السيد دولار يُفقر الفقراء ويغني الأغنياء

أحمد ديركي:

لم يعد خافياً على أحد أن فقراء هذا البلد يعيشون أزمة متفاقمة، متنقلين من أزمة إلى أزمة أعمق، مقابل أغنيائه الذين يعيشون متنقلين من رفاهية إلى رفاهية أوسع، على حساب استغلال الفقراء، تحت مسمّيات عدة قد يكون أبرزها حالياً: تأرجح سعر صرف الدولار الأمريكي في السوق السوداء!

الفقير لا يعرف ماذا يعني تأرجح سعر صرف الدولار الأمريكي، وإن عرف فهذا الأمر لا شأن له به، في بلد يُمنع فيه التعامل بعملة (الإمبريالية) الدولة المعتدية على بلد هذا الفقير، والمحتلة لجزءٍ من أرضه، والداعمة للإرهاب، والسارقة لنفطه… وتكثر التوصيفات.

فكيف للفقير أن يتأثر بعملة هذا البلد المعتدي؟ وإن صادف أن حصل على عملة البلد المعتدي وأُلقي القبض عليه وهو يتعامل بعملتها، فإنه يُسجن وفقاً للقانون، فضلاً عن الإهانات والتوبيخات الموجهة له ما قبل الاعتقال.

للفقير دخلٌ واحد بعملة وطنه، دخل واحد ثابت ومثبت بقرار سلطوي. دخلٌ شهري، وفقاً لكل الدراسات العلمية البعيدة عن التزلّف والمتزلّفين، لا يكفي للعيش والبقاء حياً ليوم واحد.

تكثر الأدلة على هذا الأمر، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الفقير صاحب الراتب الشهري الذي لا يزيد عن 50 ألف ليرة شهرياً لا يكفيه للبقاء على قيد الحياة لأكثر من يومين. السبب هو الإيجار الشهري لغرفة واحدة في المدينة يزيد عن دخله الشهري. ولنفترض أننا ما زلنا نعيش في عصر المعجزات، ووجد غرفة للإيجار بما يوازي دخله الشهري، سيدفع كلّ دخله إيجاراً للغرفة، فمن أين يأكل؟ وكيف يشتري ثياباً تستر عورته؟ وكيف يدفع فاتورة الكهرباء والماء، والنقل للذهاب إلى عمله … أي من أين له أن يؤمن تكاليف ضروريات العيش اليومية؟

ما من مصدر ليمنع الجوع أو ليتسول أو ليرتشي أو ليقوم بأي عمل لا قانوني ولا أخلاقي ليبقى على قيد الحياة ما دام لم يكتشف أمره علناً.

أما السيد دولار فهو متاح لكل صاحب رأس مال، يستورد، ويبيع، ويشتري البضائع المستوردة للوطن، سواء كانت بالطرق الشرعية ام لا، فالبضائع المهربة إليه كثيرة. أما السيد دولار، العملة الرسمية التي يتعامل بها الرأسمالي، والربح هدفه، تسعّر بضاعته في الأسواق وفقاً لسعر الدولار، وإن كانت البضاعة محلية الصنع!

لذا نشهد يومياً أسعاراً جديدة للبضائع الموجودة في الأسواق، سواء كانت محلية الصنع أو مستوردة بالطرق الشرعية أو غير الشرعية. أسعار مضطردة الارتفاع، لا تعترف بدخل المواطن، ولا بواقعه المعيشي، ولا بأي شيء له علاقة خارج مفهوم تحقيق الربح للرأسمالي. لأن الربح محمي قانونياً وجوع الفقير غير محمي قانونياً، يلعب سعر السيد دولار لعبةً بوجهين: الوجه الأول هو الحفاظ على معدل أرباح أصحاب الرأسمال، والوجه الآخر هو رفع مستويات جوع الفقير.

وبهذا يصبح الفساد نظاماً متكامل البنية، لا مسألة عابرة يمكن القضاء عليه بمجرد القيام بحملة إعلامية، ولا بإغلاق متجر هنا أو هناك، وإلقاء القبض على تاجر هنا أو هناك.

إذاً، على من يريد القضاء على الفساد أن يقضي أولاً على البنية المؤسِّسة له، لا على مظاهره الخارجية غير المؤثرة في بنيته.

العدد 895 - 22/1/2020