عام الصمود العقلاني لمواجهة داعشية لا إنسانية

د. سنان علي ديب:

دأبنا في نهاية كل عام على كتابة محتوى يلخّص أهم معالمه، في ظل تطورات الحرب القذرة ومنعكساتها المهدمة لأقوى بلدان العالم، فقائدة الفوضى والدمار العالمي لو تعرّضت لمثل هذه الحرب، بمركباتها وتعقيداتها، لتشظّت لأكثر من 50 جزءاً، ولكن بصمود شعبي أسطوري يدعم ويؤازر، تستمر انتصارات المؤسسة العسكرية، في ظل قيادة أزموية ناجحة بأغلب عناوينها، وإن كان هناك بعض التساؤلات عن تمرد دواعش داخلية سعت لتقويض إعادة الانطلاق والانتعاش المرتقب.

كان العنوان الأكبر للعام هو محاولة قتل الليرة وتدمير الاقتصاد عبر المضاربة من خارج الحدود، وعبر التكريس الإعلامي المحبط، ورغم ذلك كانت الأدوات المواجهة جاهزة ولو تخديرية آنية، في انتظار الحصاد الإنتاجي لموارد استثمرت ولطاقات جددت. ولكن هذا لم يعجب دول العدوان اللاإنساني، الدول المدّعية للديمقراطية وهي نبع الاستبداد والقتل والديكتاتورية.

دول خسّرت سورية أكثر من 700 مليار دولار عبر تدمير ممنهج للمعامل والبنى التحتية وللبناء، وعبر سرقة مصادر الطاقة، وقتل أكثر من مليون، وإعاقة أضعافهم وتهجير ملايين وسرقة الكفاءات والعقول، ورغم ذلك كيف يمكن قبول تعافي الاقتصاد والعودة القوية؟ فلا بد إذاً من تسخير كل الأدوات من دواعش داخلية اغتنت من الفساد والإفساد والتأزيم، ودول إقليمية هدفت لتطويل الأزمة ومنع الحل السياسي الذي يريده ويبتغيه الشعب، وحصار جائر وعقوبات قاتلة منعكساتها مزيد من قتل وتدمير الشعب، وافتعال اضطرابات في دول محيطة لشعوب حقها الكرامة والعدالة، وكل هذا لسلبنا حريتنا ومنعنا من حل مشكتنا برغبتنا وإرادتنا. وهذا ما يبرر توقيت قانون سيزر الذي وقعه رئيس دولة الغطرسة وقتل الديمقراطية وحقوق الإنسان، دول التقدم والتقنية والرفاه لشعبها ومنع أي تنمية والتقدم للآخرين. والغاية من التوقيت قطع أي تطور في علاقات دولتنا مع المحيط، وترهيب الآخرين وزيادة الحصار لمنع الولوج الضوئي من نفق ظلام هم مسببوه، ويرمي هذا القانون لمعاقبة كل مسؤولي البلد ومنع التعامل معهم، وكذلك معاقبة الشركات والمؤسسات التي تتعاون مع سورية بمجالات إعادة البناء والطاقة، بعد أن أعلنت هذه الدولة احتلالها وسرقتها لآبار نفطنا وغازنا.

ورغم عدم شرعية هذا القانون، فهو تدخل سافر بشؤون وسيادة الدول الآخرى خارج إطار المؤسسات الدولية، تحاول الولايات المتحدة إخراجه وكأنها هي القائدة وهي الأمم المتحدة ومجلس الأمن ويجب تطبيقه!

ونسأل: هل كنا أحراراً قبل هذا القانون ولا يوجد حصار وعقوبات وعراقيل؟

هل كانت سيرورة الاستيراد والتصدير وقيمة الليرة تسير بشكل طبيعي وبلا قيود؟

هل انتظرنا إملاءاتهم للسير بإعادة البناء وإعادة المهجرين؟

لم يغير هذا القانون شيئاً في تطورات الحالة الإقليمية والسورية إلا أنه محاولة إذلال لدول العالم والتلويح بعصا تضربهم إن خرجوا عن مسار القطيع المرسوم لهم أمريكياً. وما العقوبات للمؤسسات العاملة بسيل 2 للغاز الممتد من روسيا لألمانيا إلا أكبر دليل. ما يهمنا هو أنه رغم هذه المسخرة التخويفية التضليلية لابد من إجراءات جديدة أسّها الاعتماد على الذات والإحاطة بالفساد وضرب دواعش الداخل. وكم يحزن كل شريف بهذا الوطن عندما يعلم أن حجم أموال السوريين المحجوزة بلبنان بلغت 52 مليار دولار كان الشعب والبلد أحق بها لتفادي ما يحاك لنا من محاولة النيل منا ومن بلدنا وجعلنا دولة فاشلة.

القطاع العام الذي تستمر محاولة قتله من أيام الانقلاب الدردري إلى اليوم ألم يكن هو أساس الصمود الأسطوري في الثمانينيات رغم اختلاف الظروف؟ أليس من المعيب أن الأموال قبل الأزمة كانت متوفرة والحاجة لـ100 مليار دولار فقط لتعود الطاقة الإنتاجية إلى أكثر من 50 مصنعاً؟ ولكن من يحتكر ويتحكم بالاستيراد ويربح مليارات الدولارات لن يسمح بإصلاح كهذا.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة كانت وستظل من أهم أدوات العلاج الاقتصادي والاجتماعي، واستثمار الأموال النائمة في أدراج المصارف. تشاركية حقيقية وليست نهباً وخصخصة مستترة لتعاون كل القطاعات لاستثمار الموارد. تقليص الاستيراد لأدنى حد مما هو ضروري. الإعلام التوجيهي التثقيفي الهادف للترشيد وتوضيح قزامة هذا القانون من ناحية التأثير وحشد الطاقات.

ويبقى السؤال: ما دور الدول المواجهة للأمريكان في تقويض هذا القانون الموجه ضدهم؟ هل سيكون هناك تسهيلات ائتمانية والتعاطي بالعملات المحلية بديلاً للدولار؟ وما دور المغتربين ومن غادر البلاد؟

في كل مرحلة تاريخية بتطور البلاد هناك أدوات استثنائية ورغم ما تكلموا به عن التأميم والإصلاح كان أداة كرست وجهزت قاعدة انطلاقة تنموية أسست القاعدة لقوة مواجهتنا الحالية، فماذا سنفعل في مرحلة مفصلية هدفها أبعد مما يتوهم البعض الحاقد اللامنتمي.

أي محاولة لليّ ذراع الحكومة ومواجهة مؤسسات الدولة خيانة. وكم اشتكى رئيسها من تمردات وتحريضات علنية وضمنية لطامحين أو لمأجورين!

لكل مرحلة رجالها وآن الوقت للتعيينات المعتمدة على الكفاءات والنزاهة بعيداً عن المحسوبيات.

للسيادة عنوانها وأدواتها، آن الوقت لتدابير تحمي سيادتنا وتحصن داخلنا وتسير نحو حل سوري لن يكتب إلا بما يريد شعبنا وفق المسامحة والمصالحة وتقويض الانعكاسات الأزموية بكل أشكالها.

قانون سيزر غير الإنساني وغير الشرعي ولد قزماً إن عرفنا كيف نسير وجعلنا رائدنا مصلحتنا الوطنية، فيجب ألا نجعله مارداً بسوء خياراتنا.

العدد 921 - 29/07/2020