ماذا بعد استقالة الحريري؟

د. حسن خليل:

تستمر الانتفاضة الشعبية في كل المناطق اللبنانية، وتتسع لتشمل ساحات إضافية، بالرغم من تفاوت عدد المشاركين بين ساحة وأخرى أو بين يوم وآخر. إلّا أن السمة العامة المسيطرة هي استمرار الزخم الشعبي، الذي ترافق مع إضراب عام يشلّ أكثرية المؤسسات العامة والخاصة والمصارف والمدارس والجامعات، لقد أدت هذه الانتفاضة إلى فرز سياسي حاد في البلد بين قوى السلطة نفسها، وبين القوى السياسية الأخرى التي تفاوتت مواقفها بين المشاركة أو العزوف أو الاستغلال.

لقد لجأت قوى السلطة، منذ بداية الحراك، إلى العمل وبشكل حثيث، على استيعاب تلك الهبة الشعبية وتعطيلها من جهتين:

الأولى، من خلال الورقة المسماة إصلاحية، والتي سقطت قبل أن ينتهي الرئيس الحريري من تلاوتها، والثانية، من خلال القمع الذي أتى من بوابة القوى السلطوية، بهدف بث الرعب في نفوس المنتفضين ومنعهم من المتابعة. والنتيجة كانت إصراراً شعبياً على المواجهة واستكمالها، لإسقاط كل تلك المنظومة الحاكمة بأحزابها وقواها وسياساتها.

لقد أكدنا، منذ البداية، على الطابع السياسي الواضح للانتفاضة التي ترفض السياسات الحكومية المتوارثة والمرتبطة بالإفقار والاستغلال وضرب القطاعات المنتجة، وبالارتهان للشروط الدولية والاستجابة الطوعية لمتطلبات رأس المال المعولم. من هنا كانت الدعوة، منذ البدايات، إلى إسقاط كل تلك السياسات إضافة إلى الدعوة لتغيير أسس النظام السياسي، وإعادة تشكيل السلطة السياسية في لبنان من خلال انتخابات نيابية على أساس قانون يلغي القيد الطائفي، وما من سبيل إلى ذلك إلّا من خلال استقالة الحكومة الحالية وتعيين أخرى انتقالية وطنية تقوم بتلك المهمة، إلى جانب استعادة المال المنهوب وغيرها من البنود التي وردت في مبادرة الحزب التي أطلقها مع بداية الانتفاضة.

ما بين تعنّت السلطة التي رفضت الاستجابة لمطالب مئات آلاف المواطنين الذين نزلوا إلى الساحات، وإصرار المنتفضين على الاستمرار حتى تحقيق المطالب، تابعت تلك المنظومة تصعيد إجراءاتها في وجههم، وقد واصلت تماديها المقصود في القمع والتخوين والتهديد والتوقيف والاستدعاءات والعمل على فرز الساحات، إلى حدّ أنها وضعت (اللاءات) أمام أي تغيير مطلوب. هذا الواقع قد يدفع الأمور إلى مزيد من التصعيد؛ فمن يضع نفسه اليوم حارساً على بقاء هذا النظام السياسي ومدافعاً عنه – هذا النظام الذي أوصل البلد إلى كل تلك الأزمات التي واكبته منذ الاستقلال حتى اليوم وأوصد أبواب التغيير – لا يدري أنه قد وضع نفسه أيضاً في مواجهة أكثرية الشعب اللبناني، ضحايا هذا النظام، وهم بأكثريتهم الساحقة من فقراء لبنان وعماله، والذين هم بالمناسبة البيئة الشعبية التي حمت لبنان من كل التهديدات الخارجية، والذين شكّلوا خزان المقاومة في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومدّوها بالرجال والمال والسلاح والشهداء والجرحى والأسرى.

واليوم، وبعد أن قدم الحريري استقالة حكومته تحت ضغط الانتفاضة وتحقّق البند الأول من أهدافها، والذي يُعتبر في حدّ ذاته إنجازاً سياسياً هاماً، لا بد من استكمال المواجهة حتى تحقيق جميع الأهداف، وهذا ما تطرحه الانتفاضة في مرحلتها الثانية، المتعلقة بتشكيل حكومة وطنية انتقالية بالمواصفات التي ذكرنا آنفاً، مهمتها وضع قانون انتخابات خارج القيد الطائفي استناداً إلى المادة 22 من الدستور، واستعادة المال العام المنهوب وفق سلة من الإجراءات الواردة في اعلان انتفاضة 17 تشرين الأول، وفي كتاب نادي قضاة لبنان الموجّه إلى هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان.

وقبل الدخول في المهام الملموسة المطلوبة لهذه المرحلة، لا بد من التوقف عند النتائج السياسية الهامة التي توّجت باستقالة الحريري، وعند تأثيرها الإيجابي على المرحلة الثانية المرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة، ويأتي في مقدمها، أن الانتفاضة قد أطاحت بالتسوية الرئاسية، التي ستنعكس بكل تأكيد على العهد وعلى التيار الوطني الحر نفسه، وتحديداً على رئيسه جبران باسيل، الذي كان هدفاً للعديد من القوى السلطوية، بدءاً بالقوات اللبنانية وحركة أمل والمردة وجنبلاط، وكذلك الحريري، وهذا الأمر أدى، وفق ما رشح من معلومات، إلى رفض الرئيس ميشال عون إجراء أي تعديل وزاري، فضلاً عن أن إبعاده قد يشكل ضربة قوية للتيار، قد لا يتمكن من الخروج منها سالماً في ظل بعض الصراعات داخله وتأثير ما جرى على شعبيته. أمّا الخاسر الثاني في هذه المواجهة، فكان حزب الله، ذلك أنه لأول مرة يتم كسر قراره بعدم استقالة الحكومة، والذي أعلنه أمينه العام السيد حسن نصر الله.

لقد استخدمت السلطة السياسية مجتمعة، كل الوسائل لمنع استقالة الحكومة ولإجهاض الانتفاضة، بدءاً من الموافقة على الورقة المسماة إصلاحية، والتي تعتبر أسوأ مما كان وارداً في الموازنة، مروراً بالمراهنة على تراجع أعداد المنتفضين مع مرور الوقت، ووصولاً إلى الاعتداء على المتظاهرين من قبل مناصرين لحزب الله وحركة أمل في رياض الصلح وساحة الشهداء وبنت جبيل وصور والنبطية، مراهنين على وأد الانتفاضة و(شيطنتها)، كل ذلك على خلفية عدم الفصل بين ما يجري في لبنان وما يجري في المنطقة وتحديداً في العراق. من هنا نرى أن تلك الاستقالة ستترك تصدعاً كبيراً على مستوى العلاقات السياسية والمذهبية في المرحلة القادمة، لأن الاستشارات النيابية قد لا تأتي بتكليف جديد للحريري بتشكيل الحكومة المقبلة.

إن لاعباً جديداً قد دخل على خط التوازنات السياسية والتحالفات في لبنان، وهو الانتفاضة الشعبية، التي تمكنت من سحب بعض من كتل أحزاب السلطة لمصلحتها، وعلى هذا الأساس يصبح تطوير الانتفاضة وتصعيدها ضرورة تفرضها طبيعة المواجهة القائمة؛ فتغيير السياسات مرتبط بتغيير موازين القوى وإعادة تشكيل السلطة وفق مكونات جديدة، تعكس، إلى حد مقبول، طبيعة القوى السياسية والمجتمعية التي تمثل، ليس القضايا فقط، بل نبض الشعب اللبناني الذي يرفض المشاريع التقسيمية في المنطقة وفي لبنان ويعمل على مقاومتها والتصدّي لها، كما يرفض التبعية للسياسات الاقتصادية والمالية والارتهان لها ولمؤسساتها الدولية التي تشكل الذراع المالية للإمبريالية. وعلى هذا الأساس نرى اليوم أن المهمة الأساس هي استكمال تلك المواجهة، من خلال الخطوات العملية المطلوبة:

التأكيد على استكمال خطة التحرك للضغط باتجاه تشكيل حكومة وطنية انتقالية من خارج أحزاب السلطة القائمة. مع ما يتطلبه ذلك من اتصالات لبلورة خريطة الطريق المؤدية إلى تحقيق ذلك.

الحفاظ على ساحات الاعتصامات في كل المناطق، وتشجيع الندوات واللقاءات الحوارية والنشاطات فيها.

استكمال تشكيل لجان تنسيق في الاعتصامات التي لم تتشكل فيها بعد وإصدار مواقف وبيانات باسم اللجان للتأكيد على أهداف الانتفاضة الشعبية.

في النهاية، التحية كل التحية للمنتفضين في مختلف ساحات الوطن، الذين تحمّلوا القمع والتخوين والتنكيل؛ فهذه الاستقالة أكدت أن الشعب اللبناني قادر على التغيير وعلى فرض خياره متى قرر ذلك. وأيضاً التحية إلى كل الرفاق والأصدقاء، والذين تحمّلوا أكثر من التعب والعمل المتواصل، تحملوا الاستهداف المباشر لهم في أمنهم وسلامتهم؛ فمناضلو حزب (جمول) اعتادوا التضحية خدمةً لقضايا شعبهم، وما بخلوا يوماً بذلك.

(*) عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني

العدد 889 - 4/12/2019