة والإئتمان على مستقبل البلاد عند العديد من الطلبة.

فبعد أن شلّ كورونا الحركة في البلاد وتمّ اتخاذ الإجراءات الوقائية، طافت عيوب التقدم العلمي والتعليمي في سورية على سطح المياه الراكدة، فمن المؤسف أنه يتم سنوياً تخريج دفعة كبيرة من طلبة الهندسة المعلوماتية، ولا يوجد لدى الجامعات السورية تطبيقات إلكترونية خاصة بها تُسهّل على الطالب الوصول للمحاضرات في حالات استثنائية كالحرب أو المرض، ولا يوجد في مواقعها الإلكترونية أصلاً آلية بث مباشر للمحاضرات، وهذا أقلُّ ما يمكن أن يكون، ولذلك فلم تقم الوزارة بأي عملية معالجة والأمر كان مُلقى على عاتق أساتذة الجامعات الذين استغل بعضهم مجموعات (الفيس بوك) الخاصة للطلبة في كل اختصاص وقسم وسنة دراسية لتحميل محاضراتهم كملفات الكترونية، شهران ونصف الشهر لم يكن الحل سوى بتأخير موعد الامتحانات ووضعه في وقت ضيّق ومتأخّر ممّا سيُربك الطلبة عند موعد التسجيل السنوي في الكليات خاصة أن نتائج الامتحانات تتأخّر كثيراً في بعض الكليات، شهران ونصف الشهر كان ينبغي مساعدة الطلاب الذين لديهم حلقات بحث ومشاريع من إرسالها عبر مواقع الكليات الالكترونية، وهذا أضعف الايمان.

أمّا من جهة أخرى، فإن هذا الفايروس أعطى مؤشّراً أخطر على تدنّي الوعي والثقافة لدى فئة ليست بالقليلة من الطلبة وبناة المستقبل، وآخر حدث هو السلوك البشع من بعض الطلبة تجاه أستاذة جامعية في كلية الحقوق قامت لمساعدة الطلبة بالبث المباشر على موقع فيس بوك لتقديم محاضراتها للطلبة، والذين قام بعضهم بالسخرية والتعليق بعبارات سوقية وقذرة إن دلّت، فهي تدلُّ على أن هؤلاء الطلبة لا يستحقون شهادة الميلاد حتى، وجدير بالذكر أن عمادة كلية الحقوق قامت باتخاذ الإجراءات اللازمة تجاههم.

  • الطلبة المستنفذين (يادادا)، وحجرٌ في مياهٍ راكدة.

قبل عدّة أيام وردت على الراديو أغنية (رفّ الحمام مغرّب… يادادا)، أمعنتُ التفكير بما هو محل دادا من الإعراب، ولم أجد له محلّاً… إن الطلبة المستنفذين في الجامعات السورية محلّهم كل سنة من الإعراب (يا دادا)، فهؤلاء متأملين ومنتظرين لقرارات التعليم العالي راجين أن يشملهم أحد هذه القرارات، لكن الوزارة للأسف لا تأتي على ذكرهم بغير أنهم دائماً محلّ اهتمامها وأنها تقوم بدراسة حالهم، وقد كان آخر القرارات للمستنفذين من عام ونصف تقريباً، قرار مجحف بحقهم حيث منحوا من خلاله دورتان امتحانيتان متباعدتان تفصل بينهم سنة، فالدورة الأولى في الفصل الثاني والدورة الثانية في الفصل الأول من العام التالي، وإذا نجح الطالب سينتظر للعام الذي يليه حتى يُسجّل ويبدأ دراسته في السنة التي نجح إليها، أي أنه سينتظر عامين ويدفع أقساط دراسية كطالب تعليم موازي. المشكلة اليوم ليست في الطلبة الذين شملهم هذا القرار، بل بالطلبة الذين استنفذوا بعد هذا القرار، فمن قبل جائحة كورونا كانت المطالبات بمنحهم دورات امتحانية قائمة ومرتفعة، وكانت حجراً في المياه الراكدة لدى الاتحاد الوطني لطلبة سورية، الذي يُعتبر الأب الروحي للطلبة الجامعيين والمعني الأول بحقوقهم ومشاكلهم، والذي يُغمض اليوم عينيه عن هذا الملف كما يصفه عدد من الطلبة الذين عقدوا الأمل عليه في رفع صوتهم للوزارة ومساندتهم، وإلى الآن لا توجد أيّة قرارات تخص المستنفذين من جهة دورات امتحانية، ولا من جهة الاستجابة لأصوات الطلبة المطالبة بإلغاء قرار تحويل المُستنفذ من العام إلى الموازي، وآخر قرارات الوزارة كانت تحديد موعد الامتحانات والاجراءات الوقائية والسماح للطلبة خارج القطر بتوقيف تسجيلهم، وبهذا أعود لما بدأت به بأنهم وبرغم عددهم الكبير والكثير منهم على بُعد مادة واحدة للوصول لسنة التخرّج، بأنهم لا محلَّ لهم من الإعراب حالهم حال (يادادا).

العدد 937 - 25/11/2020