فضاءات ضيقة | مشروع وزارة الثقافة ومديرياتها في التنفيذ

د.عاطف البطرس:

لأول مرة في تاريخ وزارة الثقافة تشهد مديرياتها في مجمل المحافظات السورية نشاطاً ثقافياً متنوعاً مموّلاً من قبل الوزارة ومنسقاً معها ضمن خطة برنامجية موحدة.

تُرك للمديريات حرية الحركة في الإعداد والتنفيذ بالتوافق مع المركز، ويشمل النشاط، ندوات فكرية، وأمسيات شعرية وندوات حول الرواية، ومعارض تشكيلية وفنوناً شعبية متنوعة، وحفلات موسيقية.

تقوم المديريات بتنفيذ الخطة المركزية وفق ظروفها الذاتية، دون التقيد بمدد زمنية محددة، على أن توزع الأنشطة على مدار العام.

استحدث على سبيل المثال في الرواية ندوة فارس زرزور في مديرية مدينة دمشق، وقد نفذت الندوة بنجاح وتميزت الندوة بغنى موضوعاتها، فهي ليست مكرسة لفارس زرزور وإنما اشتملت على محاور أخرى.

كما ستنفذ ندوة في اللاذقية باسم حنا مينه، وفي حلب ندوات متنوعة، وفي حمص وحماة سميت الندوات بأسماء أعلام ساهموا في إغناء الثقافة الوطنية والمعرفة الإنسانية.

أهمية هذه الندوات لا تكمن في غنى موضوعاتها وطابعها المحلي الوطني الإنساني، وإنما في تنظيم وتوحيد العلاقة والإيقاع بين المركز (الوزارة) والأطراف (المديريات)، وتنسيق العمل الذي لا تطغى فيه المركزية على حرية المديريات في التحضير والتنفيذ.

تقوم مديرية المراكز الثقاقية بتنظيم هذه العلاقة، ويساهم في إعدادها مسؤولون في وزارة الثقافة من ذوي الخبرة في مجال تنظيم الندوات.

ما كان لهذا النشاط أن يرى النور لولا موافقة وزير الثقافة الذي قدم إلى مجلس الوزراء مشروعاً متكاملاً لأنشطة الوزارة بكل مديرياتها، وقد نال موافقة رئيس مجلس الوزراء عليه، وهو الآن قيد التنفيذ.

في سورية كوادر ثقافية على درجة عالية من المسؤولية والكفاءة، وهم مستعدون للمساهمة بفعالية في الحراك الثقافي الفكري الذي أطلقته الوزارة، وما على القائمين والمشرفين إلا أن يوفروا الظروف المناسبة لإنجاح خطة وزارة الثقافة ومديرياتها، بوضع المعايير الموضوعية في اختيار المشاركين على أن يكون المعيار الأعلى الكفاءة والولاء للوطن.

تبقى المشكلة الأبرز والأهم وهي لمن تتوجه هذه الأنشطة؟ وهل هي على المستوى المطلوب؟ وكيف تتم العلاقة بين منتجي الثقافة والذين يتلقونها؟

يلاحظ بشكل عام تفاوت المشاركة، فبينما تبلغ الذروة في الفعاليات الموسيقية، تصل إلى الحدود الدنيا في الندوات الفكرية، وهذا وضع يمكن استيعابه، فالناس بحاجة إلى ما يبعث الفرح والبهجة في نفوسهم في ظروف غالية في الصعوبة والتعقيد، لذلك يقبلون على الأنشطة الموسيقية ويعزفون عن الندوات الفكرية، فيكفيهم الإجهاد الفكري والجسدي لتأمين احتياجاتهم اليومية.

لكن هذا الوضع لا يقلل من أهمية المشاركة في رفع المنسوب المعرفي والفكري، بغض النظر عن عدد المتفاعلين، لأن هذا من أولى واجبات وزارة الثقافة التي لم تبخل بتوفير الإمكانات اللازمة لإنجاح هذه الندوات.

العاملون في حقل الفكر والأدب والثقافة والفن لا يربطون أنشطتهم الثقافية بالأجور التي يتلقونها، لكن من المفروض أن يعاد النظر في تقديم الأجور اللائقة، وقد علمنا أن الوزارة قدمت اقتراحات حول ذلك، فمتى يتم تنفيذها؟!

القضية ليست مادية، إنها موضوع تحفيز للمثقفين في المشاركة، وتشجيع لهم على تجويد إنتاجهم ورفع وتائر نشاطهم، ليتسنى لهم ممارسة دورهم الوطني والمعرفي لما فيه خدمة الثقافة والوطن.

العدد 878 - 18/09/2019