مهرجان جمعية الشعر.. وضرورة التأسيس لمنظومة عمل جديدة (1)

عباس حيروقة: 

بداية لا بدّ من أن أشير لا بل أؤكد أن ما سآتي على ذكره من ملاحظات ليس الهدف منها الإساءة أو النيل أو الانتقاص من مؤسستنا: اتحاد الكتّاب العرب، التي نعتز ونفخر بأننا أعضاء فيها، أو من أحد زملائنا، بل على العكس تماماً كل الهدف وأقصاه أن نرتقي بمفهوم العمل الثقافي تجاه النضوج.. نرتقي ببعضنا البعض.

ثانياً ولكي أقطع الطريق على من سيتفضل بالقول لماذا نكتب هنا أو هناك ولا نتحدّث بهذه الأشياء تحت قبة الاتحاد؟ في جمعيتنا.. جمعية الشعر؟ أقول : وهل أكتب أو أنشر في صحف أو منابر خارج سوريتنا النور مثلاً ؟؟!! أم على العكس تماماً أكتب وأنشر في منبر سوري وطني نفخر به لأن لا ثقافة بلا إعلام وطني ولا إعلام وطني بلا ثقافة, وما المانع أن نتحدث هنا وهناك معاً؟!

أقامت جمعية الشعر يومي الأحد والاثنين من هذا الشهر مهرجانها السنوي الشعري، الذي افتتح بندوة نقدية وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد الكتاب العرب وتأسيس وزارة الثقافة أيضاً، وبالتعاون مع الهيئة العامة للكتاب.

لن أدخل في هذه العجالة بحيثيات ما قدّم، ولكن ما يمكن قوله باختصار إن الندوة النقدية جاءت بعناوين جد هامة وغنية وقدم الزملاء المشاركون ما هو مميز وحيوي باذخ.

وكذلك الشعر تألقت بعض الأصوات في جلستين الأولى مسائية ومن ثم تبعتها في اليوم الثاني جلسة صباحية قدم الشعراء بعض نصوصهم، فكانت متفاوتة المستوى وهذا طبيعي حتى عند الشاعر نفسه بين قصيدتين، ولكن بالمجمل وجود بعض النصوص المائزة شكل ناهضة ورافعة لسوية المهرجان.

ولكن ما يمكن أن أسجله هنا لا يلغي أهمية ما قدم ولا يبخس جهد أحد ما، ولكن أهمس هنا من باب المحبة والغيرة بهدف الوصول إلى صورة أكثر جمالاً وبهاء تليق بمؤسسة ثقافية سورية حقيقية، معوّلاً على رحابة صدور إخوتي وزملائي.

أولاً_ نحن في جمعية الشعر ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر نتداول إقامة هذا المهرجان على طاولة الجمعية في اجتماعاتها الدورية، إلى أن تقرر وبعد مداولات إقامته في المركز الثقافي العربي في ( أبو رمانة)، وهذا ما معناه أن يكون الإعداد قد جرى على كما يقال ( نار هادئة) لا سيما أننا دعونا إلى أن يتم تشكيل لجنة للإعداد لهذا المهرجان الذي من المفروض أن يكون بمناسبة جد هامة ولن تتكرر في عهدنا نحن (العيد الذهبي لتأسيس الاتحاد) من شأن اللجنة التباحث والتدارس والتوصل إلى صيغة ما للخروج بالشعر إلى الناس.. إلى الجامعات.. إلى المدارس.. إلى الساحات العامة.. الخ وأيضاً التواصل مع الإعلام بكل فروعه المقروء والمسموع والمرئي وقدم اقتراح إقامة مهرجان شعري في كل المحافظات في اليوم نفسه والتوقيت نفسه الذي يقام في دمشق وتم تبني هذا الاقتراح بالإجماع ولكن ما الذي حدث؟ وكيف؟!

أولاً_ لم يتم الإفصاح عن الأسماء المشاركة إلا قبل أيام قليلة من المهرجان، ولم يتم تبليغ جميع المشاركين كما تبين من كلام الزملاء.. وحين السؤال عن السبب جاء الجواب بأنه نُشر الإعلان عن المهرجان على صفحة الجمعية وموقع الاتحاد وأيضاً تم تبليغ الفروع.. ولكن السؤال هل أصبحت صفحات التواصل وسيلة رسمية وحسب دون سواها؟ لعلّ البعض ليس لديه صفحة أو خبرة في التواصل؟!!

ما الذي كان يمنع من إعلام المشارك هاتفياً مثلاً أو من خلال الرسائل النصية ؟!

ثانياً_ من البداهة أن مهرجاناً بهذا المستوى أن يكون ثمة ملصقات خاصة به.. بمناسبته.. بأسماء المشاركين.. من البداهة أن يكون ثمة ملصقات تعلّق على مداخل المركز الثقافي العربي بأبي رمانة أو باتحادنا الأم مثلاً وهذا أضعف الإيمان.

وأن تكون ثمة بطاقات دعوة تطبع توزع على أو إلى وسائل الإعلام والجامعات مثلاً ؟! وحتى كان من الممكن أن تكون غير لافتة أو يافطة تتوزع هنا وهناك في شوارع وساحات دمشق الأهم، ولكن للأسف لم نستفد من عدم نجاح تجربتنا مع جامعة دمشق في فعالية سابقة قد أقمناها من أشهر قليلة!

كما أنه أصلاً لم يعتبر مهرجاننا هذا من ضمن خطة ثقافة دمشق – المركز الثقافي العربي في أبي رمانة أو بالتعاون معه، معتبرين أن نشاطنا هو خاص بنا وحسب، وعدم وجود الفعالية ضمن كراس النشاط الشهري يؤكد ما ذهبنا إليه.

ثالثأ_ أرى أن اتحادنا أو بشكل أدق جمعيتنا قد ظلمتنا وظلمت نفسها في اختيار مركز (أبو رمانة) بهذا الشكل الهش، الذي رأيناه، وغير المدروس مكاناً لتنفيذ فعاليتنا هذه، وتأتّى هذا الظلم من خلال التزام المركز بفعالية عقب فعاليتنا مباشرة، وهذا ما تسبب بتسريع محاور الندوة وحرقها كيفما اتفق، وخاصة عدم فسح المجال للحوار رغم رغبة العديد من الزملاء بالكلام. 

رابعاً_ الجلسة المسائية فوجئنا بتوقيتها غير المبرر أصلاً (الرابعة ظهراً) وأتت الحجة أن المركز ملتزم أيضاً بفعالية مسائية تعقب مهرجاننا، وهذا ما ساهم أيضاً إلى حد ما بضغط المشاركات

والسؤال البدهي هنا: لماذا لم يتم التنسيق مع ثقافة دمشق منذ أشهر حين طرحنا فكرة المهرجان غير مرة على طاولة الجمعية وتوصلنا إلى قرار باعتبار مركز (أبو رمانة) مقراً للفعالية؟!

خامساً : حين تبنينا فكرة إقامة المهرجان في مكتبة الأسد أو في أبي رمانة كانت الفكرة راقية جداً بأن نخرج تجاه المجتمع.. الناس.. الطلاب .الجامعات بمفردات وأدوات جديدة مغايرة لا أن نكتفي بحضور المشاركين وحسب, وهذا كان من المفروض أن يتحقق لو تم الإعداد الجيد للمهرجان. أما ما وجدناه في مهرجاننا هذا فهو على عكس ما خطط له، إذ لم نلحظ هذا الحضور الجماهيري ولا حتى الاعلامي كما كان متوقعاً أو كما كان يتم الحديث به وعنه، وهذا يعكس إن لم نقل فشلاً ما فمما لاشك فيه فإنه عكس صورة غير حسنة عن عملنا وتجسد أكثر ما تجسد في اليوم الثاني.. في الجلسة الصباحية من القراءات الشعرية إذ اقتصر الحضور تقريباً على المشاركين وبعض الضيوف بما لم يتجاوز أصابع اليدين!

سادساً_ في اليوم الأول حضر جميع أو معظم أعضاء المكتب التنفيذي بما فيهم السيد رئيس الاتحاد، وتم التكريم أصولاً وبحضور ومشاركة الدكتور مدير الهيئة العامة الكتاب وهذا.. كل هذا بداهة لأن مناسبة كهذه ومهرجاناً كهذا يقتضي حضورهم ( مناسبة تأسيس الاتحاد ووزارة الثقافة).

ولكن في اليوم الثاني.. مَنْ حضرَ؟؟!! ومن الذي حضر ثم انسحب قبل التكريم بدقائق خمس؟ ولماذا؟!

ومن كرّم الشعراء آنذاك وبماذا تم تكريمهم ؟!

ثمة تفاصيل أخرى حدثت ومن الممكن أن نتحدث بها لاحقا إن اقتضى الأمر, ولكن من الممكن أن اذكر على سبيل المثال بقاء عدد من زملائنا من جمعية الشعر وهم من خارج دمشق وريفها – ومنهم من له اسم في البرنامج كمشارك – في صالة المركز ولأكثر من ساعتين بانتظار الجلسة المسائية دون دعوتهم على مائدة الغداء بحجة أن الغداء للمشاركين من خارج دمشق وحسب، وكأن التحاقهم بالمشاركين سيشكل عبئاً ماديا على اتحادنا.. الخ.

وهنا أرى انه لا يليق بنا.. بمؤسستنا الثقافية، سلوك ارتجالي لا يمثل قيمةً ثقافية.

ولكن قد يقول قائل – وقالها لي – لماذا لا ننظر إلى النصف الملآن من الكأس؟

أقول : من البداهة أن يكون ثمة نصف ممتلئ هنا وهناك ولكن علينا أن لا نكتفي بالنصف فقط لطالما بمقدورنا أن نعمل معاً لنملأ ما تبقى من كأسنا الجميل، هذا إذ ليس بالصعب أو العسير , فقط يحتاج إلى تعميق مفهوم العمل المؤسساتي الجماعي لا الاعتماد على الجهد أو الاجتهادات الفردية.

ختاماً أقول ومن باب الوفاء للشعر.. لجمعيتنا.. للزملاء:

مهرجان تألق فيه الشعر على لسان بعض الشعراء وأبدع الزملاء في الندوة النقدية أيضاً ولكن من المؤكد أن ثمة إرباكاً لا بل إرباكات كثيرة حدثت وعكسها التنظيم غير الجيد والإعداد الباهت.

من الجميل والهام في اليوم الأول حضور أعضاء المكتب التنفيذي – أو بالأصح معظمهم – وتكريمهم للمشاركين بشهادات (تقدير – شكر) من قبل رئيس الاتحاد الذي لا نشك بتعاونه المطلق وسعيه لتقديم الأفضل للخروج بالصورة الأبهى عن مؤسستنا.. عن اتحادنا,  والجيد أيضاً ما قدمته الهيئة العامة للكتاب من عناوين جد هامة كإهداء لجميع المشاركين كل على حدا بمناسبة تأسيس وزارة الثقافة..

والأجمل أيضاً تلك اللقاءات الراقية الأصيلة التي جمعتنا مع إخوة لنا وزملاء من درعا والحسكة وحلب واللاذقية وحمص و..و..من مدننا الحبيبة.

تلك اللقاءات والحوارات والتي كتبنا مطولاً مطالبين بتنظيمها لأهميتها.. لأهمية الحوارات التي كانت وستبقى تدور بيننا نحن أبناء هذي الأرض المعفرة بدماء وبعرق أبنائها الأوفياء للماء وللرغيف وللغمام.

إن إقامة المهرجانات الشعرية والندوات النقدية الناجحة تحتاج إلى عمل جماعي ,

وهنا لن أحاضر ولن أنظّر على أحد، فالجميع إخوتي وزملائي، ولكن ثمة إشارات تعكس صورة حقيقية عن ضعف كبير في فهم ماهية العمل الثقافي وأدوات الاشتغال به وعليه فمثلاً:

ليس من المعقول أن مدير إدارة الجمعيات لا يعلم تفاصيل وبرنامج مهرجان جمعية تتبع له.. وكما ليس من المعقول أيضا أن يقوم المكتب التنفيذي بمهرجان شعري كبير وهام على مستوى سوريتنا وبالتعاون مع غير هيئة ومؤسسة في حين أن جمعية الشعر وحتى مقررها لا علم له في ذلك ولسنتين متتاليتين!

نعم أرى أن ثمة فهماً خاطئاً ولبس كبيراً حدث ويحدث في مفهوم العمل الثقافي..

ختاماً وبمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس اتحادنا – اتحاد الكتاب العرب – لا بد لنا من أن نقول إن اتحادنا مؤسسة راقية نبيلة قدمت لنا.. لأعضائها.. للأدباء عامة في سورية وخارجها الكثير الكثير كما كان لها ولعقود طويلة الدور الجيد في رسم مشهد ثقافي سوري معافى وأصيل.

من هذا المنطلق علينا جميعا كأعضاء وكأدباء ومثقفين أن نعمل على تأسيس منظومة عمل جديدة بمفردات جديدة ومغايرة، تهدف إلى تعزيز دور الثقافة.. الكلمة وفعلها الايجابي في ترميم كل ما تهدم في نفوسنا، والانطلاق تجاه حقول من القمح والورد والندى.

أن نعمل كل ما من شأنه المحافظة على اتحادنا لا بل تطويره ليكون مؤسسة أكثر رقيّا نباهي بها أنّى ذهبنا وشاركنا.

العدد 938 - 02/12/2020