من القلب إلى القلب | قراءة في تاريخ (لا) النافية الفلسطينية!.. “تجربة الحوار مع الفلسطينيين”

عماد نداف:

مع تمركز حركة المقاومة الفلسطينية في لبنان، وقيام تحالفها العتيد مع الحركة الوطنية اللبنانية، اتضح أن الساحة اللبنانية تحولت تلقائياً إلى مركز استقطاب سياسي، وفيها تكاملت ظروف نضج هذا الاستقطاب، فإذا هي ساحة تغذي الثقافة والفكر والطباعة والصحافة إضافة إلى الهاربين من الأجواء السياسية غير المناسبة لهم في بلادهم.

تلقفت المقاومة الفلسطينية هذه الظروف، فأنشأت حوارات مع المجموعات السياسية الموجودة في سورية، فإذا بجيل من السوريين الشباب الوطنيين واليساريين يتخرطون فيها ويتعلمون منها ويشكلون أفقاً خاصاً بهم من خلالها.

ويتعلق ذلك بالمجموعات الدينية، التي وجدت في حركة فتح حضناً لها، فبيروت في هذه الحالة تحولت إلى الوعاء الذي يحتوي كل الظروف وكل الاتجاهات، ولذلك تدفق العديد من الشباب السوري إلى بيروت، وسريعاً أصبح العنوان الأساسي لجمهورية الفاكهاني، التي تشكلت قرب مخيمي صبرا وشاتيلا، هو يعبر عن التربة الخصبة للمجموعات التي تحمل شعار (لا النافية) في البنى السياسية المجاورة، من اليمين واليسار!

كانت المجموعات الشبابية اليسارية تتشكل تلقائياً في سورية مع تنامي الصراع داخل الحزب الشيوعي السوري، وكما هو معروف، ظهر المكتب السياسي (رياض الترك) نتيجة تلك الأزمة، وشكل جناحه عاملاً مشجعاً على ظهور أفكار يسارية جديدة، لكن المكتب السياسي لم يستوعبها، فما كان منها إلا أن تتجمع وتتحاور رغم جذورها الشيوعية والبعثية والتي يعود جزء منها إلى حركة الاشتراكيين العرب التي كانت واسعة الانتشار في الخمسينيات والستينيات.

وفي وثائق المجموعات اليسارية تلك، ما يشير إلى هاجس كبير عند أعضائها يتعلق بالبحث عن (بديل ثوري)، وهي عملية لم تكن محصورة في سورية، بل كانت تشمل البلاد العربية أيضاً. وعملياً استفادت هذه المجموعات من احتضان المقاومة لها في لبنان، فغذّتها وساعدتها، ونشرت لها وثائقها.

وفي أواخر السبعينيات من القرن الماضي، شهدت فكرة (البديل الثوري) ولادة أجسام حزبية، من بينها : (رابطة الشغيلة في لبنان)، و(رابطة العمل الشيوعي) في سورية، وقد رفعت هاتان الرابطتان شعارات سياسية يسارية جعلتها في صدام مباشر مع البنى السياسية المسيطرة!

وصلتُ إلى بيروت في مطلع عام ،1980 وكان واضحاً أن هذه الأجواء ستسحرني، كصحفي شاب يبحث عن هوية مهنية تقترب في عواطفها من المقاومة، وقد صادفت تلك الظروف التعرف على نماذج منهم تتصف بالوعي والشجاعة وسعة التجربة.

كان هناك شباب سوريون منخرطون في المقاومة، وكان أغلبهم في جبهة يسارية ذات أصول قومية معروفة هي (جبهة النضال الشعبي الفلسطيني)، ومن خلال هؤلاء السوريين وعلاقة أحدهم وهو عماد عبد القادر، مع الدكتور سمير غوشة (الأمين العام لجبهة النضال)، وأحمد المجدلاني (أمين شؤون الطلبة) في ذلك الوقت، إضافة إلى سلطان سامي (عضو المكتب السياسي في الجبهة)، جرت حوارات كثيرة واسعة تتعلق بالوضع العربي غداة اتفاقيات كامب ديفيد وظروف التسوية والتطبيع التي بدأت في الصعود.

وفعلياً توطدت العلاقة، وتم ترشيحي للعمل في المجلة المركزية (نضال الشعب)، وفيها تعرفت على رئيس تحريرها الكاتب محمد عادل، وعلى رسام الكاريكاتير الراحل ناجي العلي وآخرين من طاقم عملها الذين لا يحقّ لي ذكر أسمائهم، وكانت تجربة هامة في صقل تجربتي المهنية والفكرية معاً، وكانت الفاكهاني واحدة من المحطات الهامة التي ترغم من يعيش فيها على الاطلاع يومياً على أكثر من عشرين صحيفة ونشرة سياسية علنية وممنوعة، تحمل تناقضات الواقع السياسي العربي واتجاهاته، وبطبيعة الحال، كان هذا يعني تلقائياً التماس مع الصحافة اللبنانية من خلال العمل الإعلامي اليومي، ومن خلال هذا التماس تعرفت على الأستاذ دانيال نعمة، الذي كان يجول مع رفيقين له على الأحزاب اللبنانية لشرح وجهة نظر الحزب الشيوعي من الأحداث، كما تعرفت على ميشال النمري، الصحفي البارز الذي سيقتل بعد سنوات في أحد شوارع قبرص!

 

“يتبع”..

العدد 890 - 11/12/2019