فضاءات ضيقة | التيئيس قرين التفاؤل الأحمق

د. عاطف البطرس:

في حياة الشعوب، كما في حياة الأفراد، لحظاتٌ من الانتكاسات والتصدعات والانكسارات يسبّبها تفاعل قوى خارجية وداخلية تعمل متكاتفة على إعاقة تطور المجتمعات والشعوب والأفراد.

في مواجهات التحديات الكبرى تتكاتف المكونات الاجتماعية للدفاع عن نفسها، في عملية غريزية عفوية من جهة، وواعية عقلانية من الجهة الأخرى، للمحافظة على الكلّيّة الاجتماعية التي على أساس وحدتها يتحدد مصير المواجهة التي تستهدف وحدة الأوطان وسيادتها.

تفرز الحروب الطاحنة في الداخل والخارج مواقف متباينة ومتناقضة أحياناً، وتستخدم فيها أسلحة مختلفة أكثرها خطورة وأشدها فتكاً على المدى البعيد: نشر اليأس، والعمل على إحباط عزائم القوى المتصدية للأخطار المحيطة بالدولة وبالمجتمع والوطن.

التيئيس، في خضمّ المعركة، لا يقلّ خطورة عن الخيانات التي قد تحصل فيها. وللتيئيس أساليب وأشكال، تقوم بها وسائل الإعلام بكل أشكاله، والغاية والهدف منه هو الإحباط والاستسلام، وإحدى طرقه المبالغة بقوى الأعداء والتصغير من فعالية قوى المقاومة.

وفي مقابل دعاة التيئيس، ثمة من يدعونا إلى التفاؤل المفرط، فيرون نصف الكأس الملآن، وليس الفارغ، وكل تفاؤل لا يبنى على أرضية معرفية صحيحة وإدراك عميق لحجم قوى المواجهة وإمكانياتها يشكل خطراً محدقاً بهذه القوى، خاصة إذا جرى الترويج والمبالغة بتلك القوى، بتنزيهها عن النواقص والسلبيات، وتصويرها وكأنها خالية من العيوب، وأنّ بوسعها تحقيق الانتصار بسهولة في معركة شرسة ومتعددة الجبهات محفوفة بمخاطر قاتلة.

التفاؤل الأحمق قرين التيئيس في المواجهة، فكل تفاؤل لا يبنى على أساس موقف نقدي تحليلي عقلاني لطبيعة القوى ومصادرها لأصحاب المواجهة، قد يفضي إلى عكس النتائج المتوخاة منه، وهي تسليح المقاومين بوعيٍ نظري وممارسات عملية تساعد قوى التغيير على المقاومة لإنجاز مهامها المركبة الآنية والمستقبلية.

قد تحدث في غضون المواجهات الكبرى انتكاسات وتراجعات، فالمعارك ليست انتصارات متواصلة وطريقها ليس مستقيماً، فثمة تعرّجات فيه ومخاطر، مما يرتب على دعاة التفاؤل عدم التقليل من حجم التراجعات وتأثيرها، بحجة عدم نشر اليأس، لأن الاعتراف بالحقائق من أهم مقومات النجاح.

المبالغة في الانتصارات المحققة، دون أرضية واقعية لها، يؤدي إلى خيبة الآمال وشعور بالإحباط.

الواقعية في التحليل وتقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة يجنّبنا خطر الوقوع في تحقيق انتصارات وهمية، كما أن المبالغة في حجم الخسائر يفضي أيضاً إلى وهمٍ ما يلبث أن ينكشف ولو بعد حين.

إذا يئس المقاومون خسروا قضيتهم، وإذا بالغوا في التفاؤل واطمأنوا إلى إنجازاتهم وإمكانياتهم وهنت قواهم وتثاقلت خطاهم، وابتعدوا عن تحقيق الانتصارات التي تحتاج دائماً إلى شحذ القوى والاستعداد الدائم للمواجهة التي تولّد فرحاً داخلياً ونشوة، بغض النظر عن النتائج، فكيف إذا كانت النتيجة هزيمة الأعداء، فلا حزن مع المقاومة، ولا يأس.

قد يطول الطريق وتتعقد المواجهات وتتعاظم الخسائر، لكنّها تهون عندما تكون المعركة من أجل حرية الوطن وسيادته، ووحدة نسيجه الاجتماعي، وضمان الحرية في خياراته المستقلة.

العدد 932 - 21/10/2020