حول المسألة التعليمية

يونس صالح:

يبدو للوهلة الأولى أن العوائق في العملية التعليمية محدودة، إذ يجري الحديث دوماً عن الطالب والمعلم والمنهج والطريقة والبناء المدرسي، إلا أن الحديث عن التعليم حالياً لم يعد محصوراً ضمن هذه الأبعاد المحدودة، بل تعدّاها إلى عدد كبير من العوامل التي تؤثر على العملية التعليمية، وتقودها إلى نتائج غير ظاهرة، ولكنها محسوبة وواضحة ومتوقعة بالنسبة للمخطط الذي يرصد العملية من ألفها إلى يائها.

ومن هذا المفهوم لم يعد ممكناً دراسة العملية التعليمية بمعزل عن الجوانب الأخرى كالتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والبشرية، التي تسهم سلباً أو إيجاباً في دفع العملية أو في إعاقتها.

ولفهم طبيعة مشكلات العملية التعليمية لدينا، ينبغي التعرف إلى طبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والدينية كعوامل مؤثرة ومتأثرة، ومن هذا المنظور سوف أجمل الحديث عن مشكلات التعليم عندنا وفي تناول الأبعاد الرئيسية التالية:

 

الرسوب والتسرب

يقصد بالرسوب: الإعادة، ويقصد بالتسرّب: ترك الدراسة قبل إنهاء المرحلة. ولقد تعددت أسباب التسرب، فمنها ما هو صحي، ومنها ما هو اجتماعي، أو تربوي، إلا أن أهم أسبابه هي الحاجة إلى الأطفال كقوى عاملة في مختلف مجالات العمل، وبخاصة في النشاط الزراعي والحرفي. وبدا ذلك واضحاً إثر الأزمة التي عانت منها بلادنا ولاتزال تعاني، ولقد سجلت الإحصاءات التقريبية حالياً نسباً عالية جداً بلغت من 20 إلى 30 %.

إن مشكلة الرسوب والتسرب أخذت تشكل عبئاً ثقيلاً على تمويل التعليم، ولقد أخذت سورية بفكرة النقل الآلي، وبخاصة في السنوات الدنيا من المرحلة الابتدائية كحل لمشكلة الإعادة والتسرب، إلا أن هذه التجربة أدت إلى انخفاض المستوى العلمي وسببت بلبلة للعاملين في التعليم إزاء موقف جديد لم يكن التكيف مع متطلباته هيّناً.

 

الزيادة السكانية وطبيعة الهرم السكاني

سجلت سورية زيادة كبيرة في نسبة المواليد في العقود الخمسة الماضية، وصلت بعضها إلى 3 %  بفعل ما تحقق من تحسن في الوضع الصحي والعلاجي الوقائي، حتى أصبحت هذه الزيادة تشكل خطراً على مستوى المعيشة للفرد، وخصوصاً في ظل عدم وجود استراتيجية تنموية واضحة المعالم للحكومات المتعاقبة. لقد قللت من زيادة نصيب استهلاك الفرد رغم ما سجله الإنتاج من تصاعد، ولتبيان أثر هذه الزيادة على التعليم فإنه يجب إلقاء نظرة على الهرم السكاني في سورية، فالقاعدة العمرية الصغيرة واسعة جداً، في الوقت التي تضيق جداً في الأعلى. وهذا ما يضع أمام الدولة أعباء مستمرة كبيرة فيما يتعلق بالتعليم، وتغيب هنا المعطيات الرسمية، إلا أن أعداد الوافدين على المدارس في سنواتها الأولى في ازدياد مستمر، مما يتطلب نفقات زائدة باستمرار.

 

انتشار السكان والحياة الرعوية

إن انتشار السكان وحياة التنقل الدائمة والموسمية هي من المشكلات المهمة التي يعانيها التعليم كما تعاني منها التنمية الاقتصادية، ذلك أن إيصال الخدمات التعليمية وامتدادها إلى أماكن بعيدة عن المركز هي عملية صعبة، لها مشاكلها المالية والإدارية والبشرية والنفسية، فالكثيرون يرفضون العمل في هذه الأماكن غير المستقرة والخالية من الخدمات، إضافة إلى أن هذه القبائل الرعوية تغير أماكنها باستمرار جرياً وراء المرعى الجديد الذي هو عصب الحياة بالنسبة لهذه القبائل، وتشير الإحصائيات التقريبية إلى أن هناك 10 % تقريباً من السكان هم رعاة رحل، وهذا معناه توزّع سكاني بكثافة متدنية تسبب عبئاً ثقيلاً على الدولة في نقل وإيصال الخدمات التعليمية، بالرغم من أن الموارد المالية الضخمة إذا توفرت يمكن أن تذلل هذه المشكلة.

 

الأصالة والتحديث

يواجه الشباب من المتخرجين الجدد كثيراً من الصعاب والمقاومة، كانت الأجيال الأولى من الهيئات المسؤولة غير راغبة في تطوير المناهج والطرائق، مما أدى إلى صراع أثر على تقدم العملية التعليمية نفسها. إن الرواد الأوائل أسسوا نظماً وأساليب ولبثوا مستمرين عليها، بينما الجدد يرون عدم جدوى استمرار هذه النظم والمناهج والطرائق ورتابتها، وأنه لابد من الاستجابة لمتطلبات التطورات الحديثة في عالم التربية، ولقد أدى كل ذلك إلى بروز ظاهرة الهيئات غير المتجانسة، وإن استمرارها معناه استمرار البلبلة إزاء قضايا التعليم. إن كثيراً من المتتبعين للأوضاع في البلاد يلفتون النظر إلى وجود أزمة إدارية ليس فقط في الأجهزة المركزية، بل ينطبق ذلك على كل الهيئات الصغيرة منها والبعيدة عن الإدارة المركزية، ومن هذا المنظور فإنه ينبغي الاهتمام بتغيير سلوك أجهزة وزارة التعليم المركزية قبل تطوير الأجهزة المحلية، إلا أنه من المثير للدهشة أن البلاد مضت في الاتجاه المعاكس.

 

إعداد المعلمين

لقد وجدت البلاد نفسها فيوضعٍ حرج أمام التوسع في التعليم وشدة الإقبال عليه، فاضطرت إلى الاستعانة بكل الهيئات الموجودة في الوسط المحلي، وإن لم تكن مؤهلة للعملية التعليمية، ونشأ ما يسمى بعلم الضرورة، وفتحت دورات قصيرة وطويلة لتأهيل معلمين ذوي مستويات دنيا، وأنشئت معاهد ذات مدد قصيرة لتخرج معلمين مؤهلين نسبياً، كما استمرت البلاد في فتح معاهد إعداد معلمين، إلا أن بعضها يعاني من تسرب المعلمين، لا سيما الطموحين منهم، بسبب قلة الرواتب أو تكملة للتحصيل العلمي.

أخيراً يمكن القول إن معالجة مسألة تدني المستوى المهني للمعلمين لاتزال قائمة، رغم كل الجهود التي بذلت لتحسينها، وهذا الأمر يتطلب إعادة النظر جذرياً بسياسة إعداد المعلمين التي يجب أن تكون مبنية على الاختيار الصائب لهذه الفئة، وكذلك رفع المستوى المعيشي لها، وإيجاد الحوافز الضرورية لتؤدي مهامها بأحسن ما يمكن.

 

الاتجاه الكمي والاتجاه النوعي

تمر البلاد في حيرة إزاء اتجاهين مختلفين، فهناك من يرى التوسع في التعليم وقبول كل الأطفال الذين هم في سن التعليم، بغض النظر عن مدى الإمكانات المتوفرة من معلم وكتاب ومختبر وبناية مدرسية وغيرها، مما يتسبب في اكتظاظ الغرف بأعداد كبيرة من الطلاب، ويتسبب في عدم استطاعة المعلم رعاية العملية التعليمية، فينخفض المستوى العلمي. أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أنه من الخطأ أن نعد مواطناً ناقصاً، وأنه لا بد من الحفاظ على حد معين لائق من المستوى التعليمي والتربوي الذي يكفل إسهام المواطن في تنمية وبناء الوطن مستقبلاً. ومن هذا المنظور فإن التوسع في التعليم يكون موازياً للإمكانات الموجودة ومتطوراً معها.

وبالرغم من منطقية الاتجاه النوعي في التعليم، إلا أن العوامل الإنسانية ووجود الأمية بنسب كبيرة غلبت حتمية سلوك الاتجاه الأول رغم سلبياته، إلا أن الاستمرار بذلك لم يعد يتلاءم وحاجات التطور الجارية لا في العالم فقط، وإنما في البلاد أيضاً.

 

تطور التعليم

بدأت الدول المتقدمة بتعميم التعليم، في ظل ازدهار صناعي سريع، وأضحى التدريب ضرورة في عصر أصبح فيه التكنيك في عملية تطور مستمر، فنشأ ما يسمى بالتعليم الوظيفي، ثم نشأ ما يسمى التعليم مدى الحياة لجميع الأعمار، وبوسائل شتى.

والمشكلة لدينا أن الدولة وجدت نفسها أمام معالجة كل هذه المراحل، كما أن التطور السريع في العلم والتقنية، ووجود نسبة عالية من الأمية، ألجأها إلى تبني هذه المفاهيم إن هي أرادت اللحاق بالدرب، فينبغي لها أن تعلم كل الأطفال الذي هم في سن التعليم، وهم قاعدة الهرم العريض، وأن تكافح أمية الكبار، وتدريب القوى البشرية العاملة على الوسائل الحديثة، كما أنها مدعوة في الوقت نفسه إلى القيام بتوعية شاملة للمواطنين من جميع النواحي، في ظل واقع لا توجد فيه الموارد الضرورية لتحقيق ذلك.

 

التعليم ومتطلبات العمالة

لم يعد ينظر إلى التعليم كما كان لدى الإغريق وغيرهم على أنه علم من أجل العلم أو أنه ترف يتمتع به الصفوة، وإنما ينظر الآن إلى الجانب العملي من التعليم، حيث تبرمج خطة تنمية متكاملة يكون التعليم أحد جوانبها الرئيسية من جهة، وفي خدمتها من جهة ثانية، مستجيباً لحاجاتها المصوبة سلفاً. ومن هذا المفهوم فإن تخريج شاب مثقف ليس له مكان في خطة التنمية أصبح إهداراً ينبغي أن يعاد النظر فيه. كما أن الفيلسوف الذي وضعه أفلاطون في قمة حكومته المثالية لم يعد صالحاً الآن، بل إن المواطن الذي يستطيع إصلاح ثلاجته المعطلة أفضل منه. من هنا فإن إعادة النظر في تخريج أعداد كبيرة من المتخصصين في الدراسات الإنسانية، والمتخرجين من السلّم الثانوي العام، الذين لا تستطيع خطط التنمية استيعابهم، أو تخريج طلاب من الفروع العلمية الضرورية لخطط التنمية غير مؤهلين للانخراط في تنفيذها، أمر يجب أن يتحقق وأصبح ملحّاً إلى درجة كبيرة.

 

الأبنية المدرسية

إن الأعداد المتزايدة سنوياً من الطلبة والإقبال الشديد على التعليم أدّيا إلى أزمة في الأبنية المدرسية، مما اضطر الهيئات التعليمية المسؤولة إلى استئجار أبنية ليست مصممة لتكون بناية مدرسية، فالغرف صغيرة، والبناية خالية من قاعات النشاط والمختبرات والساحات والملاعب، ولقد أثر كل ذلك على العملية التعليمية بصورة سلبية. إن الحلول لهذه المشكلة مرتبطة ارتباطاً كبيراً بالمسألة التمويلية، غير المتوفرة بالحد الكافي.

 

تمويل التعليم

تعاني سورية من الهوة الكبيرة بين التطلعات وما تملكه من موارد، وإن حل هذه المسألة لا يزال غير متوفر تماماً، إلا إذا لجأت البلاد للقروض الخارجية، كما فعلت الكثير من البلاد العربية الأخرى.

هذه المشاكل، التي جرى استعراضها سريعاً هنا، هي مشاكل أساسية ينبغي إيجاد حلول لها، إلا أن مشاكل أخرى تنبثق عنها، مشاكل لها تأثير مباشر على العملية التعليمية، أهمّها مشكلة الفساد التعليمي الذي أصبح منتشراً، والارتزاق التعليمي، وطرائق التدريس والتعليم التلقيني، وسياسة التمييز بين الطلاب، وكذلك السياسة المتعلقة بالامتحانات وغيرها كثير.

في الختام، إن معطيات الواقع الحالي تشير إلى ملامح تطور العملية التعليمية في المستقبل القريب، وتجعل تصوراتنا للمستقبل في هذا المجال باهتة، وذلك أن مشكلات التعليم المشار إليها في هذه المقالة سوف تبقى ملازمة للعملية التعليمية في الفترة اللاحقة، ولا توجد مؤشرات جدية لحلها بصورة جذرية.

 

العدد 890 - 11/12/2019